إن أي كتاب أو أي حديث أو أي شعر أو أي نثر إذا قرئ أو سمع مرة واحدة أو عدة مرات فسيفقد حداثته ولذته ويتحول إلى كلام عادي , إلا القرآن الكريم فإن كلماته المحكمة , وآياته البينة , تبقى دائماً وأبداً حية وجديدة , ولو قرئت آلاف المرات تبقى جاذبة للقلوب عند القراءة باعثة فيها النور والصفاء , وهذه إحدى جوانب الإعجاز في هذا الكتاب المقدس , فإنه دائماً وفي جميع الأزمان جاذب للقلوب , ومطهر لها , ونافذ بعمق فيها وفي النفوس !
وما أكثر الفصحاء والبلغاء الذين استمعوا إلى آية أو مجموعة آيات كريمة فصعقوا لما فيها من بلاغة وإعجاز بياني .
وكذلك ما أكثر الأستاذة والعلماء وفلاسفة التاريخ ممن تعمقوا قليلاً في معاني القرآن وحكمته فإذا بهم يهيمون بها ويحتارون بأمرها , فأعرضوا عن فرضياتهم الفلسفية , واعتبروا هذا الكتاب السماوي معلم حكمة وأخلاق للعالم .
نعم , إذا رأينا أن بعض الأقوال والأحاديث قد احتفظت بطراوتها وبقيت مورد استشهاد أهل العلم والأدب , كبعض الأشعار الحكمية للحكيم (( أبي القاسم الفردوسي )) – رحمه الله – أو أشعار الشاعر (( سعدي الشيرازي )) , أو غزليات الشاعر __ حافظ )) العرفانية , وغيرهم فإنما كان ذلك لأن منابع ومصادر أقوالهم هي الآيات الكريمة وكلمات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام .
ومتى ما سمعنا أقوالاً مخالفة لأقوال أهل بيت العلم والنبوة عليهم السلام , أو قرأناها فلربما نحس بلذة فيها للوهلة الأولى , ولكن سرعان ما تزول هذه اللذة فتصبح كالسراب في زواله فيصاب المستمع بعد لحظات عديدة من استماع القائل بحالة يأس ورحمان .
هذا الأمر واضح لكل أديب وعالم ومحقق . ولا يحتاج إلى دليل وبرحان , فشعاع الشمس دليل على وجودها .
إن هذا الجذب المعنوي في القرآن الكريم هو بعينه من دون زيادة أو نقصان ظاهر في الوجود المقدس لأهل بيت النبوة عليهم السلام , وفي كلماتهم الجليلة التي ملأت الكتب , وهي ليس فقط عند سماعها وقراءتها لا تبلى لدى السامع والقارئ فتفقد جاذبيتها , بل كلما قرئت من جديد أعطت معنى وجذباً جديدين .
وعلى سبيل المثال نجد أن كتاب ( نهج البلاغة ) لمولى المتقين أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي مضى عليه ألف وأربعمائة سنة تقريباً وهو يتداول بين العلماء وينتقل بين أيدي الأعداء والأصدقاء , وقد كتبت له شروح كثيرة وترجمات عديدة إلى جميع اللغات العالمية الحية , وطبع بأعلى نسب الطبع وانتشر بين الناس ومع ذلك لا نجد حتى سطراً واحداً منه قد تلف وبلي , بل اعترف جميع العلماء والمفكرين العالميين – حتى بعض دعاء العلم والتمدن – أن ألفاطه وكلماته البليغة وأسراره ومعانيه الدقيقة وحكمه ومعارفه اللطيفة تزداد جاذبية يوماً بعد يوم , جاذبية إليها قلوب وأرواح رحال العلم والأدب والحكمة والعدالة حتى لقب هذا الكتاب بـ : ( أخ القرآن ) .
وكذلك أطلق على المجموعة المقدسة لأدعية الإمام السجاد عليه السلام ( الصحيفة السجادية ) الحاوية على مناجاته وأدعيته الجليلة لقلب ( أخت القرآن ) . ومثلها بقية آثار وكلمات سائر المعصومين عليهم السلام التي تجلب إليها أنظار المحققين والعلماء في كل زمان .
ويلاحظ من له إطلاع في الوضع العالمي , الآثار العظيمة التي تركها الصادقان ( الإمام محمد الباقر , والإمام جعفر الصادق عليهما السلام ) في العلوم المعاصرة لدى الجامعات العالمية والمراكز العلمية مما يجعلهم مبهورين بها .
وفضلاً عن وجودهم المقدس عليهم السلام وآثارهم وكلماتهم الجليلة فإن مراقدهم المطهرة كانت منذ يوم استشهادهم مطافاً ومزاراً لمؤمني العالم دون أن يكون للزمان أثر في تقليل ما فيها من جانب معنوي وملكوتي , بل هي كل يوم تنقد إلى القلوب أكثر فأكثر , وتجلب إليها الأبدان , ورغم كل هذه الدعايات المسمومة , والمحاولات الشيطانية في كل زمان من قبل شياطين الإنس والأعداء لإبعاد الناس عنهم عليهم السلام , فإننا نجد أن مزاراتهم يؤمنها في كل سنة وفي كل شهر وفي كل يوم من العشاق أكثر فأكثر لأنها بيوت النبي , والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا نهتدي لولا أن هدانا الله .
كانت هذه أربع عشرة مسألة من أمهات المسائل العقائدية فيما يخص القرآن الكريم وأهل البيت المعصومين عليهم السلام , ذكرناها خلاص مضمون حديث (( الثقلين )) الشريف , ولو لم يكن لدينا دليل عير هذا الحديث في إثبات المقام العالي والدرجات الشامخة لأهل البيت عليهم السلام , لكان كافياً في إثبات ذلك ولا حاجة لأي دليل آخر , في حين أن قسماً عظيماً من آيات القرآن الكريم وآلاف الكتب المهمة والمعتبرة للفريقين مملوءة بذكر وشرح فضائلهم ومناقبهم عليهم السلام , مما يحير العقول ويشد الأنظار ويفرح قلوب المؤمنين وينورها .
والحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب على ولايتهم ومحبتهم عليهم السلام والسلام عليكم وعلى عباد الله الصالحين ورحمة الله وبركاته .
المصدر : تفَسير الثقلين.
المؤلف : سماحة آية الله المَعظّم المولى
الحَاجُ ميرزا عَبدُ الرَسِوُل الحائِري الاِحقاقي.
( خدام أوحديين )
للإشتراك في حساب الانستقرام لمجموعة الأوحد :- alaw7ad@