[[ قضية مظلومية الزهراء ليست مسألة تاريخية بل من أصل الدين و العقيدة ]]

[[ قضية مظلومية الزهراء ليست مسألة تاريخية بل من أصل الدين و العقيدة ]]

إن قضية مظلومية مولاتنا الصديقة الشهيدة صلوات الله عليها ليست مجرد حدث تاريخي مضى و انتهى زمانه !!
بل إن هذه الحادثة و هي الهجوم على دار فاطمة صلوات الله عليها كانت مفصلاً أساسياً بين طريقين : طريق الله ، و طريق الشيطان .

قال الله عزّ و جلّ { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }

إن الملائكة توقعوا أن يكون الناس الذين سيخلقهم الله على الأرض مفسدين و سفاكي دماء فقال لهم تعالى { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }
أي أني سأجعل مهمة الخليفة إصلاح الفساد و إقامة العدل على أرضي .

و كان آدم أول خلفاء الله على الأرض ، و لا تخلوا الأرض من خليفة أبداً ، و لو خلت لساخت بأهلها كما في الحديث الشريف ، ففي كل زمان كان تعالى يرسل نبي رسول مع شريعة سماوية و يخلفه أوصيائه من بعده إلى النبي الخاتم محمد صلوات الله عليه و آله .

و في كل زمان و مع كل خليفة لله من نبي أو وصي كان لإبليس جنود من الإنس يقعدون للناس صراطهم المستقيم ، و يحرفونهم عن الحق إلى الباطل و الضلال ، فكان مع موسى السامري ، و مع بني إسرائيل يهوذا ، و مع عيسى بولس ، و هكذا في كل زمان و مكان …

و هذا الذي تعهد به إبليس أمام الله سبحانه بأن يمنع إقامة الخلافة الإلهية و دولة العدل الربانية و هو قوله { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ وَ لَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }

إلى نبوة نبينا الخاتم صلوات الله عليه و آله الذي هو سيد الأنبياء ، و رسالته خاتمة الرسائل السماوية ، فكانت رسالته صلوات الله عليه و آله للعالمين كافة ، و ليست لقوم أو زمان محددين ، و وصيه سيد الأوصياء أجمعين ، الذي توعد إبليس ربه بأن يُحرِف الناس عنه و يضلهم عن الهداية إلى ولايته بقوله { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } و هو ولاية علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه كما في الروايات الشريفة ، لأنها ولاية الله تعالى و خلافته الكبرى { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ }

فكان أئمة الكفر جنود إبليس في زمن رسول الله صلوات الله عليه و آله في نفاق و كتمان ، لأن الحق كان واضحاً جلياً برسول الله و وحيه و قرآنه و معاجزه ، و كان سيف أمير المؤمنين مسلطاً على رقاب الكفر و الجور ، لذلك كان أئمة الجور في سكوت و ترقب حتى وفاة النبي صلوات الله عليه و آله .
و فعلاً بعد شهادة النبي صلوات الله عليه و آله تحركوا بقيادة إبليس لمحاربة الخلافة الإلهية المتمثلة في ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه و إقامة خلافة أئمة الجور ، و ذلك ما ورد عن رسول الله صلوات الله عليه و آله رواه جابر قال : سيكون من بعدي أئمة على الناس من اللّه من أهل بيتي يقومون في الناس ، فيكذبونهم و يظلمهم أئمة الكفر و الضلال .(1)

و عنه أيضاً صلوات الله عليه و آله قال : معاشر الناس ، إنه يكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار و يوم القيامة لا ينصرون .
معاشر الناس ، إن اللّه و أنا منهم بريئان .
معاشر الناس ، إنما أدعها إمامة و وراثة في عقبي إلى يوم القيامة و سيجعلونها ملكاً و اغتصاباً ، ألا لعن اللّه الغاصبين و المغتصبين .(2)

فبعد شهادة الرسول الأعظم صلوات الله عليه و آله مباشرة كانت محاولة إبليس الأولى و الكبرى في إقصاء ولي الله و إقامة وليه مكانه ، فأجمعوا أنفسهم و قواهم و دهائهم و اجتمعوا حول دار علي و الزهراء صلوات الله عليهما لأخذ الخلافة عنوة و بالقوة لعلمهم بأن الأمير موصى و مأمور بالسكوت ، لأن الغلبة الساحقة كانت لأهل النفاق ، فلو خرج أمير المؤمنين عليهم لا شك أنه سيفنيهم عن آخرهم لكن لا يبقى من الدين شيء ، فسكت و حقن دماء المسلمين و حفظ الدين و بقية المؤمنين .. و هذا متسالم عليه عند السنة و الشيعة ، و في جميع المصادر التاريخية لجميع المسلمين كافة ، و لا ينكر هذه الحقيقة سوى جاحد معاند .

فلو تم غصب الخلافة ضمن إطار التهديد و الوعيد فقط لضاع الحق ، و زور التاريخ ، و ظهر للناس جميعاً على أن الخلافة انتقلت من رسول الله بالشورى بشكل طبيعي ، و علي صلوات الله عليه وافق و بايع ، خصوصاً أن الحكومات فيما بعد كلها أصبحت بيد الطواغيت يكتبون التاريخ كما يناسبهم .

فكان لا بد من علامة حاسمة فارقة بين الحق و الباطل ، بين الخلافة الإلهية و الخلافة الشيطانية ، بين إمام الحق و إمام الباطل ، بين منهج الحق و العدل و منهج الظلم و الجور ، فكان لا بد من متصدي يحمل هذه الأمانة و يوصلها إلى جميع الناس على كامل المعمورة عبر الأزمان و الدهور ، يبقيها علامة فارقة لا تندرس و لا تنمحي أبداً ، تبقى صرخة مدوية إلى يوم ظهور الحق الجلي مع ولي الله الأعظم بقية الله و خيرته ، تصرخ في الناس أن هذا إمام حق و هذا إمام باطل ، فكانت الزهراء صلوات الله و سلامه عليها هي التي تصدت لذلك ..

تصدت ببيتها الذي أُحرق ، بخدّها الذي لُطم ، بعينها التي إحمرّت ، بعصرها بين الباب و الجدار ، بصدرها الذي نبت فيه المسمار ، بضلعها الذي كُسر ، بمحسنها الذي أُسقط ، بصحتها التي إنهارت سبعون يوماً قبل وفاتها ، بنحالة بدنِها ، بآلامها عند كل نَفَسْ ، بإخفاء قبرها بعد شهادتها ….

هذه التضحيات الجسام و القربات العظام هي الشاهد الأكبر على أن ما جرى من بيعة لخلافة رسول الله صلوات الله عليه و آله جرى بالقوة و الغصب و القهر و نزف الدماء و ليس شورى و موافقة ..

ندرس هذا التاريخ جيداً ، و نتعلمه ، و نفهمه ، لنستفيد منه في الحاضر ، و طريقة الاستفادة من التاريخ أن ندرك و نعي أن التاريخ زُوّر ، و الدين حُرّف ، و الأحكام عُطّلت و غُيّرت ، و القرآن بُدّل تأويله و تفسيره ، و ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في دعاء قنوته في الصلاة : اللهم العن الذين قلبا دينك ، و حرفا كتابك ، و عطلا أحكامك ، و أبطلا فرائضك ، و خربا بلادك ، و أفسدا عبادك .
اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه ، و حق أخفوه ، و باطل أسسوه ، و جور بسطوه ، و ظلم نشروه ، و حلال حرموه و حرام حللوه …
اللهم العنهم بكل سنة غيروها ، و أحكام عطلوها …(3)

فكل ما تعيشه البشرية من فساد في البر و البحر ، على جميع الأرض ، من يومها الى قيام القائم بالحق ، نتاجه من ذلك اليوم .
نتاجه من إقصاء ولي الله و خليفته و تولية إمام الكفر و الجور بديلاً عنه ، و ذلك ما ورد في تفسير الآية { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ }
عن علي بن إبراهيم قال : يعني يحملون آثامهم يعني الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام و آثام كل من اقتدى بهم ، و هو قول الصادق صلوات الله عليه : و الله ما أهريقت محجمة من دم ، و لا قرعت عصاً بعصا ، و لا غصب فرج حرام ، و لا أخذ مال من غير حله ، إلا وزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العالمين شيء .(4)

و كذلك كلام الحارث النضري في سؤاله لأبي جعفر صلوات الله عليه : عن قول الله عز و جل { الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا }
قال صلوات الله عليه : ما تقولون في ذلك ؟ .
قلت : نقول : هم الأفجران من قريش ، بنو أمية و بنو المغيرة .
قال صلوات الله عليه : هي و الله قريش قاطبة ، إن الله تبارك و تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه و آله فقال : إني فضلت قريشاً على العرب ، و أتممت عليهم نعمتي ، و بعثت إليهم رسولي ف‍ { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ } .(5)

أما لو كان العكس و ولّي ولي الله سبحانه لكان كما قال سلمان رضوان الله عليه : أيها الناس سمعت رسول الله صلوات الله عليه و آله يقول لعلي : أنت وصيي في أهل بيتي ، و خليفتي في أمتي ، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى .
و لكنكم أخذتم سنة بني إسرائيل ، فأخطأتم الحق فأنتم تعلمون و لا تعلمون ، أما و الله لتركبن طبقاً عن طبق ، حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة .
أما و الذي نفس سلمان بيده لو وليتموها علياً لأكلتم من فوقكم ، و من تحت أقدامكم ، و لو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء ، و لو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم ، و لما عال ولي الله ، و لا طاش لكم سهم من فرائص الله ، و لا اختلف اثنان في حكم الله .
و لكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلايا ، و اقنطوا من الرخاء ، و قد نابذتكم على سواء ، فانقطعت العصمة فيما بيني و بينكم من الولاء .(6)

فنتيجة ما جرى ذلك اليوم من غصب مَنْ ولّاه الله و تنصيب غيره أن الأمة الإسلامية لا تزال في البلاء ، و المصائب ، و التيه ، و تسليط حكماء الجور ، و القنوط من الرخاء ، إلى قيام إمام الحق الحجة بن الحسن صلوات الله عليه ، فيملؤها قسطاً و عدلاً بعدما ملئت ظلماً و جوراً مما جنته الأمة في ذلك اليوم .

لذلك معرفة التاريخ واجب شرعاً على كل مؤمن يريد سلوك الصراط المستقيم و النهج القويم ، لأن من لم يعرف تفصيل ظلامة آل محمد سيقع في فتنة الخلط و التحريف التي يثيرها عدوهم حتماً ، و سيضيّع حق آل محمد حتماً ، و يبتعد عن الهداية و يقع في شراك إبليس و تدليس أعوانه .

لذلك يجب على كل مؤمن أن يذكر ما جرى في ذلك اليوم من مصائب على عترة رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين ، و أن يبكي و يلطم رفضاً للظلم الذي حل عليهم و استنكاراً لتلاعب أئمة الكفر في دين الله و شرعه و وحيه ، و استجابةً لولاية الله و وصية رسول الله في علي خليفته من بعده ، و نصرةً لعترته ، فإن الذي جرى عليهم أعظم و أكبر الظلم الذي حل على بشر منذ آدم و إلى يوم الدين ، و لذلك نحيي هذه الذكرى الأليمة و الفاجعة العظيمة في عشرة أيام ثلاث مرات خلال السنة و ليس مرة واحدة و يوم واحد ..

و هذا إحياء للحق و إزهاق للباطل ، و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر ، و ليس تخلف و جهل كما يدعي البعض من عنده الجهل مركب ، فيظن نفسه عالم و هو أجهل الناس بالسيرة و التاريخ ..

بل إن الذي يتقاعس عن إظهار هذه الحقيقة للناس و يقلل من أهميتها هو شريك الظلم و الجور الذي حل على العترة الطاهرة ، و هو شريك في إقصاء الحق و إعلاء الباطل ، و ذلك ما ورد عن جابر عن أبي جعفر صلوات الله عليه قال : من لم يعرف سوء ما أتي إلينا من ظلمنا و ذهاب حقّنا و ما ركبنا به ، فهو شريك من أتى إلينا فيما ولينا به .(7)

✍ #عبدهم_مصطفى

📚 المصادر و المراجع

(1) 📗|الكافي|1|263| 📗|التفسير الصافي|3|206| 📗|تفسير نور الثقلين|3|191| 📗|تفسير كنز الدقائق|7|457| 📗|إثبات الهداة|2|138|

(2) 📗|الاحتجاج|الطبرسي|1|88| 📗|التفسير الصافي|2|62| 📗|اليقين، السيد ابن طاووس|385| 📗|روضة الواعظين|1|227| 📗|إثبات الهداة|2|185|

(3) 📗|بحار الأنوار|82|262| 📗|الخصائص الفاطمية|1|8|

(4) 📗|التفسير الصافي|3|131| 📗|تفسير كنز الدقائق|7|197| 📗|تفسير نور الثقلين|3|48| 📗|البرهان في تفسير القرآن|3|412|

(5) 📗|الكافي|8|127| 📗|الوافي|3|462| 📗|التفسير الصافي|3|87| 📗|تفسير كنز الدقائق|7|63| 📗|تفسير نور الثقلين|2|543| 📗|البرهان في تفسير القرآن|3|307|

(6) 📗|الاحتجاج|1|160| 📗|مسند الإمام الصادق|4|411| 📗|إلزام الناصب|2|133| 📗|بحار الأنوار|29|127|

(7) 📗|ثواب الأعمال|236| 📗|مسند الإمام الباقر|1|343| 📗|بحار الأنوار|27|57|

#المعرفة_بالنورانية
للاشتراك واتسآب
+96181266504
تلغرام
http://telegram.me/almarefablnoraneya

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة