ربما يتبادر الى اذهان بعض الممارسين لكتب الشيخ الاوحد والسيد الأمجد أعلى الله مقامهما (ممن يغلب عليهم حب المفاضلة بين الحكيمين) أنهما يختلفان في بعض المطالب العلمية او الحكمية اختلافاً يستحيل أن يكون كلاهما فيه على الحق، حتى لقد صرّح بعضهم كالواثق مما يقول او كالموقن بما يحكم: أن الاختلاف بينهما مع ثبوته غير قابلٍ للدفع او لا ممكن للجمع.. وثبوت الاختلاف عند هذا وأشباهه يستدعي الحكم دون مواربة بإصابة أحدهما وخطل الآخر، إذ يتعذر ان يكون الصواب حليفاً لهما جميعاً مع ثبوت الاختلاف.
ان هذه الدعوى تثار في العادة من قبل بعض الكتّاب استناداً إلى قراءات غير ناضجة فيما كتبه الشيخ والسيد رضوان الله عليهما، وأكثر هؤلاء يميل لاشعورياً الى صف السيد الأمجد ويرون تفوقه في العلم على شيخه الاوحد اعلى الله مقامه، وشاهدهم في هذا الميل ما ورد في سِيَر الأعلام من الخاص والعام فيما يتعلق ببعض التلامذة الذين بزّوا اساتيذهم علماً وارتقوا عليهم في المدارك فهما… وهذا الشاهد مسلّم عام لا يفتقر إلى جدال أو خصام ولا يحتاج الى نقض وإبرام، وحينئذٍ فلمَ لا يجوز الحكم بأعلمية السيد على الشيخ، وإذا تعارضا لم لا يكون السيد هو المصيب دون الشيخ؟
ويحلو لبعض المتنطعين أن يصف الشيخ الأوحد وصفاً يُعِينه على مبتغاه في إيقاع الاختلاف بينه وبين تلميذه الأمجد، فيجعله منظِّراً كسائر أصحاب النظريات، وذا طرحٍ كغيره من أرباب الأطروحات، كيما يتوصل عِبر هذه المقدمة إلى نتيجته التي صادر عليها أولاً… وحجته في تعضيد مصادرته على مطلوبه ما يتداوله الناس في الوسط الثقافي السائد من حق الاستقلال في الفكر وعدم التابعية في الرأي، ولما كان السيد أهلٌ للتنظير وهو بالفكر والعلم جدير، فلا يوجد حينذاك ما يمنعه من دحض نظريات استاذه إن وجد ثمة خلل او خطأ، فيصدع بما يراه من الحق والصواب.
ثم يذكر هذا الحاكم بين الحكيمين، والمفاضل بين العَلَمين نصاً من كلام السيد ويوجهه الى ما يعزز ثبوت الاختلاف ومخالفة السيد للشيخ بلا إنصاف، ويخلص من ذكر النص الى الحُكم بتفوق السيد على شيخه في المعرفة وعدم تابعيته له في العلم والرأي. ولا بأس في المقام من ذكر ذلك النص الذي أورده هذا الباحث توصلاً إلى غايته، فقد ذكر السيد قدس سره في شرح الخطبة الطتنجية ما نصه: ((وكان شيخي أطال الله بقاءه يقول أن نوحاً افضل [من ابراهيم]، وأما أنا فعندي ترجيح ابراهيم قوي جداً؛ لأن الذي اعرفه من الأخبار ومن لطائف الآثار في بواطن الأسرار أمور عجيبة فيه على نبينا وآله وعليه السلام، والله سبحانه أعلم))… وهذا بزعمه هو الدليل على أعلمية السيد وتفوقه على شيخه، مع أنه عندنا دليل على العكس، فالشيخ القائل بأفضلية نوح لم يذهب الى ترجيح، ولا إلى الاعتذار بمعرفة لطائف الاثار وبواطن الاسرار، ولا بادعاء الامور العجيبةاو الغريبة… ثم أليس من يكون بمثل ذلك المقام المستتبع حتماً لليقين أن يجزم ويقطع لا ان يحتمل ويُرجّح؟ أليس الاجدر بمن هذا حاله أن يذكر القول الفصل ويكشف عن جهة الفضل ولو بتقديم الفرع على الأصل؟! إذْ كيف يكون ابراهيم أفضل من نوح وهو شيخ المرسلين والمتفرد بقوله تعالى: (سلام على نوح في العالمين)؟ ونحن لا نريد هاهنا التورط فيما تورط به هذا الباحث فنفاضل بين الاستاذ وتلميذه، لكنا نقول: ان النص المذكور لا يوجد فيه ما يدل عل افضلية السيد ولا أعلميته، وذلك لمحل الترجيح الذي هو صفة الظان لا القاطع، ولمحل الاستدلال بأمور لا يحتج بها في المقام ككونه يعرف اللطائف وبواطن الأسرار. ولعل اصحاب (مفهوم الوصف) يذهبون الى استخلاص نتيجة هي من قبيل لزوم ما لا يلزم، كادعاء ان ما ذكره السيد في النص المتقدم هو اشارة الى عدم معرفة الشيخ بتلك اللطائف والاسرار التي يعرفها السيد، وإلا لما ذهب الى تقديم نوح وتفضيله على ابراهيم عليهما السلام…
وخَلُص هذا المقارن في خاتمة مقاله الى ذكر عدة أمور انشائية منها: ضرورة الاستقلالية الفكرية، وعدم وجود شخصيات فوق المناقشة العلمية، وان النقاش مكفول لكل احد، وان نقاش الافكار لا يترتب عليه الاحتقار…
أقول: إن السيد الأمجد هو امتداد لشيخه الأوحد رضوان الله عليهما، ولم تؤثر عنه مخالفة له او معارضة، وإن كان يقول احياناً بآرائه في قبال ما ذكره الشيخ فليس في ذلك ألبتة ما يدل على خطأ الاستاذ وصواب التلميذ، بل لعل تحليل بعض النصوص بذكر القرائن الحافة بها يأتي في صالح اثبات تفوق الشيخ اعلى الله مقامه على السيد في العلم؛ فعلم الشيخ اكثر رسوخاً وليس فيه من قبيل: ((يترجح عندي، وأظن وأرى ولعل وعسى..)، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً…
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين