وقفةٌ عند بعضِ الجهاتِ وبعض الدلالةِ والفحوى مِن مضمون هذا الشِعار (يا زهراء)
:
(يا زهراء).. لَفظةٌ كثيراً ما نَسمعُها تَتَردّدُ على ألسنةِ الشيعة.. فهل هي مُجرّدُ نِداءِ إستغاثةٍ وتوسّلٍ بالزهراء “صلواتُ اللهِ عليها”.. أم أنَّ لِهذا النِداء مضامينَ أُخرى عميقة في ثقافةِ الكتاب والعترة؟
هذهِ القولةُ (يا زهراء) هي شِعارُ تشيُّعنا وهي عُنوانُ عقيدتنا.. فكُلُّ المضامينِ الموجودةِ في شِعاراتِ أهْل البيت “صلواتُ اللهِ عليهم” مُركّزةٌ في قَولةِ (يا زهراء).
ولِتوضيحِ هذا الكلام.. لابُدَّ أن نَعرِفَ أوّلاً ما هي شِعاراتُ أهلِ البيت “صلواتُ اللهِ عليهم” وما هي مضامينُها.. حتّى نَعرفَ كيف اجتمعتْ كُلُّ هذهِ المعاني والمضامين لِشِعاراتِ أهل البيت في قولةِ (يا زهراء).
✸ مِن شِعاراتِ أهل البيت “صلواتُ الله عليهم”: شِعار (يا مُحمّد) فهو شِعارُ سيّد الشُهداءِ يومَ الطفوف وهُو شِعارُ العِترةِ الطاهرة.. كما يقولُ إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” في الكافي الشريف: (شِعارُ الحسين: يا مُحمَّد، وشعارنا : يا مُحمَّد..)
فهذا العُنوان (يا مُحمّد) هُو شِعارُ سيّد الشُهداء، وهو شِعارُ الأئمةِ جميعاً.. وهُو عُنوانٌ مُركّز.
✸ أيضاً مِن شِعاراتِ أهْل البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”: شِعارُ (يا مَنْصُورُ أمِتْ) وهو شِعارُ نبيّنا الأعظم في يومِ بدْر.. وهو نفسُهُ الشِعارُ الذي رَفَعَهُ مُسْلمُ ابن عقيل في فاتحةِ الثورةِ والنهضةِ الحُسَينيّة، وسيرفعُهُ إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ عليه” في بداية نَهضتهِ وقيامهِ الشريف.
عِلْماً أنَّ إمامَ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” لهُ ثلاثةُ شِعارات:
✦ الشعار الأوّل لإمامِ زماننا: (يا مَنصورُ أمِتْ) والمقصودُ مِن “منصور” هو قائدُ الملائكةِ الذينَ نزلوا لِنُصرةِ النبيّ “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” في يومَ بدْر.
✦ الشِعارُ الثاني لإمامِ زماننا: (عليٌّ وليُّ الله وعدوّهُ عدوّ الله) ومَضمونُ هذا الشِعار بيّنتْهُ رواياتُ أهْل البيت “صلواتُ الله عليهم” حيثُ تُخبرنا الروايات أنَّ إمامَ زماننا حينَ يتحرّكُ مِن مكّة باتّجاهِ العراق فإنّهُ يُرسِلُ الكُتُبَ إلى الآفاق.. كتابٌ إلى الكوفةِ وكتابٌ إلى البصرة، وهي كُتُبٌ تدعو إلى ولاءِ عليٍّ والبراءةِ مِن عدوّهِ.. وهذا هُو مضمونُ الصيحةِ التي تكونُ عند فجْر الثالث والعشرين مِن شهْر رمضان: (أنَّ الحقَّ مع عليٍّ وشيعتهِ) وهي صيحةُ جبرئيل.. أمَّا الصيحةُ التي تكونُ عند الغُروب مضمونها: (إنَّ الحقَّ مع عثمان وشيعتهِ) وهي صيحةُ إبليس كما تُبيّنُ الروايات.
✦ الشِعارُ الثالث لإمامِ زماننا هو: (يا لثارات الحُسَين) وهُو شِعارٌ معروفٌ في الوسطِ الشيعي لا سيّما في الجوّ الحُسيني.. وكلُّ مضامينِ هذهِ الشعِارات موجودةٌ بشكلٍ مُركّز في قولةِ: (يا زهراء).
• قد يسأل سائل: وكيف تَجتمعُ مضامينُ هذهِ الشِعارات لأهْل بيتِ العِصمة في شِعار (يا زهراء)..؟
والجواب يتّضح مِن خلال التأمّل في مضامين هذهِ الشِعارات.
✾ فشِعارُ (يا منصورُ أمِت) هو شِعارُ نبيّنا الأعظم يوم بدْر – كما مرّ – ويومُ بدْر هُو يومُ الفُرقان.. والنبيُّ “صلَّى اللهُ عليه وآله” يُشيرُ بهذا الشِعار إلى حقيقةِ الترابطِ في هذا الدينِ بين حقائقِ عالمِ الشهادةِ (وهو العالم الترابي الذي نعيشُ فيه) وبينَ حقائقِ عالمِ الغَيب.
ونحنُ أساسُ دِيننا الأوّل هُو (الإيمانُ بالغَيب) كما تُشيرُ إلى ذلكَ آياتُ سُورة البقرة: {ألم* ذَلِكَ الكِتَابُ لا ريبَ فيهِ هُدًى لِلمُتَّقين* الذينَ يُؤمنونَ بالغَيب..} فأوّلُ صِفةٍ في المُتّقين هي أنّهم يُؤمنون بالغَيب.. وهذا العُنوان (الإيمانُ بالغَيب) عُنوانٌ وسيعٌ لسنا بصددِ الحديث عنهُ هُنا، ولكنَّ هذا الشعار (يا منصورُ أمِتْ) يُريدُ أن يشيرَ إلى هذهِ الحقيقة: إلى الترابطِ بينَ العالمِ الملائكي وبينَ العالم الأرضي.. وفاطمة “صلواتُ اللهِ عليها” حوراءٌ إنسيّة.. فهي حقيقةٌ تلتقي وتجتمعُ فيها حقائقُ عالمِ الشهادةِ وحقائقُ عالمِ الغَيب.
فهذا الشِعار (يا منصورُ أَمِتْ) فيه رمزيةٌ إلى هذهِ الحقيقة، وكذلكَ في الزهراءِ تتجلَّى أيضاً هذهِ الحقيقة (حقيقةُ الترابطِ والاجتماع بين حقائقِ الغَيب وحقائقِ الشهادة).
✾ أيضاً شِعارُ سيّد الشُهداء يوم الطفوف: (يا مُحَمَّد) إذا تأمّلناهُ جيّداً نجد أنَّ هذا الشِعارُ يتركّزُ أيضاً في قولةِ “يا زهراء”.. فالزهراء هي قَلْبُ مُحمَّد وهي رُوحهُ التي بينَ جنبيه، وصادقُ العترةِ يقول: (شعارُ الحُسين يا مُحَمَّد، وشعارنا يا مُحَمَّد) والزهراءُ هي أمُّ أبيها.. وحقيقةُ مُحَمَّدٍ “صلَّى اللهُ عليه وآله” تتجلّى بكلّ معناها في فاطمة.
• وأمَّا شِعاراتُ صاحب الأمْر التي مرَّ ذِكرها فكُلّها أيضاً تتجلّى في قولةِ (يا زهراء).
✾ فشِعارهُ (يا منصورُ أمِتْ) تمّ توضيحُ جِهة إرتباطهِ بالزهراء.
✾ وشعارهُ الثاني (عليٌّ وليُّ الله وعدوّهُ عدوّ الله) أيضاً يتركّزُ مضمونهُ بشكلٍ واضح ويتجلّى في قولةِ (يا زهراء).. فنَحنُ لا نجدُ علامةً مائزةً ميّزتْ وشخَّصتْ مَن هُم أولياءُ عليٍّ ومَن هُم أعداءُهُ أوضحَ مِن فاطمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”
فاطمةُ الزهراء كانتْ هي القُربان وهي العُنوان لِبيانِ هذهِ الحقيقة وهي أن تكونَ مائزاً بينَ أولياءِ عليٍّ وبينَ أعداءِ عليّ.
✾ وأمَّا الشِعارُ الثالث: (يا لثاراتِ الحسين) فَمُصابُ الحُسينِ هُو مُصابُ فاطمة.. كما يقولُ إمامُنا الصادقُ “صلوات الله عليه” حين يتحدّثُ عن الحُسين مِراراً، يقول وهو يُخاطب شيعته: (أما تحبُّ أن تكون فيمن يُسعد فاطمة)
فالإمام لم يقلْ مَن يُسعدُ مِنكم رسولَ الله.. الإسعادُ لِفاطمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليها”.. للإرتباط الوثيق بين ظُلامةِ فاطمة وظُلامة الحُسين.
هذهِ نماذج مِن شعاراتِ أهْل بيتِ العِصمة “صلواتُ اللهِ عليهم” والتي تركّزتْ كلُّ معانيها وكُلُّ دِلالاتها في هذا الشعار: (يا زهراء).
❖ الجهةُ الثانية التي نُريدُ الوقوفَ عندها: هي معنى ومضمون هذا النداء (يا زهراء)..فهذهِ العبارة تتألّفُ مِن مَقطعين:
• المقطع الأوّل: (يا)
• والمقطع الثاني: (زهراء).
المقطّعُ الأوّل هو حرْفُ نداء، والمُنادى هي الزهراء.. والنداءُ هو علامةٌ للتواصلِ بينَ العَبد وبين سيّدهِ وكذلكَ علامةُ تواصلٍ بين السيّد وبين عبدهِ.. كما في الكتاب الكريم حِين تقول الآيةُ الكريمةُ: {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا..} فهذا نداءٌ مِن السيّد إلى عبيدهِ.. وحين يجأرُ الداعي بالدعاءِ فيقول: (يا الله) فهو نداءٌ مِن العبدِ إلى مولاه.
أيضاً قولهِ عزَّ وجلَّ في سُورةِ آل عمرآن: {ربَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادياً يُنادي للإيمانِ أنْ آمنُوا بربِّكُم فآمنّا..} فهو مِثالٌ قُرآنيٌّ آخر على نِداء السيّد إلى عبده.. فالمُنادي الذي يُنادي للإيمانِ هُنا هُو نبيّنا الأعظم، هُم أئِمتُنا.. هو إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ عليه”..
ومِثالٌ آخر على النداء لكن مِن العبد إلى سيّده ما جاءَ في الزيارةِ الشعبانيّة لِسيّدِ الشُهداء.. حِين يُخاطبُ الزائرُ الإمامَ قائلاً: (لَبّيكَ داعيَ الله.. إنْ كانَ لم يُجِبْكَ بَدَني عند اسْتِغاثَتِكَ ولِساني عند اسْتنْصَارِكَ – أي لم يُجبكَ بالنداء – فقد أجابكَ قلبي وسمعي وَبَصَري..) فالنداءُ – كما مرَّ – هو صِلَةٌ بينَ العَبدِ وسيّدهِ، وبين السيّد وعبدهِ.
وهُنا حينَ نُخاطبُ الصِدّيقةَ الكُبرى فنقول: (يا زهراء) فهذا النداءُ وسيلةُ تواصلٍ بيننا وبينها “صلواتُ اللهِ عليها”..
وأمَّا وسيلتُنا التي نَتوسّلُ بها وعن طريقها بالزهراء فهي حُبّنا للصدّيقة الكُبرى “صلواتُ اللهِ عليها”.. فنَحنُ إذا كانَ عندنا مِن شيءٍ حَسَنٍ نتوسّلُ بهِ إلى فاطمة فهو حُبّنا لفاطمةِ.. هو وسيلتنا.
وحتّى هذا الحُبّ فهو بفضْلها “صلواتُ اللهِ عليها”.. فوسيلتُنا مِنها وإليها، وكلُّ فضْلٍ يَعودُ لَهم “صلواتُ اللهِ عليهم” كما نُخاطِبُهم في زيارةِ النُدبةِ الشريفة: (فما شيءٌ مِنّا إلّا وأنتم لهُ السبب وإليهِ السبيل..) وكما نُخاطِبُهم أيضاً “صلواتُ اللهِ عليهم” في الزيارة الجامعة الكبيرة بهذا الخِطاب: (والحقُّ مَعَكُم وفيكُم ومِنكُم وإليكُم وأنتُم أهلهُ ومَعدِنُه) يعني أنَّ البداياتِ منكم والنهاياتُ مِنكم والمقاصدُ باتّجاهكم.. وكلُّ شيءٍ أنتم معدنهُ.. ومعدنُ الشيءِ أصْلهُ.
وسيلتنا إلى الزهراء هي مِنها “صلواتُ الله عليها” – إنْ كان ذلكَ في الجانب التكويني أو في الجانب التشريعي –
ففي الجانب التكويني: نجد الروايات تُحدّثنا بأنَّ شِيعتهم خُلُقِوا مِن فاضلِ طِينتهم، وبقَدْر ما اختلطَ مِن طِينةِ أهْل البيت في خِلقةِ الشيعيّ يكونُ انشدادُهُ إلى أهْل البيت.
هذهِ الطِينةُ قد تُغطّيها أوساخُ النفس البشريّة، فما مِن مَخلوقٍ إلاَّ ولَهُ وجهان، وجْهٌ مِن عند ربّهِ ووجْهٌ مِن عند نفْسهِ.. الوجْهُ الذي مِن عند ربّهِ هُو الجانبُ الحَسَن عند الإنسان، والوجْهُ الذي مِن عند نفسهِ هو الجانبُ السيّءُ عند الإنسان.
فهذهِ الطينةُ التي خُلِقَتْ مِنها العُقول والقُلوب – كما جاءَ في الرواياتِ الشريفة – هذهِ الطِينة بقَدْر ما تصفو مِن الكدوراتِ ومِن أوساخِ النفس البشريّة فإنَّ القلوبَ تصفو معَ أهْل البيت.. ولِذلكَ وسيلتُنا إلى الزهراء ووسيلتُنا إلى إمامِ زماننا هي مِنهم وإليهم “صلواتُ اللهِ عليهم” ونَحنُ لا نَملكُ فَضْلاً في ذلك.
هذا معنىً إجماليّ لِحرف النداء (يا) في قولةِ (يا زهراء).
• أمَّا المُنادى وهو (زهراء) فإنَّ معنى “زهراء” في لُغةِ العرب هي البيضاءُ المُشرقةُ التي يزدادُ بياضُها وضوحاً وانبلاجاً.. وأمَّا في رواياتِنا الشريفة فهُناك معانٍ عديدة لإسْم الزهراء (لِماذا سُمّيتْ بهذا الإسْم فاطمة، ولِماذا هي الزهراء)
مِن هذهِ المعاني.. حديثٌ طويل لِرسولِ اللهِ “صَّلى اللهُ عليه وآله” يُحدّثنا فيهِ عن مَراتب خِلْقةِ الملأ الأعلى، فيقول أنّهُ عَمَّتْ ظُلمةٌ وسادتْ الملأ الأعلى – يعني ظُلمةٌ بما يتناسب مع ذلك العالم – فاستجارتْ الملائكةُ بربّها، فَنَصَبَ الباري الزهراءَ بين يدي العرش، فأشرقتْ عوالمُ الملأ الأعلى وأزهرتْ.. فقيل لَها الزهراء لأنّها هي التي أزهرتْ بها عوالمُ الملأ الأعلى، أزهرتْ بها السماواتُ والأرض، والحديثُ هُنا عن الجانب التكويني في أصْل الخِلقة.. وللقارىء الكريم أن يُراجعَ الموضوع التالي: https://bit.ly/2R7Tckr
الزهراءُ هيَ زهرةُ المصطفى، وزهرةُ المصطفى هي أمّ أبيها، هي رُوحُهُ التي بين جنبيه، هي قلبهُ، هي نُور عينهِ، هي مُهجة فؤادهِ.. وكان رسولُ اللهِ يُكرّر هذهِ العبارة: (فداها أبوها)
أمَّا فيما يتعلّقُ بالمعنى الّلغوي للزهراء وأنَّ المُرادَ مِن الزهراء هي البيضاء – كما تقدّم – ففي ذلكَ إلتفاتةٌ دقيقةٌ أيضاً.. وهي أنَّ الّلونَ الأبيض مِن أوضحِ خصائصهِ أنّهُ مُفَرِّقٌ للبصر.. فمَعروفٌ عِلميّاً أنَّ النظرَ الدائمَ إلى الّلونِ الأبيض يُؤدّي إلى العمى أو يُؤدي إلى إضعافِ البصر، ولِذلكَ يُقالُ بأنَّ الّلونَ الأبيض هُو مُفَرِّقُ ومُشَتِّتُ البصر.
ولَفظةُ الزهراء وحتّى لفظةُ الحوراء تعني “البيضاء”.. والبيضاء تُشيرُ هذهِ الحقيقة: أنَّ الخَلْق فُطِموا عن معرفةِ فاطمة “صلواتُ اللهِ عليها”.. يعني أنَّ فاطمةَ هي الحقيقةُ التي تعمى عن إدراكِ كُنْهها العُقول.
فمِثلما أنَّ الَّلونَ الأبيض مُفَرِّقٌ للبصر.. يعني يجعل القُدْرةَ البصريّةَ مُتشتِّتةً مُتلاشيةً.. إذْ أنَّ الإنسانَ إذا أخذَ يُديمُ النَظَرَ إلى الّلونِ الأبيض مُدّةً طويلة فقد لا يرى شيئاً بعد ذلك (إنْ كان بشكلٍ مُؤقّت أو بشكلٍ دائم).
كذلك هي الزهراء.. فهي البيضاءُ المُشرقة، أي الحقيقةُ الناصعةُ البيضاء الطاهرة التي فُطِمتْ الخلائقُ عن مَعرفتها.. أي قُطِعُوا عن مَعرفتها.
فنَحنُ نتوسّلُ ونتوجّهُ إلى حقيقةٍ بهذهِ السِعة، وإلى مَضمونٍ بهذا المعنى، إلى سعةٍ لا تستطيعُ العُقولُ أن تُلِمَّ بأطرافها.. نتوجّهُ إلى قضيّةٍ خارجةٍ عن الإحصاء وخارجةٍ عن الحصْرِ وعن الإحاطة {وإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}
• نَحنُ حينما نعطش أو حينما نجوع نتوجّهُ إلى المكان الذي نجدُ فيهِ الماء لِنرتوي، أو نجدُ فيه ما يسدُّ جوعنا.. وهكذا.. فكذلكَ حينما نُريدُ أن نواصِلَ السيرَ باتجاهِ الباري سُبحانه وتعالى فعَلينا أن نذهبَ إلى الجهةِ التي تمدُّنا وتُعطينا هذهِ القُدرة.. وهذهِ الجهة هي “فاطمة”.
• قد يقول قائل: فأين مُحمّدٌ وعليٌّ إذاً..؟!
ونقول: إنّنا حينَ نقولُ فاطمة.. ففاطمة عُنوانٌ لمُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم” كما يُشيرُ إلى ذلكَ حديثُ الكساءِ الشريف.. حينَ سألتْ الملائكة الباري تعالى عن الذين هُم تحتَ الكساء.. قال عزَّ وجلَّ: (هُم فاطمةُ وأبوها وبعلُها وبنوها) فابتدأ بفاطمة ونَسَبَ الجميعَ إليها.. فالباري تعالى جَعَلَها عُنواناً لِمُحمّدٍ وآلِ مُحمّد والنبيُّ جَعَلَها عُنواناً أيضاً.. والحديثُ هُنا عن هذا العُنوان.
فحين نُنادي (يا زهراء) خُصوصاً حينما نفتتحُ بهذا النِداء حَديثنا فلأجلِ أن نُشْعِرَ السامعَ بأنَّ كُلَّ المعاني وكُلَّ المضامين إنّما هي تَجتمِعُ وتُخْتَصَرُ في هذا العُنوان (يا زهراء)،
وحِينَ نَجعلُ هذهِ القولة (يا زهراء) شِعاراً.. فنَحنُ نُريدُ أن نُشيرَ إلى هذهِ الحقيقة: وهي أنَّ البابَ الذي نَتوجهُ إليهِ في كُلّ أحوالنا هُو بابُ فاطمة.. الذي هُو بابُ الفيضِ المُعبَّقِ بالرحمةِ وبالرأفةِ.
• أيضاً مِن دلالاتِ هذا النداء (يا زهراءُ) : هُو أنّهُ عنوانُ عقيدتِنا وعُنوانُ ديننا، لأنَّ الزهراءَ هي المِيزان.. كما يقول نبيُّنا الأعظم “صلَّى اللهُ عليه وآله”: (يَرضى اللهُ لِرضاها ويسخطُ لِسَخَطها)
فالنبيُّ جَعَلَها مِيزاناً.. ونَحنُ إذا كُنّا مِن أهْل الدين ومِن أهْل العقيدةِ فَمِن البديهةِ أنّنا نَبحثُ عن رضا الباري وعن سَخَطهِ، وهذانِ الأمرانِ لا يَتوضّحانِ ولا يتبيّنانِ إلّا مِن طريق فاطمة “صلواتُ اللهِ عليها”.
• أيضاً مِن دلالاتِ هذا النداء (يا زهراءُ) : أنّهُ عنوانُ افتتاح وهو شِعارٌ وعُنوانُ عقيدةٍ وسبيلُ نجاةٍ.. وهو نِداءٌ – كما تقدّم- نداءٌ مِن العَبدِ إلى مَولاتهِ، إذا ما ناديناها بهِ بإخلاصٍ وصِدْقٍ فإنَّ الزهراء ستُجيب.. فهذا النداء (يا زهراء) هُو قَرْعٌ للبابِ الأوسعِ لِفيض اللهِ سُبحانهُ وتعالى.. فالزهراءُ هي بابُ رجائِنا الأعظم وهي بابُ الفيضِ الإلهي الأوسع.
(يا زهراءُ).. شِعارٌ نَحتمي بهِ مِن الضلال.. فالزهراءُ كما هي قُربانٌ للحقّ هي أيضاً فُرقانٌ يُفرّقُ بين الحقّ والباطل.. هي الحِصْنُ الذي إذا ما لَجأنا إليهِ فإنّنا نستطيعُ أن نُميّز بينَ الحقائق.
فالزهراءُ هي فُرقانُ الحقّ والباطل، وكُلُّ الذي جرى عليها وكُلُّ الذي قامتْ بهِ هُو فرقانٌ للتمييز بين الهُدى والضلال، بين الشِرك والتوحيد، بين الكُفْر والإيمان، بين العِلْم والجهل، بين الحِكمةِ والحماقة.. كُلُّ الذي جرى عليها أو صَدَر مِنها هُو في هذا الجو وفي هذهِ الغاية..
(يا زهراءُ) شِعارٌ يرمزُ إلى حصنِ العقيدة التي تتحصّنُ بها القُلوب، وشِعارٌ يرمزُ إلى أنَّ الزهراءَ وسيلةُ فرقانٍ، وأنَّ التمسُّكَ بها والّلجوءَ إليها والوقوفَ على أعتابها يُحصّنُنا مِن الانجرافِ في متاهاتٍ تأخذنا بعيداً عن أهل البيت.
• أيضاً مِن دلالاتِ هذا الشِعار (يا زهراءُ) : أنّهُ عُنوانٌ لِظلامةِ عليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. فالظلامةُ الحقيقيّةُ هي ظِلامةُ عليٍّ يا أشياع عليّ.. وكُلُّ الّذي جرى على الزهراء إنّما جرى عليها لأنها تَمُتُّ إلى عليٍّ..!
مِن أوّل الأمْر مُشكلتِنا نَحنُ الشِيعةُ هي عليٌّ.. والظلامةُ ظلامةُ عليٍّ.. فَواللهِ ما سَمُّوا الإمامَ المُجتبى إلاَّ لأنّهُ ابنُ عليٍّ.. وشِمْرٌ حِين علا صَدْرَ الحُسينِ قال: (إنّي أذبحُكَ بُغْضاً لأبيك) ظلامةُ الأئمةِ جميعاً إنّما جرتْ عليهم لأجل عليٍّ “صلواتُ اللهِ عليه”.. وآلامُ فاطمةَ هي آلامُ عليٍّ.. فَمِثلما قدَّمَ الحُسينُ أصحابَهُ وأهْلَ بيتهِ ورَضيعَهُ وعائلتَهُ ونفْسَهُ قرابينَ عند المذبح الإلهي.. قدَّم عليٌّ فاطمةَ قُرباناً.. فأيَّ ألمٍ يَعتصرُ قلب عليٍّ..؟!!
:
#الثقافة_الزهرائية