إن طريقة الشيخ الأحسائي في استنباط الأحكام الفرعية والمسائل الشرعية هي طريقة العلماء الأصوليين , وإن عموم تلامذته وتابعيه قاطبة لهم مشرب أصولي , ومن قال: ( بأن الشيخ وتابعيه وأنصاره الواقعيين في هذه المرحلة ينتهجون طريقة الإخبارين ) فقد اشتبه أو ارتكب بهتاناً مبيناً.
مضافاً إلى كون طريقة استدلاله في رسائله العملية وغيرها طريقة أصولية تثبت حقيقة كونه ينتهج النهج الأصولي , فإنني أنقل واحدة من أجوبة المسائل التي كتبها المرحوم وهي حاوية لجميع نكات هذه المسألة حتى تتجدد للمطالعين الكرام معلوماتهم , وليقفوا على نمط جديد يخالف كل مسموعاتهم في هذا المجال.
قال المرحوم الشيخ أحمد الأحسائي في المجلد الثاني من ( جوامع الكلم ) في جواب سؤالات الملا فتح علي خان: ( قال – سلمه الله – : ما يقول سلطان العلماء في الاجتهادات الظنية , والإمارات العقلية , والاستنباطات الاستحسانية , ووجوب العمل بقول المجتهد الحي , وبطلان فتاوي الأموات؟.
أقول: مراد العلماء – رضوان الله عليهم – بالاجتهادات الظنية أن العالم يستغرق وسعه في تحصيل الظن بحكم شرعي , ومعناه: أن الأدلة التي يمكن استنباط الحكم منها أربعة: ( الكتاب ) , ( السنة ) و ( دليل العقل )
أما الكتاب: فهو في نفسه قطعي المتن لأنه متواتر لا يحتمل الريب , لكن دلالته على الحكم ليست قطعية بل تحتمل الاحتمالات الكثيرة , فإن فيه النص والمحكم والمجمل والمأول والمتشابه والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمبهم والمسكوت عنه …
وأما السنة: فهي ظنية الممتن والدلالة..
وأما دليل العقل: فهو بنفسه مجرداً عن الاستناد لا يكون دليلاً , إلا في الشاذ من المسائل , لأسباب يطول الكلام بذكرها.
وأما مع استناده إلى الأدلة , فهو حجة قطعية أو ظنية وورد في تفسير قوله تعالى ( وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ) أن النعم الظاهرة: الأنبياء والرسل والنعم الباطنة العقول.
ومعنى استناده إلى الأدلة: أنه ينظر في الكتاب والسنة ويستنبط من منطوقها ومفهومها الضوابط لتكون آلة له في الاستنباط للأحكام الشرعية …
وأما الإجماع: فهو وإن كان قطعي الدلالة – كما قررنا في رسالتنا الموضوعة في ( الإجماع ) – … )
وقال بعد كلام طويل: ( إن المجتهد والإخباري لا يمكن في أكثر أحكامه الخروج عن الظن ودعوى القطع في كل مسألة باطلة.
كيف .. ؟! , والإخباريان يختلفان في مسألة واحدة في الوجوب والحرمة كل منهما يدعي أن دليله قطعي , وأن حكمه مطابق للواقع فهل هذا إلا القول بالتصويب؟! وأن حكم الله الواقعي الوجودي متعدد , وهو مذهب أهل الخلاف واختلافهم في المسائل لا يكاد يحصى منها: أن الشيخ حسين بن عصفور رحمه الله أوجب الجهر بالتسبيح في الأخيريتين مدعياً القطع , وحرم جلد الذبيحة مدعياً القطع.
وعمه الشيخ يوسف – صاحب الحدائق – أوجب الإخفات بالتسبيح في الأخيريتين مدعيا القطع , وأحل الجلد كذلك و فأيهما وافق حكم الله الواحد الذي لا يتعدد ؟.
وإن أرادوا تسمية ذلك الظن علماً جازماً فلا ضرر , إذ لا مشاحة في الاصطلاح.
وقوله – سلمه الله – : ( الاجتهادات الظنية والإمارات القطعية ).
فيه تعريض بطريقة أهل الاجتهاد والأمر في ذلك إنما هو على نحو ما أشرنا إليه , وهو بذل الجهد واستفراغ الوسع في تحصيل الحكم من الأدلة الشرعية , لكن لما كان القطع بإصابة الحكم الواقعي الواحد في كل مسألة متعدداً , لاختلاف الآيات والروايات واختلاف الأفهام في مداركها نظرا إلى أحسن المقدمتين , الذي هو الظن فقالوا: الاجتهاد تحصيل الظن بحكم شرعي , وإن كان في بعض المسائل يحصل الجزم.
وقول السائل – سلمه الله تعالى – : ( والاستنباط الاستحسانية ).
فيه: أن ذلك ليس من مذهب أحد من الشيعة , بل هو من مذهب أصحاب الرأي والقياسات , وإنما نسب هذا إلى العلماء جهلاً بطريقتهم , فإن من جهل شيئاً أنكره فعلماء الشيعة مكرمون عن ذلك وإنما هو طريقة أعداء الدين.
وأما وجوب العمل بقول المجتهد الحي فهو مما لا ريب فيه على كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد , فمن نقص عن الاجتهاد وأخذ برأيه واستدلاله فقد أهلك وهلك والآيات قد أشارت إلى ذلك.
فمن الآيات قوله تعالى: ( لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) وهنا في الحي لا في الميت.
وقوله تعالى: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) والمسؤول حي
وقوله تعالى: ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وهم الأحياء لا الأموات.
وقوله تعالى: ( وجعلنا بينهم ) أي: بين الرعية والمقدلين , ( وبين القرى التي باركنا فيها ) وهم الأئمة عليهم السلام ( قرى ظاهرة ) وهم العلماء والمجتهدون ( وقدرنا فيها السير ) مثال لتكليف المقلد أي قدرنا على المقلد وأوجبنا عليه السير في القرآ الظاهرة وهم العلماء ( السير ) الأخذ عنهم والرد إليهم ( سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ) يعني به: خذوا عنهم ما أفتوكم به ( آمنين ) إذا أخذتهم عنهم من الضلالة وعن الجهالة.
وغير ذلك من الآيات ومن الأخبار ).
وبعد ذكر الأخبار قال: ( إن جواز تقليد الميت ليس قولاً للشيعة , وإنما قول للعامة , وقد صرح بهذا كثير من العلماء.
وإنما القول به من الشيعة مستحدث ومستحسن , فقد مضى وقت طويل من الزمان لم يقل أحد من الشيعة به فدل على بطلانه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة ).
والحاصل: لمثل ما سمعت نقول وبجوب العمل بقول المجتهد الحي وبطلان العمل بفتاوي الأموات ),
أقول: مما تقدم من البيانات ظهر أن المرحوم الشيخ الأحسائي – أعلى الله مقامه – أصولي في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية , وأن طريقته هي مطابقة لطريقة العلماء الأصولين , ولم يقل بأنه صاحب حزب أو فرقة بعينها , بل إنه يقول: نحن أصوليون والأصولي والإخباري كلاهما من الفرقة الناجية وهي الفرقة الاثنا عشرية.
المسلم الحقيقي والمؤمن الواقعي يجب أن يكون دقيقاً في مثل هذه الأمور , ويتفحص عن الحقيقة والقراء الكرام لو تفكروا في هذه المسألة وكانوا يريدون الوقوع على الحقيقة لصدقوا بلا تردد عقيدة المرحوم الشيخ – أعلى الله مقامه – منزهة من هذه النسب الباطلة , وبراء من تلك الأباطيل المزيفة , وأن روحه الطاهرة منزجرة من أولئك النفر الضال , وتبرأ إلى الله منهم.
الكاتب: خادم الشريعة الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب توضيح الواضحات