نشأت بعيداً عن الأحساء، ولم أصادف في بداية حياتي سوى القلة من الأحسائيين في لقاءات عابرة، ولم يلفت نظري فيهم سوى اختلاف اللهجة بيننا، وهيئة بعضهم القريبة من هيئة البدو، وكان الكبار قد أخبروني أنه بالكاد يستطاع التمييز بين سني الأحساء وشيعيها. كما حدثوني عن جمال الأحساء الساحر، وعن نخيلها، ومناخها الملائم لإنتاج التمور، وأنها تضم قرى كثيرة، وعيون جميلة، ولا أكثر من هذا.
وفي العام ١٤١٥هـ، وقع بيدي كتاب شيق للمرحوم الشيخ عبد الله نعمه، اسمه (فلاسفة الشيعة) قدم له المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية، وقد جذبني ضمن فهرسه اسم الشيخ المرحوم أحمد بن زين الدين الأحسائي، ولا أعلم عن سر انجذابي لاسم (زين الدين) حتى اليوم. وقد فرحت حقيقةّ لوجود علم من بلادنا ضمن أعلام فلاسفة المذهب، وإن كنت أجهل من يكون ذلك العلم، وأخذني الشوق لقراءة ترجمته في البداية، مقدماً إياها على سائر المواضيع والتراجم، ولكني أصبت بالخيبة لعدم وجود مصدر من كتب الشيخ الأحسائي من ضمن المصادر التي اعتمد عليها الشيخ الكاتب في ترجمته، وكان يقول بأنه قد نُسب إليه كذا وكذا، وأن هناك طائفة تنسب إليه تسمى بالشيخية، كما أن الناس اختلفوا فيه، وأن اختلافهم دليل على نبله وعلو مقامه.
وحيث أن المصادر عن الشيخ الأحسائي لم تكن متوفرة بكثرة في ذلك الوقت، كما لم تكن شبكة الإنترنت موجودة ليسعفني القوقل والويكي بيديا بالمزيد من المعلومات عنه، فقد أخذت نيران الفضول تضطرم في داخلي وتدفعني للبحث عنه. وفعلاً سرعان ما وقع في يدي معجم لباحث شيعي تناول فيه الفرق الإسلامية، وعمل على أسلمتها، ولكنه وقع في الشيخية، ومن دون أن ينسب كلامه إلى مصدر من مصادرهم، فقلت في نفسي يا للعجب! إن كتب النقاشات المذهبية تلقى رواجاً – في تلك الأيام – وكان المدافعون عن المذهب قد لاموا بعض الباحثين السنة لاعتمادهم على مصادر الخصوم في نقاش المذهب وبنوا أحكامهم على أكاذيب وافتراءات، وكان اللازم عليهم الرجوع إلى المصادر الشيعية، فكيف سمح هذا الباحث المحترم لنفسه بالنيل من الشيخية ومؤسسها من دون الإستناد على كتب الشيخ الأحسائي ومؤلفاته؟.
وبعد مضي سنة، وجدت بائعاً متجولاً في القطيف يبيع أشرطة دينية، وقد شنف سمعي صوت عذب لشيخ أحسائي لم أسمع به من قبل، يدعى بحسين الفهيد حفظه الله. وقد بهرني صوت جناب الشيخ المسدد، وأخذت أتفكر في مضمون محاضرته (هل يرى المعصوم الملاك أم لا يراه) وكان ينتصر للرأي القائل بالرؤية، ويرد على منكريها (بحث العلامة الدربندي ذلك في أسرار الشهادات بما لا مزيد عليه). وفي الحقيقة أنني لم أكن معتاداً على مثل تلك الأطروحات، وكنت أتساءل كيف يكون النبي صلى الله عليه وآله حجة على شئ لا يراه؟. فطرحت الموضوع للتداول مع أحد المؤمنين، وكان رأيه معارضاً، ولم تكن لديه حجة، ولم يمتلك البرهان، بل إنه أوغل في تحذيري من الشيخية، وختم المجلس قائلاً : أنا أكبر منك، وأفهم منك، وقرأت أكثر منك، لا تستمع لهذا الشيخ، ولا تكترث بآراء الشيخية. فودعته، وانصرفت.
ولما التحقت بالحياة الوظيفية، وانفتحت على عالم أكبر، أصبحت لي صداقات رائعة مع جماعة من الإخوة الأحسائيين، لم يكن بينهم شيخي واحد، ولم تكن عقائد الشيخية بهاجس لهم كما كان أمر مرجعية المرحوم العبد الصالح الميرزا حسن الإحقاقي قدس سره. وفي الحقيقة أن أمر المرجعية لم يكن يعني لي شيئاً، فقد كان ذلك العصر عصر الفتن المرجعية بامتياز، وقد زادت حدتها بعد رحيل الكبار وخصوصاً الإمام الخوئي قدس سره. فكان تركيزي منصباً على الجوانب الاعتقادية، وكالعادة لم يستند الأصدقاء في نقوداتهم للميرزاوية (تغير إسم جماعة الشيخ لاحقاً من الشيخية كما في الكتب التي تركز على الاعتقادات إلى الميرزاوية في الواقع الذي يركز على المرجعيات) إلى كتب الشيخ الأحسائي، ولم يقدموا لي مؤلفات جماعته حتى أقرأها، باستثناء مجلة صغيرة أحضرها لي أحد المؤمنين، صادرة عن جماعة المقدس الإحقاقي في الكويت، لم ألمس فيها عزلتهم. والعجيب الأعجب ما اكتشفته لاحقاً بأن الكثير من خصوم الشيخية الأحسائيين يحملون نفس معتقدات الشيخ الأحسائي، ولكن الخلاف محصور بينهم في نطاق المرجعية، المرجعية وفقط.
وبعد سنوات زادت عجلة إحياء التراث من سرعتها، وتم تحقيق مؤلفات الشيخ الأحسائي، ومخطوطات معاصريه من العلماء القطيفيين، ووجدت تأثر كبار القطيفيين بحكمة الشيخ الأحسائي وعلومه، حتى لقبه بعضهم بالشيخ الرئيس، وشيخنا وشيخ الكل، فما كان ذلك الرجل؟.
لقد دفعني الفضول للاعتكاف سنيناً في القراءة له، ومحاولة فهم آرائه، فوجدت أن لديه إبداعاً، وتجديداً، وأظنه قد سبق عصره بالكثير، وخصوصاً إذا ما أسقطت آراءه الفلسفية على الفيزياء الحديثة، والنظريتين النسبية والكمية ( ومثال ذلك عالم المثال الذي خالف في مفهومه الفلاسفة وعلاقته بنظرية الأوتار الحديثة وتداخل العوالم).
كما وجدت لديه حساداً، لم يكونوا بمنأى عن السياسة، وقد سعوا لتسقيطه، وتكفيره، وتلفيق الأكاذيب عليه، وتحريف مراداته، فقط لأنه أحسائي اكتسب شعبية جارفة ومكانه روحية سامية لدى الإيرانيين، شعبية ومكانة أخافت السلطان القاجاري، ومن تأمل في التأريخ الإيراني يرى بأن السلطان قد عمد إلى تقوية حوزة النجف الأشرف، واستمد شرعية حكمه منها. كما عمل على إضعاف الحوزة العلمية في بلاده، خوفاً من سلطتها الروحية. ومن شأن السلطة الروحية أن تطيح بعرش السلطان إذا ما اختلف معها.
وقد حسبني بعض الأحبة على الشيخية لأني قلت ما أملاه علي ضميري بحق الشيخ الأحسائي، واعتقادي بأنه على ما هو عليه علماء الشيعة من مضامين رغم اختلاف العناوين.
ورغم اتفاق العلماء مع الشيخ الأحسائي في كليات المنهج المعرفي – لا سيما أتباع المدرسة التفكيكية – إلا أنهم افترقوا معه في بعض التفاصيل. وشخصياً لا أرى رؤبته في بعض تلك التفاصيل التي فهمتها، وقد يكون ذلك قصوراً في فهمي وإدراكي، فلا يحسبني أحد عليه، وإن لم تكن النسبة إليه معيبة.
وفي واقعنا اليوم – وكما نلمس من خلال بعض الصفحات – نماذج يراد لها أن تكرر من مأساة الشيخ الأحسائي، تسقط هذا العالم، وتختلق الأكاذيب عليه، وتسخر من نتاجه، وتحرف مراده، وتتهمه بالغلو المساوق للكفر وإن سبق أهل عصره في بعض الأمور، فانتبهوا لما يحاك، واستفيدوا من التجارب، والله من وراء القصد.
ياسر آل خميس
صفوى