ولكن لما كان مسألة المعراج الجسماني وإن كانت واقعة متحققة لا يستريبه أحد ولا يشك في تحققه مؤمن موحد , إلا أن تصويرها وتحقيقها , والغور في معانيها ومبانيها , وكشف السر عن حقائق أسرارها , مع اختلاف العلماء في الخرق والإلتئام , واتفاق الحكماء على نفيها واستلزام العروج الجسماني ذلك , وما ورد أن الصلاة وسائر العبادات إنما شرعت ليلة المعراج , مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الأنبياء كل نبي في سماء من السماوات مع ما ثبت بضرورة المذهب أن الأنبياء – بل كل مؤمن – في الجنة ! وأن جنة الدنيا وراء جبل قاف في مدينة جابلقا وجابرسا أو في وادي السلام , وأن الجنة فوق السماوات السبع في الكرسي , كما روي أن الجنان سقفها عرش الرحمان. وما ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالأنبياء في البيت المقدس , وأي صلاة كانت هذه ؟ ويشعر بعض الروايات أنها صلاة الظهر , مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم صعد في الليل ورجع في الليل , فأين موضع صلاة الظهر ؟!
وروي أيضا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما وصل إلى العرش أتاه النداء من العلي الأعلى: يا محمد أدن بالصاد وتوضأ لصلاة الظهر وروي أ، جبرئيل عليه السلام خاطبه وقال: يا محمد لقد وطأت موطأً ما وطأه قبلك أحد , لا ملك مقرب ولا نبي مرسل , قف فإن ربك يصلي , قال صلى الله عليه وآله وسلم: وكيف يصلي ؟ قال: يقول: سبوح قدوس , أنا رب الملائكة والروح , مع ما ورد أن جبرئيل عليه السلام تخلف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الوقوف وقبل تشرفه بكلام الله الملك العلام ومناجات ربه معه صلى الله عليه وآله وسلم وأن الأذان والإقامة إنما شرعا في السماء الرابعة في تلك الليلة , مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم قبل المعراج كان يصلي ويؤذن ويقيم قطعاً!.
وأن هذا الصعود هل كان في الزمان , أو في دهر الدهور ؟ والدهر أي شيء ؟ وما حقيقتهما وسرعة هذه الحركات وقطع تلك الحقائق والذوات ما علتها وما سببها ؟ وإن كان الله سبحانه يفعل ما يشاء كما شاء بما شاء كيف شاء , لكنه سبحانه ما يفعل إلا لحكمة ولا يجري فعله إلا بسبب , كما نطق بذلك فصيح لسان الوحي: ( أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسبابها ).
والحاصل: هذه المسألة تحقيقها وتنقيحها قد تصعب على العلماء الفحول , من أهل المعقول والمنقول , ممن له قدم راسخ في العلم , فجرت عادة العلماء الماهرين والفضلاء الكاملين بالبحث عن حقيقتها , والسؤال عن ماهيتها , والتوفيق بين الإختلافات الواقعة فيها , والتحقيق عن هدم القواعد الكثيرة فيها , لصعوبة مسلكها ودقة مأخذها.
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي قدس سره الشريف