وانما كان يكتم ايمانه…لغلبة المشركين في أيام الفترة واستيلائهم على المؤمنين، فلم يعبد الله فيهم الا سراً، وأما بعد ظهور الدعوة كان كتمان ايمانه في حقه خاصة أفضل من كتمانه قبل ذلك ومن إظهاره الايمان بعد الدعوة، فيكون ايمانه في ذلك الحال يفوق على ايمان من سواه،
لأن كتمانه كان أبلغ في نصرة النبي والتمكن في ذود المشركين عنه، من اظهاره الايمان. فإنه لو أظهر بين جهال قومه إتبّاع النبي مع كونه كبير السن وشيخ الحرم، لاعابوه وانفصل عنه أكثر أقربائه، أنفة منهم لذلك وتسفيها لرأيه، فلم يتمكن حينئذ من دفاع المشركين عن النبي، فلم يستقم اظهار الدعوة في مكة، لقلة الناصر وتألب الكفار واجتماعهم على قتله صلى الله عليه واله.
بخلاف ما اذا أظهر أن نصرته له للعصبية والحمية، يتبعونه ولا ينكرون عليه فيه؛ لأن طباع العرب جبلت على العصبية، لما فيها من الانفة وشدة النخوة، فتوافقه أقاربه على ما يريده من الدفاع على النبي، وان كان مخالفا لما هم عليه.
….ولا ريب أن شكر أبي طالب واجب على كل من له حظ في الاسلام، كما يجب شكر ابنه علي، فإن الدين ما ظهر الا بهما خاصة، فكان أبو طالب هو السبب في بدء الاسلام من تمكن النبي بإظهار الدعوة، وعلي هو الذي نشر الاسلام بحد حسامه.
المصدر : نهج المحجة لشيخ علي نقي ابن الشيخ الأوحد اعلى الله مقامهما ص١٩٦، ٢٠٩