إمامُنا الصادق يُخبرنا بأنَّ معرفتَهَم “أهل البيتِ” واجبة وأنَّ الجاهلَ بمعرفتِهِم ليس معذوراً يومَ القيامة..!

إمامُنا الصادق يُخبرنا بأنَّ معرفتَهَم “أهل البيتِ” واجبة
وأنَّ الجاهلَ بمعرفتِهِم ليس معذوراً يومَ القيامة..!
:
❂ يقولُ إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه”:
(نحنُ الذينَ فرَضَ اللهُ طاعتَنا، لا يَسعُ الناسَ إلّا مَعرفتَنا، ولا يُعذَرُ الناسُ بجهالتِنا، مَن عرِفنا كانَ مُؤمناً، ومَن أنكرنا كان كافراً، ومَن لم يَعرفْنا ولم يُنكرْنا كان ضالّاً حتّى يرجعَ إلى الهُدى الذي افترضَ اللهُ عليه مِن طاعتِنا الواجبة، فإن يمُتْ على ضلالتِهِ يفعلُ اللهُ به ما يشاء)
[الكافي الشريف: ج1]
〰〰〰〰〰
[توضيحات]
✦ حِين يقولُ الإمام: (لا يَسعُ الناسَ إلّا مَعرفتَنا ولا يُعذَرُ الناسُ بجهالتِنا) يعني أنّ طَلَب معرفةِ أهلِ البيت أمرٌ واجبٌ على العبادِ جميعاً (رجالاً ونساءً على حدٍّ سواء) وليس أمراً مُستحبّاً..
فالجاهلُ بمعرفتِهِم “صلواتُ اللهِ عليهم” غيرُ معذورٍ بنصِّ كلامِ الإمام حين يقول: (ولا يُعذَرُ الناسُ بجهالتِنا).
لِماذا لا يُعذَرُ الجاهلُ بهم؟
لأنَّ الحُجّةَ البالغة تُقامُ عليه يومَ القيامة في موقفِ الحساب.. كما يقولُ إمامُنا الصادق حِين سُئل عن قولِهِ تعالى: {فللهِ الحُجّةُ البالغة} قال:
(إنّ اللهَ تعالى يقولُ للعبد يومَ القيامة: عبدي أكُنتَ عالماً؟ فإنْ قال: نعم، قال لهُ: أفلا عمِلْتَ بما عَلِمتَ؟ وإن قال: كُنتُ جاهلاً، قال لهُ: أفلا تعلّمتَ حتّى تعمل؟ فيخصِمُهُ، فتلكَ الحُجّةُ البالغة)
[آمالي الطوسي]

قطْعاً هذا العُنوان “الحُجّةُ البالغة” معناهُ الأوّل هو الإمامُ المعصوم وهذا واضحٌ في كلماتِهِم الشريفة وفي زياراتِهِم وأدعيتِهِم “صلواتُ اللهِ عليهم”.. كما يقولُ إمامُنا الباقر حِين سألَهُ سدير الصيرفي: ما أنتم؟ فقال “عليهِ السلام”: (نحنُ خُزّانُ عِلْمِ اللهِ ونحنُ تراجمةُ وحي اللهِ ونحنُ الحُجّةُ البالغةُ على مَن دُونَ السماءِ ومَن فوق الأرض)
[مرآة العقول]

ولأنَّ أهل البيت هُم المُتوّلونَ لِحسابِ الناس يومَ القيامة.. لذلكَ كانت هذهِ الأسئلة – التي تُطرَحُ على العباد في موقفِ الحساب – كانت حُجّةً بالغة لأنَّها صدرتْ مِن الحُججِ البالغات.. صدرتْ مِن ملوكِ القيامةِ وهُم مُحمّدٌ وآلُ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم”.. وما يصدرُ مِن الحُجّةِ البالغةِ المُطلقة فهو حُجّةٌ بالغةٌ أيضاً.
فالجهلُ مرفوضٌ في ثقافةِ أهل البيت.. والذي يُبرّرُ لِنفِسِهِ في موقفِ الحسابِ بأنّهُ كان جاهلاً.. فعُذرهُ هذا غيرُ مقبول..

بل إنّ الجاهل بمعرفِتِهِم “صلواتُ اللهِ عليهم” هو في مَعرضِ نُزولِ الّلعنةِ عليه.. كما نقرأ في زيارةِ أبي الفضل العبّاس “صلواتُ اللهِ عليه”: (لَعَنَ اللهُ مَن قَتَلَكَ ولَعَنَ اللهُ مَن جَهِلَ حَقّك واسْتَخَفَّ بِحُرمَتِكَ..)
هذه العبارة خطيرةٌ جدّاً.. ولكنّ أكثرَ الشيعةِ لا يستشعرونَ خُطورتَها لأنّهم لا يقرؤون الزيارةَ بتدبّر..
فالّلعنةُ هُنا تنزلُ على مَن قَتَلَهَم “صلواتُ اللهِ عليهم” – سواء قَتَلَهم بالأيدي أو قَتَلَهم بالألسُن –
فالقتلُ لأهلِ البيتِ تارةً يكونُ بالسيفِ وتارةً يكونُ قَتلْاً بالألسنِ كما نقرأ في زيارةِ أبي الفضل العبّاس: (قَتَلَ اللهُ أمّةً قَتَلَتْكُم بالأيدي والألسُن)
وكذلك تنزلُ الّلعنةُ على مَن جَهِلَ حقَّهم واستخفَّ بِحُرمَتِهِم “صلواتُ اللهِ عليهم” كما تقولُ الزيارةُ الشريفةُ لقمرِ بني هاشم: (ولَعَنَ اللهُ مَن جَهِلَ حَقّك واسْتَخَفَّ بِحُرمَتِكَ..)

قطعاً الزيارةُ هُنا تُوجِّهُ خِطابَها وحديثَها لِقَتَلَةِ سيّد الشهداء، لِقَتَلَةِ أبي الفضل العباس.. ولكنّ الجهل بحقِّ أبي الفضل وبِحقِّ أهلِ البيت والاستخفافَ بِحُرمَتِهِم لهُ مراتب ولهُ مظاهر..
فكما أنّ معرفةَ أهلِ البيتِ على مراتب.. فكذلكَ الجهلُ بحقِّهِم على مراتب أيضاً..
فالجهلُ بحقِّهم والاستخفافُ بِحُرمَتِهِم قد يكونُ في وَسَطِ النواصب بحَسَبِهم، وقد يكونُ في وَسَطِ الشيعةِ أيضاً..!

ولِهذا نجدُ سيّدَ الأوصياء يشكو مِن جُهّالِ هذهِ الأمّة فيقول: (إِلى اللهِ أشكُو مِن مَعشَرٍ يَعيشُونَ جُهّالاً ويَمُوتُون ضُلّالاً..)
المُراد مِن الجُهّال: هُم الّذين يُعانون بالدرجةِ الأُولى من الجهلِ المُركّب (يعني يجهلونَ الحقائق ولا يعلمون بأنّهم جاهلون بها)
وكذلك الجُهّال هُم الّذين يُعانون من الجهلِ ومن الجهالة.. وفارقٌ بين الاِثنين..
فالجهلُ: هُو عدمُ العلم، أمّا الجهالةُ: فهي ضعْفُ العقلِ وعدمُ الحكمة.
فأميرُ المؤمنين يشكو مِن مجاميع في هذهِ الأُمّة يعيشون جُهّالاً ويموتون ضُلّالاً..
الإمام يشكو مِنهم لأنّ معرفةَ أهلِ البيتِ هي الميزانُ الذي يُميَّزُ ويُقيَّمُ الناسُ على أساسِهِ، كما يقولُ إمامُنا الصادق: (مَن عرِفنا كانَ مُؤمناً، ومَن أنكرنا كان كافراً، ومَن لم يَعرفْنا ولم يُنكرْنا كان ضالّاً حتّى يرجعَ إلى الهُدى الذي افترضَ اللهُ عليه مِن طاعتِنا الواجبة..)

ثُمَّ يَصِفُ سيّدُ الأوصياء جانباً مِن أحوال هؤلاء الجّهال فيقول:
(ليس فيهِم سِلْعةٌ أبوَرُ مِن الكتاب إذا تُلي حَقَّ تِلاوتِهِ ولا سِلْعةٌ أنْفَقُ بَيعاً – يعني أسرعُ بيعاً – ولا أغلى ثَمَنَاً مِن الكتاب إذا حُرِّفَ عن مَواضعِهِ)
الأمير هُنا ذَكَرَ علامةً واضحةً في هؤلاء الذين يعيشونَ جُهّالاً ويموتون ضُلّالاً.. فقال: أنّ مِن أوصافِهِم أنّ كتابَ اللهِ يكونُ عندَهُم سِلعةً كاسدةً لا قيمةَ لها، بل مِن أبورِ السِلَع إذا تُليَ حقَّ تِلاوتِهِ..!
معنى “إذا تُليَ حقَّ تِلاوتِهِ”: يعني إذا فُسِّرَ بتفسيرِ أهلِ البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”..
لأنّ المُرادُ مِن “حقِّ التلاوة” بيّنهُ الإمامُ في نفسِ كلامِهِ حِين تحدّثَ عن أغلى السِلَعِ ثَمَناً عند هؤلاء الجُهّال.. فالأمورُ تُستبانُ وتُعرَفُ بأضدادها..
فالإمامُ حِين ذَكَرَ السِلعةَ البائرة الكاسدة التي لا قيمةَ لها عند الجُهّال.. ذَكَرَ ما يُقابلُها وهي السلعةُ الأغلى ثَمَناً ورواجاً عِندهم.. فقال أنّ السلعة الأغلى ثَمَنَاً عندهم هي: تَحريفُ معاني الآياتِ عن مواضعها (ولا أغلى ثَمَنَاً مِن الكتاب إذا حُرِّفَ عن مَواضعِهِ)
فإذا عَرَفنا أنّ السِلعةَ الأغلى ثَمَناً عندهم هي تَحريفُ آياتِ الكتاب عن معانيها الحقيقيّة التي ذَكَرها أهلُ البيت.. فحينها يتّضحُ لنا المُراد مِن “حقِّ التلاوةِ لكتاب الله”.. لأنّ الأمير يقول أنّهُ لا توجدُ سِلعةٌ في نَظَرِ هؤلاء الجُهّال أبورُ مِن الكتابِ إذا تُليَ حَقّ تِلاوتِهِ.. وأبورُ السِلَعِ تُقابلُ أثمنُ السِلَع.. والأُمورُ تُستبانُ بأضدادها كما ذكرنا.
فالمُرادُ مِن “حقِّ التلاوةِ” -والتي هي أبورُ السِلَعِ عند الجهّال- المراد منها هُو تفسيرُ القرآنِ بمعانيهِ الحقيقيّةِ التي ذَكَرَها أهلُ البيت!
ومِن هُنا قُلنا أنّ الجهلِ بمعرفتِهِم “صلواتُ اللهِ عليهم” قضيّةٌ خطيرةٌ جدّاً.. لأنّ لها مصاديق وصُوَر في واقعِنا الشيعي.. ولأنَّ الجاهلَ بِحقّهم يكونُ في معرض نزولِ الّلعنةِ عليه.. وإمامُنا الصادق يقول بأنّ الجاهل لا يُعَذرُ يومَ القيامة، فإنّ الحُجّةَ البالغةَ تُقامُ عليهِ في موقفِ الحساب..!

ومِن هنا كان أحدُ أهدافِ سيّدِ الشهداء في مشروعِهِ (مشروع القربان الحُسيني) هُو أن يستنقِذَ العِباد مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة، كما نقرأ في زيارتِهِ الشريفة: (وبذلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادكَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة)
لاحظوا العناوين التي ذُكرتْ في زيارة الحسين “الجهالة، وحيرةِ الضلالة”.. هي نفسُ العناوين التي ذَكَرها سيّدُ الأوصياء: (يعيشون جُهّالاً ويموتونَ ضُلّالاً..) مضامينُهم واحدة صلواتُ اللهِ عليهم..

فالحُسينُ بذل مُهجتُهُ في اللهِ سبحانهُ وتعالى لِيَسْتَنْقِذَ الشيعةَ مِن الجهالةِ وحيرةِ الضلالة.. وأبرزُ عُنوانٍ مِن عناوينِ الجهالةِ في ثقافةِ أهل البيت يرتبطُ بجهلِ الناسِ بمعرفةِ إمامِ زمانِهِم
(مَن لم يعرِف إمامَ زمانهِ مات مِيتةً جاهليّة)
تلكَ هي الجهالةُ والجاهليّةُ بعينها.

✦ قولِهِ: (ومَن لم يَعرفْنا ولم يُنكرْنا كان ضالّاً حتّى يرجعَ إلى الهُدى الذي افترضَ اللهُ عليه مِن طاعتِنا الواجبة، فإن يمُتْ على ضلالتِهِ يفعلُ اللهُ به ما يشاء)
المُراد مِن موتِهِ على الضلالة يعني مات وهو لا يعرفُ الأئمة وليس بِمُنكرٍ لهم.. فإذا مات وهو بهذا الحال الضالّ فإنّ الله تعالى يفعلُ بهِ ما يشاء.. يعني يُحاسِبُهُ اللهُ تعالى بِعلْمِهِ بِحاله بأنَّ الحُجّةَ لو قامتْ على هذا الشخص بتمامِ شُروطها هل يقبلُ الحُجّة أو لا يقبلُها.. فإن كان مِن شأنِهِ أن يقبلها فإنَّ الله يُدخِلهُ جِنانه وإن كان مِن شأنِهِ أن لا يقبل هذه الحُجّة فإنّ الله يُدخِلُهُ نيرانه.

#الإمام_الصادق

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة