التفسير الباطن

التفسير الباطن

سؤال إلى سماحة المولى الميرزا علي الحائري الإحقاقي قدس سره

ما يقول شيخنا ( أيّده الله ) في تأويل قوله تعالى : { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً }

فمن موسى ومن العصا وما الحجر و ما العيون ؟

*الجواب *

وأما الباطن والتأويل

*فموسى الحقيقي * هو نبينا محمد صلى الله عليه و آله

وموسى نبي إسرائيل إنما سمي موسى لأن آل فرعون التقطت صندوقه الذي كان فيه من نهر النيل بين الماء والشجر فسموه موشى ( بالشين المعجمة ) على اللغة العبرانية , وكلمة ( مو ) عبارة عن الماء و (شى ) عن الشجرة , فلما نقل إلى العربية موسى ( بالسين المهملة ) وكذا كل شين ( بالمعجمة ) في العبرانية هو سين ( بالمهملة ) في العربية ظاهراً , وعيسى في لغتهم عيشى بالمعجمة , وهكذا .

ونبيّنا ( صلى الله عليه و آله ) هو الذي تخلّق من ماء الوجود النازل من سحاب المشئية الإلهية , إذ لا خلق قبله , ومن شجرة صورته وإنيته وماهيته التي هي الشجرة المباركة الأولية التي لا شرقية هي ولا غربية………..

فيكون موسى الحقيقي الأصلي الأولي هو نبينا محمد ( صلى الله عليه و آله ) , وهو الذي عناه مولانا ومولى الكونين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في قوله : « أنا عصا موسى لا موسى نبي إسرائيل »

وإلا لزم أن يكون من هو أفضل و أشرف بمراتب لا يحصيها إلا خالقه آية و معجزة لمن هو أدنى و أنزل منه بمراتب كذلك , وكيف تكون الآية أفضل وأشرف من ذي الآية ؟ ومحمد و آله الطاهرين ( سلام الله عليهم ) أفضل من كل نبي وملك ومن كل ما سوى الله تعالى , والأنبياء عامة خلقوا من فاضل أنوارهم و شعاع أجسامهم الشريفة , كما هو منطوق الأخبار المستفيضة , بل المتواترة , بل هم الوسائط لتكون وجوداتهم , فيكون مقامهم بالنسبة إلى الأنبياء مقام العلة و المؤثر , فكيف يكون العلة والمؤثر آية ومعجزة للمعلول والأثر وهذا خلاف الحكمة , بل هو في الحقيقة انقلاب للحقيقة .

فبثت أن موسى الذي عناه مولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في قوله : « أنا عصا موسى » هو نبيّنا ( صلى الله عليه و آله ) لا غير , كي يوافق كونه عصا له وآية و معجزة وبرهاناً , فافهم .

ومن هذا البيان ظهر لك معنى العصا في الآية الشريفة تأويلاً وأنها هي إمامنا أمير المؤمنين علي ( عليه الصلاة والسلام ) , فكما أن موسى الظاهري إنما ظهرت نبوته وقهر عدوه وفرعون زمانه بعصاه , وغلب السحرة بتلك العصا , و بها فلق البحر و ضرب الحجر فانفجرت العيون منه , وغير ذلك مما صدر منها , فصارت العصا آية باهرة ومعجزة سماوية له لا ترد ولا تبطل , فكذلك علي ( سلام الله عليه ) بالنسبة إلى نبيّنا هو آية الله الكبرى و معجزة نبينا العظمى وعصاه التي لا تنثني ولا تنثلم ولا ترجع قهقرى , و يتكأ عليها في جميع أموره ويهش بها على غنمه وأمّته ورعاياه و له فيها مآرب أخرى في الدنيا وفي البرزخ و الأخرى , وما ظهرت بل وما استقرت نبوّته إلا بعلي ( عليه السلام ) بل لم يؤمربالتبليغ وإظهار البعثة إلا بعد تولده وبلوغ سنّه عشر سنوات , فشد به ازره و أشركه في أمره وأيّده به ونصره , فجعل يدافع عنه ويذب عنه الجهّال وعتاة المشركين وطغاة المنافقين , ويرغم آناف صناديد قريش , وماحضرت معضلة إلا كشفها علي ( عليه السلام ) ولامشكلة إلا وحلّها و لا كربة إلا وفرّجها و لا غزوة إلا و حضرها و صار الفتح و النصر على يديه , ولا زال يغوص الشدات و ينغمر في لجج الكربات فيتخلص عنها نجياً , و ينجو منها ظافراَ مهدياً , وما برح يكشف الكرب عن وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الحروب و الغزوات وغيرها حتى استقرت نبوّته وثبتت شريعته ونفذت كلمته واتسعت دائرته وانتشرت دعوته , فكان له ( صلى الله عليه وآله ) كما أفصحت عنه سكنه وزوجته وكفوه ، رضيعة الوحي وأرض الولاية في خطبتها قائلة : « أو نجم قرن للشيطان و فغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه و يخمد لهبها بسيفه مكدوداً في ذات الله مجتهداً في أمر الله قريباً من رسول الله سيداً في أولياء الله مشمراً ناصحاً مجدّا كادحاً . . . الخ »

ولولاه لما قام عمود الإسلام وما اخضر عوده , ولولا حسامه ما كمل الدين و لا تنشبت عروقه , فهو العصا الموجه بها في جميع حاجات الرسول و مأربه و الناهض المكافح الناطح الساعي المجد في عامة مطالبه . فحق له ( عليه السلام ) إذا قال : « أنا عصا موسى » ومثل هذه الآية العظمى و المعجزة الكبرى لا تليق إلا لمثل ذلك النور الأتم و التجلي الأعظم , الرسول الأكبر وخير كافة الخلق و البشر , صلى الله عليه وعلى عصاه و آلهما الطيبين الطاهرين .

وأما الحجر في تأويل الآية , فهي سيدتنا الزهراء و الصدّيقة الكبرى التي على معرفتها دارت القرون الأولى , كما في أمالي الشيخ عن الصادق ( عليه السلام ) .

وكما أن ذلك الحجر نزل من الجنة كما مرَّ في الرواية عن إمامنا الباقر ( عليه السلام ) , فكذلك هذه السيدة الطاهرة كان نورها مودعاً في شجرة من أشجار الجنة , كما عن عيون المعجزات . فلما دخل والدها رسول الله الجنة أوحي إليه أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك فخلقت من ذلك النور .

ولما أراد الله سبحانه نجاة الخلق من تيه الضلال , وترويهم من آداب المعرفة الكمال ورزقهم من فنون العلم , و كل فيض كوني و شرعي دنيوي و أخروي , أوحى الله تعالى لنبيه محمد ( صلى الله عليه و آله ) أن اضرب بعصاك الحجر , أي زوِّج النور من النور فنهض ممتثلاً بأمر الله قائماً بوظائف ذلك الازدواج مهتماً لما قدّر الله منهما من عظيم النتاج , حيث قال تعالى : { مرج البحرين يلتقيان – بينهما برزخ لا يبغيان } إلى قوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان }

بعد ما جرى في الملأ الأعلى و العالم العلوي من الله سبحانه في هذا الزواج من الاهتمام و عظيم الاعتناء بما لم يجر لأحد من الأولين والآخرين من إجراء الله ( عزَّ وجلَّ ) عقد المزاوجة بنفسه جلّ وعلا , وخطبة راحيل عنه سبحانه في البيت المعمور في جمع من أهل السماوات و ترجمة جبرائيل أيضاً عن الله ( جلّ و علا ) بنظير تلك الخطبة و تزيين الجنان بأمر خازنها رضوان و نثار الياقوت والمرجان وجعل المهر والنحلة ربع الدنيا و أنهارها الأربعة العظمى وجنة المأوى و الشفاعة الكبرى تدخل الجنة من شاءت من مواليها و النار من معاديها . وكل ذلك مقتضى الروايات الكثيرة و غير ذلك من عنايات الله تعالى وكرامته على هذه البضعة المباركة التي هي الحجر المكرم لتلك العصا , وهي الأرض المقدسة البيضاء لسماء الولاية الكبرى , فلا موقع لتلك العصا إلا هذا الحجر , كما أنه ليس لهذا الحجر قرين إلا تلك العصا .

وأما تأويل العيون في الآية , فهي الأئمة الاثني عشر المنبجسة من الحجر المعنوي المتشعبة من تلك الأرض النقية النوراء , وهم الهداة للخلق والدعاة إلى الحق , كل في زمانه وأيامه على حسب الظاهر, وفي جميع الأزمنة والدهور باطناً وواقعاً . ما عرف أحد ربه و ما علم الناس بل كل الخلق على طبقاتهم مشربهم إلا بهم , وبواسطتهم . وما وصل لأحد من خير أو فيض أو علم إلا منهم و عنهم وبهم , فهم أصل كل خير في جميع العوالم . كما في نص الزيارة الجامعة ومبدأ كل فيض و معرفة لعامة الخلق من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين جميعاً إلا سيدهم محمد ( صلى الله عليه وآله ) . وكل طبقة من المخلوقات يتلقّى الفيض عنهم ( عليهم السلام ) من الله تبارك و تعالى . وكل أحد على مقدار إقباله وسؤاله ينال من فضلهم و جودهم . وهذا تأويل قوله سبحانه : { فسالت أودية بقدرها } فهم العيون المتفجرة العذبة لما سوى الله على مراتبهم و درجاتهم من سلسلة الموجودات , فخذها قصيرة من طويلة.

وهذا التأويل المذكور للعصا و الحجر و العيون مستفاد من بيانهم وتفسيرهم , وعليك بكتاب ( صحيفة الأبرار ) في الصفحة ( 150) الحديث التاسع من الجزء الثاني , حيث قال : وفيه , أي في كتاب الحسين بن حمدان مسنداً إلى جابر الجعفي , قال : قال سيدي الباقر محمد بن علي ( عليهما السلام ) في قوله الله ( عزَّ و جلَّ ) : { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منة اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين }

قال ( عليه السلام ) : « إن قوم موسى لما شكوا الجدب و العطش استسقوا بموسى فاستسقى لهم فسمعت ما قال الله لهم ومثل ذلك قال المؤمنون إلى جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقالوا له : يا رسول الله تعرفنا من الأئمة من بعدك فما مضى نبي إلا وله وصي وأئمة من بعده وقد علمنا أن عليّاً وصيك فمن الأئمة من بعده فأوحي الله إليه أني قد زوجت علي بفاطمة في سمائي تحت ظل عرشي وجعلت جبرائيل خطيباً لها وميكائيل و كيلها و إسرافيل القابل عن علي وأمرت شجرة طوبى فنثرت عليهم اللؤلؤ الرطب و الدر و الياقوت و الزبرجد الأحمر و الأصفر و الأخضر ومناشير مخطوطة بالنور فيها أمان الملائكة من سخطي وعذابي فنثار فاطمة تلك المناشير في أيدي الملائكة يفتخرون إلى يوم القيامة وجعلت نحلتها من علي ونحلتها عني خمس الدنيا و ثلثي الجنة وجعلت نحلتها في الأرض أربعة أنهار الفرات و نيل مصر و سيحان وجيحان فزوجْها أنت يا محمد بخمسمائة درهم تكون إسوة بها لأمّتك بابنتك فإذا زوجت فاطمة من علي فعلي العصا و فاطمة الحجر يخرج منها أحد عشر إماماً من صلب علي يتم اثني عشر إماماً لعلي حياة لأمتك تهتدي كل أمة بإمامها في زمنه ويعلم كل قوم مشربهم كما علم قوم موسى مشربهم فهذا تأويل هذه الآية وكان بين تزويج علي بفاطمة في السماء و تزويجها في الأرض أربعون يوماً » .

فقد صرّح الإمام ( عليه السلام ) بأن العصا علي و الحجر فاطمة و العيون الأئمة الاثني عشر , فإن قلت : إذا كان العصا هو أمير المؤمنين و الحجر فاطمة الزهراء و الذين تولدوا منهما هم أحد عشر إماماً فأين الاثنتي عشرة عيناً ؟ فإن عدّ علي من العيون لتكميل الاثنتي عشرة فأين العصا ؟ و من تكون هي ؟ و المفروض أنه هو العصا , قلت : إن لأمير المؤمنين مقامين و رتبتين :

مقام به يختص و لا يشاركه أحد من الأئمة ولا غيرهم من الأنبياء و الأوصياء , وهو مقام كونه أصلاً للتفاصيل و مقام كونه سيد الأوصياء وأميرهم يميرهم العلم ميراً , فلذا لا يجوز لغيره أن يقال له أمير المؤمنين لأن المؤمنين الحقيقيين هم الأئمة أولاده الطاهرون , فلا يكون غيره أميراً لهم , ففي هذا المقام هو ( سلام الله عليه ) عصا لا غير ولا يشاركه غيره .

و المقام الثاني مقام كونه إماماً للخلق كسائر الأئمة و هادياً لهم تنتفع الخلق منه كما تنتفع منهم و يأخذون أحكامهم ومعالم دينهم منه كما يأخذون من باقي الأوصياء , و يهتدون بنوره و علومه كما يهتدون بنور سائر الأئمة و علومهم , ويعرفون به ربهم وخالقهم كما يعرفون بأولاده المعصومين ,ففي هذا المقام يكون علي ( عليه السلام ) مساوياً مع أولاده الأئمة ( عليهم السلام ) في سد احتياج الخلق و كفاية أمورهم و هدايتهم ودعوتهم إلى الله تعالى , و إن كان أفضلهم و سيدهم فهو حينئذ عين من العيون و قائد من القادة وسيد من السادة يشارك الأئمة في وظيفتهم و لباسهم , بخلاف مقام كونه عصا , فإنه مقام يمتاز به و يختص له ولا يشارك أحد فيه بوجه , وهو ( سلام الله عليه ) في مقام كونه عصا غير مقام كونه عيناً من العيون , فلا ينافي أنه مع كونه عصا في المقام الأول يكون مكملاً لعدد العيون الاثنتي عشرة في المقام الثاني , فهو من جهة عصا ومن جهة عين من العيون , فارتفع الإشكال بحول الله , فخذها وكن من الشاكرين …….

📚الكلمات المحكمات للمولى الحكيم الإلهي الميرزا علي الإحقاقي قدس سره

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading