كتاب جامع السعادات لشيخ الجليل محمد مهدي النراقي قدس سره *الطائفة السادسة*
( *المتصوفة* )
والمغترون فيهم اكثر من ان يحصى:
(فمنهم) ارباب البوقات، وهم القلندرية الذين لا يعرفون معنى التصوف ولا شيئاً من مراسيم الدين، وصرفوا اوقاتهم في التكدي والسؤال من الناس، ويظنون أنهم تاركون للدنيا مقبلون على الآخرة، مع انهم لو ظفروا بشيء من أمور الدنيا لأخذوه بجميع جوارحهم، فهؤلاء ارذل الناس بوجوه كثيرة لا تخفى.
و (منهم) من اغتر بالزي، والمنطق، ولبس الصوف، واطراق الرأس وادخاله في الجيب، وخفض الصوت، وتنفس الصعداء، وتحريك البدن في الطول والعرض، والسقوط إلى الأرض، (لا) سيما إذا سمعوا كلاماً في الوحدة والعشق، مع عدم اطلاعهم على حقيقة شيء منهما. وربما تجاوز بعضهم من ذلك إلى الرقص والتصفيق، وابداء الشهيق والنهيق، واختراع الاذكار، والتغني بالاشعار… وغير ذلك من الحركات القبيحة والهيئات الشنيعة، ويظن أن العبد بهذه الحركات والأفعال يصل إلى الدرجات العالية، ولم يعلم المغرور أنها تقرب العبد إلى سخط الله وعذابه.
و (منهم) من وقع في الاباحة، وطوى بساط الشرع والاحكام، وترك الفصل بين الحلال والحرام، يتكالب على الحرام والشبهات، ولا يحترز عن أموال الظلمة والسلاطين. وربما قال: المال مال الله والخلق عيال الله، وفهم فيه سواء. وربما قال: ان الله مستغن عن عملي، فأي حاجة إلى أن أتعب نفسي فيه؟ وربما قال: لا وزن لأعمال الجوارح، وإنما النظر إلى القلوب، وقلوبنا والهة إلى حب الله واصلة إلى معرفة الله. وربما خاضوا في الشهوات الدنيوية، وقالوا إنها لا تصدنا عن طريق الله، لقوة نفوسنا وقوة اقدامنا فيها، وانما يحتاج العوام إلى تهذيب النفس بالأعمال البدنية، ونحن مستغنون عنه. فهؤلاء يرفعون درجتهم عن درجة الأنبياء (ع) إذ كانوا يصرحون بأن ارتكاب الأمور المباحة فضلاً عن الخطايا والمعاصي يصدهم عن طريق الله، حتى يبكون سنين متوالية على ترك الراجح وفعل المرجوح، فهم أشد الناس غروراً، وأعظم الخلق حماقة وجهلا.
و (منهم) من يدعي غاية المعرفة واليقين، والوصول إلى درجات المقربين، ومشاهدة المعبود، ومجاورة المقام المحمود، والملازمة في عين الشهود، وتلقف من الطامات كلمات يرددها، ويظن أنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن السماء. وينظر إلى العباد والفقهاء والمحدثين وسائر اصناف العلماء بعين الحقارة والازدراء، يقول في العباد: إنهم أجراء مبعوثون، وفي العلماء: انهم بالحديث عن الله لمحجوبون، ويدعي لنفسه من الكرامات ما لا يدعيه نبي ولا ولي، ويدعي كونه واصلا إلى الحق فارغاً عن أعباء التكليف، لاعلماً أحكم ولاعملا هذب، لم يعرف من المعارف إلا أسماء يتفوه بها عند الأغنياء للوصول إلى بعض حطامهم الخبيثة. فهو عند الله من الفجار المنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، مع ظنه أنه من المقربين، فهو أشد الغافلين المغرورين.
و (منهم) ملامية يرتكبون قبائح الأعمال وشنائع الافعال الموجبة للبعد عن طريق المروة. ظناً منهم أن هذا موجب لكسر النفس وازالة ذمائم الأخلاق، ولم يعلموا ان هذه الافعال من الذمائم، وقد نهى صاحب الشرع عنه.
و (منهم) اشتغل بالرياضة والمجاهدة، وقطع بعض المنازل، ووصل إلى بعض المقامات على قدر سعيه ومجاهدته، إلا أنه لم يتم سلوكه وانقطع عن سائر المقامات، اما لاعتراض مفسد في اثناء السلوك، أو لوقوعه في الاثناء ظناً منه انه وصل إلى الله ولم يصل بعد، فان لله سبعين حجاباً من نور، ولا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظن انه قد وصل، واليه الإشارة في حكاية الخليل، حيث رأى أول كوكباً فقال: “هذا ربي “، ثم انتقل إلى القمر، ثم عنه إلى الشمس، فانه ليس المراد بالكوكب والقمر والشمس هذه الاجسام المضيئة، فان شأن مثل الخليل أعظم من أن يظن كونها آلهة، بل هذا ينافي شأنه ورتبته، فالمراد بها الأنوار التي هي من حجب الله، ويراها السالك في الطريق، ولا يتصور الوصول إلى الله إلا بالوصول إلى هذه الحجب، وهي حجب من النور بعضها أعظم من بعض، فاستعير لفظ الكواكب لصغره لاقل مراتبها، والقمر لا وسطها، والشمس لاعظم مراتبها، والخليل (ع) لم يزل عند سيره في الملكوت يصل إلى نور بعد نور، ويتخيل إليه في أول ما يلقاه أنه قد وصل، ثم انكشف له أن وراءه امر، فيترقى إليه حتى وصل إلى الحجاب الاقرب، فقال: هذا اكبر، فلما ظهر أنه مع عظمته غير خال عن الهوى في حضيض النقص والانحطاط عن ذروة الكمال، قال:
” لا أحب الآفلين. إني وجهت وجهي… “[1].
فسالك هذا الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب، وربما يغتر بالحجاب الأول، وأول الحجاب بين الله وبين العبد هو قلبه، فانه ـ أيضاً ـ أمر رباني ونور من أنوار الله. تتجلى فيه حقيقة الحق كله، حتى يتسع لجملة العالم ويحيط به وتنجلى فيه صورة الكل، وعند ذلك ويشرق نوره اشرافاً عظيماً، إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه، وهو في أول الأمر كان محجوبا، فإذا تجلى نوره وانكشف فيه جماله بعد إشراق نور الله تعالى ربما التفت صاحب القلب إلى القلب، فيرى من جماله الفائق ما يدهشه، فربما يسبق لسانه في هذه الدهشة، فيقول: انا الحق! فان لم يتضح له ما وراء ذلك،اغتر به، ووقف عليه وهلك، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية، ولم يصل بعد إلى القمر، فضلا عن الشمس، فهو مغرور. وهذا محل الالتباس، إذ المتجلى يلتبس بالمتجلى فيه، كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة فيظن أنه لون المرآة، وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج فيظن أنه لون الزجاج، كما قيل:
فتشابها وتشاكل الأمر
رق الزجاج ورقت الخمر
وكأنما قـدح ولاخمر
فكأنمـا خمر ولا قـدح
وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح، فرأوا اشراق نور الله قد تلألأ فيه، فغلطوا فيه، كمن يرى كوكباً في مرآة أو في ماء، فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء، فيمد اليد إليه، فهو مغرور. وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله كثيرة لا تخفى على أرباب البصيرة.
ثم أكثر المتلبسين بلباس العارفين ـ مع كذبهم فيما يدعونه، ونقصانهم في طريق السلوك، وجهلهم بحقيقة الأمر، وعدم قطعهم جل المقامات ـ يشتبهون بالصادقين من العرفاء في زيهم وهيئتهم وآدابهم ومراسمهم والفاظهم، ظانين أنهم بهذا التشبه يصلون إلى مراتبهم، فهيهات هيهات! إن الوصول إلى درجة كل أحد إنما تحصل بالاتصاف بأوصافه الباطنة والتخلق باخلاقه النفيسة، دون التشبه به في حالاته الظاهرة، وقد شبههم بعض الأكابر بامرأة عجوز سمعت أن الشجعان من المقاتلين تثبت أسماؤهم في الديوان ويقطع لكل واحد منهم قطر من اقطار المملكة، فتاقت نفسها إلى أن تكون مثلهم، فلبست درعاً، ووضعت على رأسها مغفراً، وتعلمت من رجز الأبطال أبياتاً، وتعلمت كيفية جولانهم في الميدان، وتلقفت جميع شمائلهم في الزي والمنطق والحركات والسكنات، وتوجهت إلى المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشجعان، فلما وصلت إليه، أنفذت إلى ديوان العرض، وأمرت بأن تجرد عن المغفر والدرع، وينظر إلى حقيقتها، وتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان ليعرف قدر شجاعتها، فما جردت فإذا هي عجوز ذات منة ضعيفة لا تقدر على شيء فقيل لها: اجئت للاستهزاء بالملك واهل حضرته؟ خذوها والقوها قدام الفيل، فداسها ونحتها. فهكذا يكون حال المدعين للتصوف والعرفان في القيامة، إذا كشف عنهم الغطاء وعرضوا إلى القاضي الحق الذي لا ينظر إلى الزي واللباس بل إلى سر القلب وصفاته.