استقبال أهالي تبريز للميرزا علي والميرزا حسن
Posted on السبت ۱٤ ذو الحجة ۱٤٤۲هـ ۲٤-۷-۲۰۲۱م
by شبكة نور الإحقاقي
Leave a Comment

استقبال أهالي تبريز للميرزا علي والميرزا حسن
كتب الميرزا حسن في مذكراته (اساس السعادة)
وما إن وصلنا إلى قرية بناب حتى ترجل الآغا سيد أحمد من راحلته، ووقف أمام هودجنا، وقال: ما لم أخبر الناس بوصولكم لن أسمح لكم بالتقدّم خطوة واحدة!
فقال أخي المقدّس: أنا لا أنشد الاستقبال والترحيب؛ لماذا كل هذا التسبّب بمشقة الناس وإزعاجهم؟ .. أرى من الأفضل أن ندخل المدينة دون إشعار أهلها.
فقال السيد أحمد الزعفراني: كلا، لن يكون ذلك أبداً .. إن هؤلاء المساكين يتمنون هذا الشرف. وأنا أعتذر من وقاحتي وجرأتي، ولكن من المحال أن أسمح بدخولكم دون إخبار الأهالي،
فتوقفنا في ذلك الموضع البديع لساعة من الزمن بسبب إصراره التام، وكان المشهد الذي تمثل أمامنا يبدو بسبب تراكم المزارع الخضراء وكأنه قطعة من الزبرجد
أخذ الحاج علي أكبر بزمام راحلتنا وأخذ يقودها في طليعة القافلة ببطء .. ثم أخذت طلائع المستقبلين من الأهالي تظهر أمامنا شيئاً فشيئاً، وكان كل واحد يصل منهم يبدي أسفه واعتذاره من عدم علمه بوصولنا .. وهكذا أخذ الناس يتوافدون لاستقبالنا رجالاً وركباناً على نحو متواصل، ثم دخلنا المدينة وكانت الجموع تزدحم بالتدريج، وتصاعد الغبار حتى ملأ الفضاء؛ فنزلنا من على رواحلنا، وعرضوا علينا ركوب الخيل وقيادتها بأنفسهم، ولكن أخي المقدّس أبى ذلك، وانضم إلينا عالم وقور وأخذ يعرّف بالخاصة من الوفود المستقبلة. وأخذت طلائع الركبان والمشاة تنشد (الألحان الداوودية) ثم وصل المقرّبون من سماحة سيف العلماء وأهله، وأخذوا يُعربون عن سعادتهم وغبطتهم بقدومنا، وأغلقت المحال التجارية والأسواق بالكامل، وكانت أصوات الصلوات تملأ أجواء المدينة، ولم يكن في مقدورنا رؤية مقدمة الجموع المستقبلة، كما لم نتمكن من رؤية نهاية الحشود، وكان الكلّ يدعو لنا رجالاً ونسائاً وشيوخاً وشباباً، ولشدة الزحام ارتفعت سحابة كبيرة من الغبار الكثيف
وصلت طلائع المستقبلين ركباناً وراجلين، وهم يعبّرون عن سعادتهم وحبورهم، وكان هناك منهم من يذرف الدمع من شدّة الفرح، وارتفعت أصوات المنشدين والصلوات، وامتزجت أصوات البكاء والضحك من كل جانب
ضحّى الكربلائي أحمد آغا بكبش تعبيراً منه عن الترحيب بنا، وأشار علينا بالدخول إلى بيته؛ فدخلنا البيت وأخذنا أماكننا من إحدى غرفه
قرابة الظهر لاحت لنا جدران (شيرمين) من بعيد ..
كانت طلائع المستقبلين تصل على شكل جماعات جماعات، وكان المنشدون ينشدون الأهازيج على مقام الحجاز .. وتمّ ذبح الكثير من الخراف على مدخل جميع المعابر .. وكانت النسوة يبتهلن بالصلوات ويحرقن الحرمل .. وكان الجميع في فرح وحبور حتى أنهم كانوا في فوضى عارمة، وكأن الواحد منهم كان على استعداد للتضحية بنفسه بدلاً من الأضاحي
لاحت لنا مدينة دهخوارقان من بعيد، وكانت على مسافة نائية من الطريق العام .. وكان الفرسان وجموع المستقبلين تأتي تباعاً وأخذ المستقبلون المشاة والراجلون بدورهم يظهرون شيئاً فشيئاً .. كان المنشدون ينشدون، والأصدقاء يرفعون الصلوات، حتى دخلنا مضافة الآغا ميرزا علي، وقد ذبحوا الأضاحي بمناسبة قدومنا في عدّة أمكنة .. وبعد تناول الغداء وأداء الصلاة، أخذنا قسطاً من الراحة .. ثم اعتلى كل واحد منا ظهر جواده لمواصلة السير نحو مدينة كوكان
أخذت جموع المستقبلين من المشاة بدورها تصل شيئاً فشيئاً، وكانت أصوات الصلوات وأناشيد المنشدين تضفي بهاء على بهاء الأزهار والأقاحي وشقائق النعمان التي أتلعت برؤوسها من خلال سجادة العشب الأخضر المفروشة على مدّ البصر، وتم ذبح الأضاحي في العديد من الأماكن .. وكان الناس من شدّة شوقهم وكأنهم على استعداد لتقديم رؤوسهم.
والحق أن حبّ وإخلاص المقلد لمرجعه ليس له صلة بأيّ عالم
وقد اصطف الناس رجالاً ونساء على شتى الجهات، وهم يرحّبون بحماسة بالغة، ولكأنك في اليوم الموعود ومن شدّة ازدحام الناس وكثرة أعداد الخيالة والحشود الراجلة ارتفعت غبرة حتى سدت الفضاء واحتجبت الرؤية، وكان صهيل الخيول التي ترتفع من حين لآخر بسبب احتكاكها ببعضها يطغى على سائر الأصوات الأخرى .. كانت غالبية المستقبلين من (خسرو شاه) ، و(بابل) ، و(ميلان) حيث تجمهروا ناحية اليسار طالبين اللقاء، بيد أن ازدحام الناس حال دون اللقاء بالمستقبلين، وعلى الجانب الآخر كانت هناك مجموعة من الصبيان وقفوا في صفوف الإبتدائية في (ميلان) ؛ فخصّ سماحة أخي المقدّس كل واحد منهم بكلمات روحانية حانية
وبعد صلاتي الظهر والعصر، نصب خوان لإطعام الجميع .. ثم استمرت الجموع تزدحم وتحتشد في كل لحظة، واستمر الحال على هذه الوتيرة إلى ما بعد حلول الليل بأربع ساعات .. وكانت الفاكهة متوفرة بمختلف ألوانها، كما كانت سوق الشاي والدخان عامرة أيضاً .. وفي اليوم الثاني كان المجلس قائماً على ذات الوتيرة .. وعاد الاحتشاد والازدحام هذا اليوم إلى سابق عهده .. كما جاء في هذا اليوم بعض العلماء وأبناء الوجهاء والأعيان من مدينة تبريز إلى لقائنا .. وبعد صلاتي المغرب والعشاء في هذه الليلة صعد أخي المقدّس أعواد المنبر وألقى محاضرة في شرح قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }، وكان الجميع من شتى أصناف الناس حاضراً تحت المنبر للاستفادة والاستفاضة كباراً وصغاراً، وشيوخاً وشباباً، ورجالاً ونساء ما بين عالم وجاهل
وكان كل واحد من المستمعين يغمره في كل لحظة نشاط خاص لدى سماع كلامه الزاخر بالحكمة والموعظة؛ فكان بذلك مثل عيسى عليه السلام ينفخ الروح في القلوب الميّتة؛ وكأن قلوب الناس حيث ماتت بسبب جهلها بمعبودها؛ أرسل لها المسيح ليبعث الحياة فيها .. كانت حالة الفرح والانشراح تلوح على جبين المحبّين .. ولو أردت تدوين كلماته الغرّاء لخرجت عن موضوع الرحلة
طوال هذه المدة كان سماحة أخي المقدّس ـ باستثناء صلاة الصبح ـ يقضي وقته في المسجد، ولا سيّما لإمامة الجماعة، وكان يعتلي المنبر في ليالي الجمعة، حيث يجتمع الناس رجالاً ونساء من جميع القرى المجاورة أيضاً؛ لغرض الاستفادة من مواعظه وكلماته البليغة .. حتى حل يوم رحيل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ؛ حيث غصّ المسجد بالناس، واضطر نصف الجموع إلى البقاء خارج المسجد؛ فبقينا في حيرة من أمرنا، ثم وبعد إصرار منهم أشار سماحة أخي المقدّس إلى هذا العبد الفقير، فلم أجد بُدّاً من امتثال أمر ذلك الوجود الربّاني، فاضطررت إلى إقامة الصلاة وصعود المنبر في المسجد الثاني، واستمر الازدحام لفترة، وكان المسجد والمنبر قائماً على الجانبين، حتى اعتذرت أخيراً من الجميع إذ لم أجد من نفسي القدرة على مواصلة الجرأة أمام جبل العلم والعمل الشامخ؛ فالتحقت بمسجد سماحة أخي المقدّس،
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك: