لا تخف من الحقنة

لا تخف من الحقنة

أستغرب من الوالدين عندما يهددان طفلهما بالمستشفى والحقنة معظم الأوقات، ثم إذا تعرض للمرض انتقداه بشدة لخوفه من المستشفى! نحن نضع الحطب ونشعل النيران تحت المياه، ثم نستغرب من غليان المياه بدلا من تجمدها !

سيعود الطلاب والطالبات إلى المدارس يوم الأحد القادم، وهل تستطيع تخمين أكثر ما سيصلك على الواتساب في يوم السبت ؟

غالبًا ستكون رسائل النكت والسخرية من المعلمين والطلبة والدراسة! سيقسم ناشروا الرسائل بأنهم يحترمون المعلمين والطلبة والعلم ويضعونهم فوق رؤوسهم، وبأنها فقط نكات عابرة لتلطيف الأجواء، ولكن الحقيقة أن هذا السيل الجارف من الطاقة السلبية تجاه العلم والتعليم يبني خلفه أفكار وقناعات سلبية – مباشرة وغير مباشرة – بعدم الاحترام للعلم والتعليم ومكانة المعلم، ويصور لنا بأن الدراسة شر كبير قد ابتلينا به في هذا الزمان.

في المجتمعات التي تحترم العلم يُنظر للدراسة على أنها مرحلة مهمة جدا لتشكيل العقول وطرق التفكير الصحيحة؛ لتنطلق وتبني الإنسان الذي يرتقي بنفسه وعائلته ومجتمعه، ويتقرب إلى الله سبحانه و تعالى بتحصيله و اتقانه العلوم النافعة التي تساهم في إعمار الأرض وتسهيل حياة البشر، وجعلها أفضل باختلاف التخصصات، سواء كنت ميكانيكي، رسام، معلم، موظف إستقبال، مهندس الخ…

الأمم العاقلة تستخدم دائما التحفيز النفسي الإيجابي لصالحها، والتحبيط السلبي لأعدائها، ولكننا وبشكل غريب نمارس ذلك التحبيط السلبي ضد شبابنا بشكل مقزز تحت عنوان الاستظراف ونشرالضحك والمتعة!

مع الأسف كل هذه الطاقة السلبية التي ستنطلق في هذه الأيام – شئنا أم أبينا – ستذهب مباشرة للعقل اللا واعي للطلاب والطالبات، و قد تؤكد لهم يومًا بعد يوم بأن الدراسة شيء صعب وممل، لا فائدة منه، وسواء درست أم لم تدرس فلا فرق أبدًا، ويحاول البعض إقناعك بشكل مباشر بأن تحصيل الشهادة مجرد ورقة لا يُنتفع بها لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يمكن أن يرتقي هذا العلم بطريقة تفكيرك، ولا يزيد من فرص رقيك كإنسان ذو قيمة في هذه الدنيا.

هذه الحرب اللا واعية تذكرني دومًا بحروب أخرى زائفة مستشرية في المجتمع، كان منشأها النكات ومحاولات الاستظراف المتواصلة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ربما نتيجة للفراغ و التشاؤم والنقص الذي يعيشه البعض.

وهذه الحرب اللا واعية المتواصلة ضد العلم وانعكاساته الإيجابية على العقل البشري والمجتمع، جعلت الطلاب يترقبون الإجازة القادمة منذ اليوم الدراسي الأول، بل يحتفلون في آخر يوم دراسي بحرق الكتب ورميها وتقطيعها في الشوارع؛ ابتهاجا لذهاب ذلك الزائر الثقيل.

كلنا نحب الإجازة ونفرح بقدومها، ومن الطبيعي أن نستمتع بوقت إجازتنا بعد نجاحنا وإنجازنا و تعبنا لسنة كاملة، و لكن حرق و تقطيع الكتب يُظهر مشكلة عميقة في فهمنا نحو عظمة العلم و مساهمته المباشرة في رقي المجتمعات، وبأننا لا نؤمن بطلب العلم من المهد إلى اللحد، وعلاقتنا مع الكتب تنتهي بانتهاء صفوف الدراسة، على سبيل المثال هنالك أناس لم يفتحوا كتابًا واحدًا بعد مضي سنوات منذ تخرجهم من الجامعة !

عزيزي الواعي، لا تنشر مثل تلك الرسائل والمقاطع التي تضر أبناءنا و بناتنا، وتبرمجهم على تلقي العلم بكل تثاقل أملًا في نيل قرطاسة مزخرفة، بل ينبغي أن نشجعهم ونهيأهم للسعي نحو التعلم الإيجابي، حبا للعلم والارتقاء بأنفسهم، لا من أجل اجتياز الاختبارات فقط.

المؤمن القوي الذي يتسلح بالعلم ويطور من كفاءة العقل الذي منحنا الله تعالى إياه، أحب إلى الله من المؤمن الضعيف الذي ارتخت كل عضلاته كسلًا ، ويقضي معظم يومه في الديوانية، ويقنع باستلام مبلغ زهيد نهاية كل شهر لاستخدام اسمه في السعودة الوهمية، فذلك المؤمن القوي يستطيع أن يحقق الكثير كإصلاح السيارات، أو علاج المرضى، أو تصميم ذلك البيت الجميل، أو تعليم الأجيال، عكس نظيره…

إذن، إنها سنة دراسية جديدة فاجعل لك من خلالها بداية جديدة، بغض النظر عن تقصيرك أو كسلك أو إخفاقك في السنوات السابقة، وتذكر أن على عاتقك أنت وحدك تقع مسؤولية كتابة نهاية قصتك في هذه السنة، بعيدًا عن المهرجين حولك، ولا تخف من حقنة التعلم أبدًا فإنها علاج فعّال لعقلك، ومصل لارتقائك كإنسان ذو قيمة.

28/8/2019
مهدي صالح الفوز
ماجستير إدارة أعمال
محب للتعلم كل يوم

مراجعة
الأستاذة / رباب المحمد

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة