حدّث الأصبغ بن نباتة، قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأوّد في مشيته ويخبط الأرض بمحجنه، وكان مريضاً، فأقبل عليه أَمير المؤمنين صلوات الله عليه وكانت له منه منـزلة، فقال: كيف تجدك يا حارث؟ فقال: نال الدهر يا أمير المؤمنين منّي، وزادني أواراً وغليلاً اختصامُ أصحابك ببابك، قال: وفيمَ خصومتهم؟ قال: فيك وفي الثلاثة من قبلك، فمن مُفرط منهم غالٍ، ومقتصد قالٍ، ومن متردّد مرتاب لا يدري أيُقدم أم يحجم، فقال: حسبك يا أخا همدان، ألا إنّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التالي.
إلى أن قال: وأبشّرك يا حارث، لتعرفنّي عند الممات وعند الصراط وعند الحوض وعند المقاسمة، قال الحارث: وما المقاسمة؟ قال: مقاسمة النار، أُقاسمها قسمة صحيحة، أقول: هذا وليّي فاتركيه، وهذا عدوّي فخذيه، ثمّ أخذ صلوات الله عليه بيد الحارث فقال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيدي فقال لي: ـ وقد شكوت إليه حسد قريش والمنافقين لي ـ إنّه إذا كان يوم القيامة أخذتُ بحبل الله وبحُجزته ـ يعني التمسّك بعصمته تعالى ـ وأخذت أنت يا علي بحجزتي، وأخذت ذريّتك بحجزتك، وأخذت شيعتكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله بنبيّه، وما يصنع نبيّه بوصيه؟ خُذها إليك يا حارث قصيرةً من طويلةأنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت ـ يقولها ثلاثاً ـ فقام الحارث يجرّ رداءه ويقول: ما أبالي بعدها متى لقيتُ الموت أو لقيني».
وأنشد الحميري ما تضمّنه هذا الخبر:
قول علي لحارث عجب كم ثم أعجوبة له جملا
يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن كان أو منافق قبلا
يعرفني طرفه وأعرفه بعينه واسمه وما فعلا
وأنت عند السراط تعرفني فلا تخف عثرة ولا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين توقف للعرض على جسرها ذري الرجلا
ذرية لا تقربيه إن له حبلا بحبل الوحي متصلا
هذا لنا شيعة وشيعتنا أعطاني الله فيهم الأملا