⚜وقفة مُوجزة عند مقامِ مولاتِنا سكينة في كلماتِ أبيها الحسين..

⚜وقفة مُوجزة عند مقامِ مولاتِنا سكينة في كلماتِ أبيها الحسين..

تُحدّثُنا كُتبُ المقاتلِ أنّ سيّدَ الشهداء لمّا جاء لتوديعِ العائلةِ يومَ عاشوراء بعد أن ذُبِحَ الرضيع..
كانت مولاتُنا سُكينةُ مذهولةً، حتّى أنّها لم تستطع أن تقومَ لتوديعِ أبيها الحسين حين حفّت به بناتُ الرسالة،
فبقيت سُكينةُ جالسةً بكسرِ الخيمةِ تبكي، فلمّا رآها سيّدُ الشهداءِ أقبل إليها ومسح على رأسِها وضمّها إلى صدرِه، وهو يقول:

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي
منك البُكاء إذا الحِمـــــامُ دهاني
لا تُحرقي قلبي بدمعكِ حســــرةً
ما دام منهُ الروحُ في جثمانــــي
فإذا قُتِلتُ فأنت أولـــــــى بالذي
تأتينـــه يا “خيرةَ النســــــــوانِ”

هذه الأبياتُ تعطي صورةً واضحةً عن مكانةِ مولاتِنا سُكينة عند أبيها الحسين،

هذه الأبياتُ تشتملُ على عدّةِ مضامين، مِنها:
✦ أنّ سيّدَ الشهداءِ أشار في البيتِ الأوّلِ إلى حقيقةٍ لازمت حياةَ مولاتِنا سُكينة، وهي طُولُ بُكائها وطُولُ أنينها وحنينها على أبيها الحسين، وأنّها ستقضي حياتَها في حُزنٍ وبكاء،
وفي هذا البيت ردٌّ واضح على كلِّ تلك التُهَمِ التي ألصقَها النواصبُ بمولاتِنا سكينة والتي تُبيّنُ مدى ظُلامةِ آلِ الرسول،
كقولِهم عن مولاتَنا سُكينة أنّها كانت تعقدُ مجالسَ غناءٍ في حضورِ المغنّياتِ والمُغنّين وفي حضور الشعراء!
وهي فِريةٌ واضحةُ البطلان

فمولاتُنا سُكينة قضت حياتَها في بُكاءٍ وأنينٍ على أبيها الحسين وعلى ما جرى على العائلةِ الحسينيّةِ بعد عاشوراء،

فقد كانت مولاتُنا سكينة ترى بنفسِها أُمَّها الرباب في المدينةِ تجلسُ في الشمسِ تبكي ليلَ نهار ولا تستظِلُّ بظلٍّ جَزَعاً على الحسينِ حتّى بلِيتْ وماتت بعد سنةٍ مِن قتلِ الحسين!

وكانت ترى أخاها الإمام السجّاد طِيلةَ فترة إمامتِهِ ما يقرب مِن أربعينَ سنة ما قُدِّمَ له طعامٌ ولا شرابٌ إلّا ومَزَجهُ بدموعِ عينيه!
وإمامُنا الصادقُ يقول:
(ما اكتحلت هاشميّةٌ ولا اختضبت ولا رُئي في دارِ هاشميٍّ دخانٌ خمسَ حِجج، حتّى قتل عبيد الله بن زياد)
[البحار: ج٤٥]

هذه هي الحياةُ التي عاشتها مولاتُنا سكينة والتي أشار لها سيّدُ الشهداء حين قال:
سيطول بعدي يا سكينةُ فاعلمي
منكِ البُكاء إذا الحمامُ دهاني

✦ قولِهِ: (فإذا قُتِلتُ فأنتِ أولى بالذي* تأتينَه يا خيرةَ النسوان)
الإمامُ ما قال لها “أنتِ أولى بالذي تأتينَه” إلّا لأنّه عارفٌ بعِلْمها وبدرايتِها وعارفٌ بحكمتِها، وعارفٌ باطّلاعِها على أسرارِ الشريعة،
ثمّ وصَفَها بهذا الوصف الذي يكشِفُ عن علوِّ منزلتِها، فقال: (يا خيرةَ النسوانِ)
النسوان: جمعُ تكسير مُعرّفٌ بالألفِ والّلام..
وهذه الصيغة في علمِ البلاغةِ تدلُّ على الإطلاق،
فقولِهِ: يا خيرةَ النسوانِ، يعني تمامَ النساء،
وهذه الكلمة لم تصدر مِن شخصٍ عادي، وإنّما مِن إمامٍ معصوم،
الإمامُ يقولُ لها أنّها أفضلُ مِن كلِّ النساء،
قطعاً إلّا ما خرج بالدليل كالزهراء والعقيلة زينب،
وقطعاً حين يقولُ لها الإمام: يا خيرةَ النسوان.. يعني أنّها أفضلُ مِن سائرِ النساءِ في كلِّ أبعادِها (في العِلم والعملِ وفي العقيدةِ والحكمةِ وفي حالاتِها النفسيّة وفي ملكاتِها وفي كلِّ ما يحملُهُ الإنسانُ مِن عقلٍ وقلب وروحٍ وجسدٍ وعواطف وكلِّ ما يشتملُ عليه الوجودُ الإنساني)

✦ أيضاً هناك موقفٌ آخر لمولاتِنا سكينة يكشفُ عن عظمةِ مقامِها،
وذلك حين أُخرِجت النساءُ في صبيحةِ يومِ الحادي عشر وأُركبنَ على النياقِ الهُزّلِ وساروا بهنّ باتّجاه الكوفة،
النساء طلبنَ مِن جلاوزةِ ابن سعدٍ أن يمرّوا بهم على جُثثِ القتلى،
فلمّا رأت سكينةُ جسدَ أبيها الحسين وهو مطروحٌ على الرمالِ مصبوغٌ بالدماء..
ألقت بنفسِها مِن على ظهرِ الناقةِ على جسدِ الحسين،
وقد حاولوا أن يرفعوها فما تمكنّوا إلّا بعد ضربٍ مُبرحٍ بالسياط!

في هذا المشهدِ المؤلم مولاتُنا سكينة تروي لنا روايةً لا مثيل لها!

العلماءُ بالعادةِ يتباهون أنّهم سمعوا روايةً مِن المحدّثِ الفلاني،
أمّا سُكينةُ فإنّها تروي لنا هنا روايةً لم يحظَ بها أحد، إنّها روايةٌ عن نحرِ الحسين! يقولُ فيها:

شيعتي مهما شربتم عذب ماءٍ فاذكروني،
أو سمعتم بغريبٍ أو شهيدٍ فاندبوني،
فأنا السِبطُ الذي مِن غيرِ جُرمٍ قتلوني،
وبِجُردِ الخيلِ بعد القتلِ عمداً سحقوني،
ليتكم في يومِ عاشوراء جميعاً تنظروني،
كيف استسقي لطفلي وأبوا أن يرحموني،
وسقوه سهمَ بغيٍ عِوضَ الماءِ المعين

أيّةُ روايةٍ هذه؟!❣
لا توجدُ روايةٌ لها سندٌ كهذا السند،
إنّها روايةٌ عن النحرِ المُقدّسِ لسيّدِ الشهداء!
إنّها رسالةٌ تشتملُ على مجلسِ عزاءٍ لا مثيل له..

يقرؤهُ سيّدُ الشهداء على مولاتِنا سكينة مِن نحرهِ الشريف!
والحسينُ هنا يُنصِّبُ سُكينةَ رسولاً إلى شِيعتِهِ كي تُبلغَهم هذه الرسالة!
وإنّما فعل سيّدُ الشهداءِ ذلك وخاطب سكينةَ مِن نحرهِ الشريف لِما لها مِن المنزلةِ الرفيعةِ في قلبه.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة