خلاصة القول:
إن الله سبحانه وتعالى جعل تلكما الدرتين الوضاءتين , وذانكما الضياءين المنيرين المتلألئين … سلاطين الدارين في جميع عوالم الإمكان ومراتب الأكوان , وكذلك الأمر بالنسبة لأئمة الهدى ومصابيح الدجى ( عليهم السلام ) فهم على كل ما سواه تعالى مظهر جلاله وجماله ومصادر أفعاله وإراداته , وأمناء وحيه وأولياء الله على عباده , بأمرهم يجري القضاء وبقولهم يصدر القدر … ومع هذه الدرجات العظيمة والمنح الربانية لهم في القدرة والعظمة , فهم غير شركاء الله في أمره ونهيه , وغير مستقلين عنه في شيء , بل فوضت لهم الأمور من قبله.
وما بلغوا هذه المراتب السامية إلا بالاستمداد من وجود الله الجواد فهم ليسوا بشركائه في تدبير أمور العباد , ولم يكن الله سبحانه قد فوض إليهم الأمور وابتعد – معاذ الله – عن امور عباده فأوكل إليهم أمر الخلق والرزق والموت والحياة .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن يعتقد بذلك فهو الكفر بعينه والزندقة بعينها , وهو مخالف لعقائد الفرقة المحقة , ومناف لأدلة التوحيد لله الحميد المجيد المتفرد المتوحد في الذات والصفات والأفعال والعبادة.
بل إن هؤلاء عباد مكرمون مرزوقون , وأنوار متلألئة , ومخلوقون من سائر خلق الله , فهم في جانب حبه , وفي مقام افتقارهم له وفنائهم في ذاته لا شيء يذكر ولا أثر يؤثر , أفنوا أنفسهم في حب ذاته , وأذابوا أجسادهم في عشق صفاته , ووضعوا تاج الفقر على رؤوسهم , وقالوا بذلك نفتخر وغاصوا في عباب بحر التوحيد فاستقر بهم الأمر على مطارف التجريد , كانوا أذناً سامعة لما يتلى عليهم من الأمر العلي الأعلى فهم منتظرون متلهفون مشتاقون لأمره يعملون بما يريد ( بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )
وبالجملة:
فإنهم في مقام العبادة والعبودية , ليست لهم آية وإرادة أمام إرادة الله تعالى أصلاً , بل كل ما يفعلونه فهو بأمر من الله – جلا وعلا – وبإذنه وإرادته , وفي كل آن يصلهم المدد الإلهي المتواصل , فإذا انقطع عنهم لحظة ما … فإنهم يتلاشون ويفنون ويضمحلون , كأن لم يكونوا شيئاً مذكوراً.