ما هي معرفة النفس التي بها يعرف الرب ؟

ما هي معرفة النفس التي بها يعرف الرب ؟

 ما هي معرفة النفس التي بها يعرف الرب ؟

السؤال

يروى أن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: { من عرف نفسه فقد عرف ربه } فما هي معرفة النفس التي بها يعرف الرب عز وجل والتي عناها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ؟ أرجوا التفضل علينا بالشرح المفيد ولكم وافر الشكر والتقدير.

الجواب

الذين قالوا بوحدة الوجود من الحكماء والصوفية , زعموا أن حقيقة الموجودات أعم من الرب والمربوبين والخالق والمخلوقين , واحد في نفس الأمر , وإنما اختلفت بختلاف الصور والقابليات.

ومثلوا ذات الرب سبحانه بالماء ومختلف الموجودات بالثلج فإذا ذاب الثلج وسال رجع إلى أصله وهو الماء.

قال شاعرهم مخاطبا ربه:

وما الناس في التمثال إلا كثلجة      وأنت لها الماء الذي هو نابع

ولكن يذوب الثلج يرفع حكمه     ويوضع حكم الماء والأمر واقع

وقال بعضهم: { أنا العابد وأنا المعبود } وقال غيره: { أنا غافر أنا مذنب }

وقال عبدالكريم الجيلاني: { إن شئت قلت الحق دائرة جوفها خلق , وإن شئت قلت الخلق دائرة جوفها حق }

وهذه العقيدة مخالفة للعقل والشعور المسالم , ولما جاءنا من السماء من البيان والمعرفة.

وقال بعض الحكماء: { من عرف نفسه أنها مخلوقة , عرف أن لها خالقاً , او عرف نفسه بالعجز والإحتياج , عرف ربه بالقدرة والغنى }.

ولكن أفضل تفسير لهذه الكالمة الخالدة , هو أن حقيقة العالم هي نور خلقه الله بمشيئته , ونسبه لنفسه وأودع فيه أجمل الصفات , وجعله مثالاً له في الأفعال , فنظر إليه بنظر الرحمة فتلألأ وتشعشع فخلق من أشعته الخلائق بأنواعها ومراتبها , فامتاز كل من الموجودات بصورته التي اختاره بحسب قابليته.

فحقيقة كل مؤمن من شعاع ذلك النور , فإذا عرف نفسه اي حقيقته , عرف ربه , فإن نفسه مثال لمثال ربه , قد خص بالصفات الكمالية.

والطرق إلى هذه المعرفة , رفع الحجب عن وجهها وكنس غبار الآانية عنها , وذلك بالرياضات الشرعية: { العمل بالواجبات , والتجنب عن المحرمات , والتلبس بالأخلاق الفاضلة , والصفات الملكوتية , والقيام بالمستحبات , وترك المكروهات , والإكثار من النوافل , لأنها موجبات القرب إلى الله , كما قال سبحانه , { لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها } والإخلاص في أقواله وأعماله ومنوياته , حتى يغرق في بحر المحبة وينسى نفسيته وآنيته فهناك يعرف نفسه ويمثل ربه في الصفات والأفعال , فمعرفة نفسه في هذه الحالة هي معرفة ربه كما يقول جلا وعلا: { عبدي أطعني تكن مثلي , أنا أقول للشيء كن فيكون , وأنت تقول للشيء كن فيكون } فذاته عز وجل أجل أن يعرف لا يعرف ذاته لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا يتصور ولا يشار إليه بل العبد يتصف بالصفات المخلوقة المحبوبة المنسوبة إلى المولى من العدل والكرم والرأفة والرحمة ويعرف بها.

ولهذه المعرفة درجات راجعة إلى اختلاف القابليات ومقامات الواصلين , ولذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم { أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه } فكل من هو أشد في تصفية نفسه في إعراضه عن العلاقات الدنيوية والعواطف السلبية فهو أحق بالتجليات الربوبية وأقوى في معرفتها مثالها المرآة أمام الشمس فإن صورة الشمس فيها هي مثال تجليات الشمس فإذا كانت شيشتها صافية ليس عليها غبار فمن رآها فكأنما يرى الشمس وعرفها , وليست الشمس في المرآة وليست المرآة عرفت ذات الشمس بل عرفت آثارها من الحرارة والأشعة وله المثل الأعلى في السماوات والأرض { الله نور السموات والأرض …. }.

أقول: وأصفى مرآة في عالم الوجود هي نفس سيد الكائنات وأشرف الموجودات لتلك التجليات فلهذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم { من رآني فقد رأى الحق } ومن بعده في الصفاء أخوه وقرينه امير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام ولكمال معرفته ثم يقول { لو كشف الغطاء ما أزددت يقينا }.

ويبرهن هذا المعنى قوله { ص } { يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت …. } لأن مرآة نفسيهما أصفى المرايا أما تجليات شمس الحقيقة , فليس في مرآة نفسيهما شائبة الكدر ولا ذرة فسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين.

الكاتب: الميرزا حسن الحائري الإحقاقي

المصدر: كتاب الدين بين السائل والمجيب

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading