البرهان في تفسير القرآن، ج٣، ص: ٧١٨ قوله تعالى: وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا [٥٢]

البرهان في تفسير القرآن، ج٣، ص: ٧١٨

قوله تعالى:
وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَ قَرَّبْناهُ نَجِيًّا [٥٢]

٦٨٩٥/ «١»- عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: «جَاءَ إِبْلِيسُ (لَعَنَهُ اللَّهُ) إِلَى مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ هُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَقَالَ لَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: وَيْلَكَ، مَا تَرْجُو مِنْهُ، وَ هُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، يُنَاجِي رَبَّهُ؟ فَقَالَ: أَرْجُو مِنْهُ مَا رَجَوْتُ مِنْ أَبِيهِ آدَمَ وَ هُوَ فِي الْجَنَّةِ. وَ كَانَ مِمَّا نَاجَى اللَّهُ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا مُوسَى، إِنِّي لَا أَقْبَلُ الصَّلَاةَ إِلَّا مِمَّنْ تَوَاضَعَ لِعَظَمَتِي، وَ أَلْزَمَ قَلْبَهُ خَوْفِي، وَ قَطَعَ نَهَارَهُ بِذِكْرِي، وَ لَمْ يَبِتْ مُصِرّاً عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَ عَرَفَ حَقَّ أَوْلِيَائِي وَ أَحِبَّائِي.

فَقَالَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا رَبِّ، تَعْنِي بِأَوْلِيَائِكَ وَ أَحِبَّائِكَ، إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ؟ قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي أَرَدْتُ بِذَلِكَ مَنْ مِنْ أَجْلِهِ خَلَقْتُ آدَمَ وَ حَوَّاءَ، وَ مِنْ أَجْلِهِ خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ.

فَقَالَ: وَ مَنْ هُوَ يَا رَبِّ؟

قَالَ: مُحَمَّدٌ، أَحْمَدُ، شَقَقْتُ اسْمَهُ مِنِ اسْمِي، لِأَنِّي أَنَا الْمَحْمُودُ، وَ هُوَ مُحَمَّدٌ.

فَقَالَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا رَبِّ، اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّتِهِ.

فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ مِنْ أُمَّتِهِ إِذَا عَرَفْتَهُ، وَ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَهُ، وَ مَنْزِلَةَ أَهْلِ بَيْتِهِ، إِنَّ مَثَلَهُ وَ مَثَلَ أَهْلِ بَيْتِهِ فِيمَنْ خَلَقْتُ كَمَثَلِ الْفِرْدَوْسِ فِي الْجِنَانِ، لَا يَنْتَثِرُ وَرَقُهَا، وَ لَا يَتَغَيَّرُ طَعْمُهَا، فَمَنْ عَرَفَهُمْ، وَ عَرَفَ حَقَّهُمْ جَعَلْتُ لَهُ عِنْدَ الْجَهْلِ عِلْماً «١»، وَ عِنْدَ الظُّلْمَةِ نُوراً، أُجِيبُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَنِي، وَ أُعْطِيهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَنِي. يَا مُوسَى، إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا، فَقُلْ: مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ، وَ إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا، فَقُلْ: ذَنْبٌ تَعَجَّلَتْ عُقُوبَتُهُ. يَا مُوسَى، إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ عُقُوبَةٍ، عَاقَبْتُ فِيهَا آدَمَ،عِنْدَ خَطِيئَتِهِ، وَ جَعَلْتُهَا مَلْعُونَةً بِمَنْ فِيهَا، إِلَّا مَا كَانَ فِيهَا لِي، يَا مُوسَى، إِنَّ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ زَهِدُوا فِيهَا بِقَدْرِ عِلْمِهِمْ بِهَا، وَ سَائِرُهُمْ مِنْ خَلْقِي رَغِبُوا فِيهَا بِقَدْرِ جَهْلِهِمْ، وَ مَا مِنْ خَلْقِي أَحَدٌ عَظَّمَهَا فَقَرَّتْ عَيْنُهُ فِيهَا، وَ لَمْ يُحَقِّرْهَا أَحَدٌ إِلَّا تَمَتَّعَ بِهَا».
ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «إِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ لَا تُعْرَفُوا فَافْعَلُوا، وَ مَا عَلَيْكَ إِنْ لَمْ يُثْنِ عَلَيْكَ النَّاسُ، وَ مَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مَذْمُوماً عِنْدَ النَّاسِ، وَ كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مَحْمُوداً، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ إِحْسَاناً،وَ رَجُلٍ يَتَدَارَكُ مَنِيَّتَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَ أَنَّى لَهُ بِالتَّوْبَةِ؟ وَ اللَّهِ لَوْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ إِلَّا بِوَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، أَلَا وَ مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَ رَجَا الثَّوَابَ فِينَا، رَضِيَ بِقُوتِهِ نِصْفِ مُدٍّ «٢» كُلَّ يَوْمٍ، وَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَ مَا أَكَنَّ رَأْسَهُ، وَ هُمْ فِي ذَلِكَ خَائِفُونَ وَجِلُونَ».

(١)- تفسير القمّيّ ١: ٢٤٢.
(١) في «ج، ي»: حلما.
(٢) المدّ: مكيال قديم، يعادل نحو ٦٨٧ غراما.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading