الشيخ الأحسائي والحكماء والفلاسفة

الشيخ الأحسائي والحكماء والفلاسفة

لم تعجب الشيخ الأحسائي فلسفة اليونان وحكمة الحكماء التي كانت مستندة على العقل والقياسات البشرية فقط , فقد جعل الشيخ استناده في أحكام المبدأ والمعاد والفروع والأصول , القرآن الكريم ومصطلحاته والأخبار الصحيحة حيث جعل محكمات الكتاب والسنة الشريفة أساس حكمته كما أفصح عن ذلك في أوائل كتابه ( شرح الفوائد ) حيث قال:

( أولئك – ويعني بهم: الحكماء والعلماء – يأخذون تحقيقات علومهم بعض عن بعض , وأنا لم أسلك طريقهم , وأخذت تحقيقات ما علمت عن أئمة الهدى عليهم السلام )

أقول: إن مقصود الشيخ من الحكماء والعلماء هم علماء الفلسفة والحكمة , أي: الحكماء والفلاسفة أخذوا أخذوا عمدة مطالبهم واصطلاحاتهم وتحقيقاتهم الحكمية من بعضهم البعض , أرسطوا من أفلاطون , وابن سينا من الفارابي , والفيض الكاشاني من الملا صدرا .. وهكذا.

ولو كان لهم رأي واجتهاد خاص , إلا أن سلوك هذا الطريق في معرفة المبدأ والمعاد والوصول إلى معرفة الحقائق الناموسية خطر وخطر عظيم لأن عقول البشر أصغر من أن تتمكن أن تصل – بالاستقلال – إلى حقائق الإيجاد والخلق , ولا يمكنها بنفسها أن تصل إلى أسرار الخلقة , وترد ساحة الأسرار الخفية بالاستقلالية , لذلك لم أتبع طريقة أولئك , ولم آخذ منهم شيئاً , بل ذهبت إلى الشارع السلطاني , وسلكت الصراط المستقيم ووضعت قدمي في هذه الساحة الآمنة , وسلكت أبواب الحكمة الإلهية فدخلت في مظاهر المعارف الربانية , ومعادن العلوم الحقيقية أعني بهم: المعصومين الأطهار عليهم السلام فتابعتهم , وهم طريق النجاة والسلامة وبهم ينحصر الخلاص من المهالك ون تبع المعصوم لن يضل وسينجى من الخطأ والخطر بلا تردد.

وبعد الجملة المذكورة في ( شرح الفوائد ) قال: ( لم يتطرق إلى كلاماتي الخطأ , لأني ما أثبت في كتبي فهو عنهم , وهم عليهم السلام معصومون عن الخطأ والغفلة والزلل ).

في هذه القضية – أيضاً – برزت جماعة تنسب نفسها إلى الشيخ , وإن جميع الخلافات في الحقيقة ظهرت منهم , واستحكمت بسببهم , حيث استفادوا من هذه الجملة الواردة عن الشيخ استفادة سوء , قالوا: إن الشيخ يقول أنا لا أذهب عن طريق ذهب فيه هؤلاء العلماء , وقد فسر حسب رأيهم العلماء بأنهم علماء الأصولين وأئمة الشيعة الاثني عشرية المقدسين.

وجعلوا هذه العبارة والجملة المتشابهة واتخذوها في مؤلفاتهم وسيلة للتشكيك , وبذلك جعلوا الشيخ عرضه للنقد والسهام وأظهروا مرامه ومقصوده النزيه بشكل معكوس , ليصطادوا بذلك في المياه العكره ما تسول لهم أنفسهم من ادعائهم الفاسد , وهو نفي علماء الشيعة الأصولين والمراجع المقدسة.

وهيهات ذلك .. فإن كلمات حضرة الشيخ المتينة ليست قابلة لسوء الاستفادة , ولا يمكن بهذه الأساليب السوفسطائية أن نلبس بالغش لبوس الباطل أبداً.

والآن لتوضيح الحقيقة , يلزمنا في هذا المجال أن نوضح – بإيجاز – للقراء الكرام ما يكشف اللثام عن وجه الحق , لتسود وجوه من تلبس بالغش وتتجلى الحقائق للجميع.

من البديهي أن أي مؤلف أو باحث عندما يذكر في كتابه وبحثه أسماء العلماء أو يناقش آراءهم إثباتاً أو نفياً يقصد بذلك أولئك العلماء الذين يرتبطون ببحثه وموضوعه الذي صنف من أجله الكتاب , مثلاً: إذا ذكر المرحوم الشيخ البهائي في الصمدية و أو ابن مالك في الألفية اسماً من العلماء , كان المقصود حتماً هو علماء النحو والصرف أمثال سيبويه وأضرابه.

وإذا ذكر في علم المنطق والكلام اسم عالم , كان المقصود من العالم في فن المنطق والكلام وهكذا , في الكتب الفقهية المراد علماء الفقه وفي كتب الحكمة والفلسفة هم الحكماء والفلاسفة.

وعلى هذا فإن مقصود الشيخ الأحسائي المرحوم في كتابه ( شرح الفوائد ) – وهو كتاب حكمي فلسفي – هو علماء الفلاسفة والحكماء وهو قد صرح بذلك أيضاً فيما قبل , وهو في كتابه هذا ليس له أي بحث مع علماء الأصول والمجتهدين أبداً , وأن عقيدته في الفقه وأصول الاستنباط للأحكام الشرعية قد ذكرت في رسائله العملية , وتوضحت في المسائل الفقهية وهي واضحة جلية.

وكما مر البحث في مبحث ( الأصولي والإخباري ) فإن ذلك العلامة الجليل هو أصولي ومن جملة العلماء الذين يرون الأحكام على الغالب ظنية , وإن الجمل المذكورة في ( شرح الفوائد ) ليست مرتبطة بالفروع ولا بفروع الفروع ولا بالأحكام الشرعية الفرعية , بل إنما هي مرتبطة بفروع الأصول.

وقد ظهر في النتيجة: أن الأشخاص الذين تشبثوا بهذه الجملة لإثبات ادعائهم إما كانوا ذوي أغراض شخصية أو كانوا – إن شاء الله – أميين وغير مطلعين على الموارد المذكورة , وبعيدين عن معرفة معتقدات ومصنفات حضرة الشيخ الكبير كل البعد.

ومن هذا يظهر كيف أن أعداء ومخالفي الشيخ المرحوم كانوا قد بلغوا ذروة الظلم , وابتعدوا عن ساحة العدل والإنصاف , وكيف ارتكبوا جناية كبرى وآية جناية تلك التي ارتكبوها؟! وأية تهمة وبهتان عظيمين ألصقوا بساحة هذا الرجل المقدس الرائد الكبير المقدسة النظيفة الطاهرة؟! إنهم في الحقيقة سودوا صحائف التاريخ البيضاء الناصعة بأقلامهم الجائرة المحملة بالعار والشنار , حيث خلفوا لأنفسهم الذكر الرديء والسيرة الملوثة بعملهم وفعلتهم تلك.

إن القرأء الكرام يجب أن يتوجهوا – بعد مطالعة هذا الفصل – وسائر فصول هذا المختصر – بأن جميع التهم الموجهة إلى هذا الرائد الكبير كلها من هذا القبيل , وإن روح الشيخ المرحوم المغفور له المقدسة لم تخبر بما وجه إليه من افتراءات باطلة , وما نسب إليه من تهم لم يعلم بها ولم يقترفها.

الكاتب: خادم الشريعة الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب توضيح الواضحات

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة