قال الله عز وجل في الحديث القدسي : يا أحمد ، لولاك لما خلقت الأفلاك ، و لولا عليّ لما خلقتك ، و لولا فاطمة لما خلقتكما .(1)
كان الله سبحانه و لم يكن معه غيره ، فأول ما خلق نور محمد صلوات الله عليه و آله ، خلقه من نور ذاته ، فكان هو الخلق الأول و منه كان العالم الأول ، و هو عالم اللاهوت ، نور الذات الإلهية ، و هو عالم مطلق أزلي أبدي ، لا اسم و لا صفة ، و ليس فيه حدود و لا تعيين و لا جسم و لا مادة و لا شكل ، ثم اشتق من نور محمد نور علي و فاطمة و الأئمة من ولدهما ، فكانوا جميعهم في ذلك العالم نور واحد مشتق من بعضه .
و لما أراد الله سبحانه أن يظهر أسماءه و صفاته خلق ثانياً الملائكة ، في عالم متنزل عن عالم اللاهوت ، و العالم الثاني خلقه الله من نور علي صلوات الله عليه ، و تنزل نور محمد من العالم المطلق اللاهوتي إلى العالم الثاني عبر علي صلوات الله عليهما و آلهما ، لذلك العالم اللاهوتي الأول أصله محمد ، و العالم الثاني أصله علي بن أبي طالب . و لولا علي لما تنزل نور محمد من العالم الأول .
ثم خلق الله السماوات و الأراضين من نور فاطمة صلوات الله عليها ، فنورها صلوات الله عليها أصل عالم الملكوت ، ثم تنزلت إليه أنوار محمد و علي صلوات الله عليهما و آلهما ، و لولا نورها لما خلق الله السماوات و الأرض ، و لما خلق الله محمد و علي في عالم الملكوت .
و ذلك ما ورد على لسان رسول الله صلوات الله عليه و آله قال حين سأله عمه العباس : و كيف كان بدء خلقكم يا رسول الله ؟
فقال صلوات الله عليه و آله : يا عم ، لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نوراً ، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحاً ، ثم مزج النور بالروح ، فخلقني و خلق علياً و فاطمة و الحسن و الحسين ، فكنا نسبحه حين لا تسبيح ، و نقدسه حين لا تقديس .
فلما أراد الله تعالى أن ينشئ الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش ، فالعرش من نوري ، و نوري من نور الله ، و نوري أفضل من العرش .
ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور أخي علي ، و نور علي من نور الله ، و علي أفضل من الملائكة .
ثم فتق نور ابنتي فاطمة فخلق منه السماوات و الأرض ، فالسماوات و الأرض من نور ابنتي فاطمة ، و نور ابنتي فاطمة من نور الله تعالى ، و ابنتي فاطمة أفضل من السماوات و الأرض .(2)
ففاطمة صلوات الله عليها هي أصل عالم السماوات و الأرض ، و هي الخالقة الفعليه لكل هذا الوجود بما فيه من أفلاك و أبراج و أكوان و مخلوقات .
هذا الفعل الإلهي في خلقه للسماوات و الأراضين يسمى “الفطر”
قال تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ } .
فمعنى الفاطر أي خالق الأشياء بداية لا من شيء قبله ، فالفطر هو أخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، قال تعالى { فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } .
معلوم في حكمة أهل البيت صلوات الله عليهم أن الله سبحانه ليس فاطر بذاته ، لأنه لا يوجد نسبة و تجانس بين ذاته المقدسة و بين خلقه ( و تنزه عن مجانسة مخلوقاته ) لذلك أفعاله تعالى تتم بواسطة أسمائه ، و فطره تعالى للسماوات و الأراضين و ما فيها كان باسمه الفاطر ، و قد ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في دعاءه : أسألك باسمك الذي فطرت به خلقك ، فكل له مذعنون .(3)
و حقيقة اسم الله ” الفاطر ” هي فاطمة صلوات الله عليها كما ورد عن رسول الله صلوات الله عليه و آله قال : و هو فاطر ، فاشتق لفاطمة من أسمائه اسماً .(4)
و عنه صلوات الله عليه و آله قال : فسمّانا الله بخمسة أسماء من أسمائه ، فالله المحمود و أنا محمّد ، و الله الأعلى و هذا علي ، و الله فاطر و هذه فاطمة .(5)
و عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلوات اللّه عليه و آله : لمّا خلق اللّه عزّ و جلّ آدم … فرفع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمسة سطور مكتوبات ، قال آدم : يا ربّ ! من هؤلاء ؟
قال اللّه عزّ وجلّ له : هؤلاء الّذين إذا تشفّع بهم إليّ خلقي شفّعتهم .
فقال آدم : يا ربّ ، بقدرهم عندك ما اسمهم ؟
قال تعالى : أمّا الأوّل فأنا المحمود و هو محمّد ، و الثاني فأنا العالي و هو عليّ ، و الثالث فأنا الفاطر و هي فاطمة .(6)
فكل هذا الوجود بعوالمه العلوية و السفلية ، و كل الخلق الذي فيه من اسم الله ” الفاطر ” الذي هو نور فاطمة صلوات الله و سلامه عليها .
أي أن فاطمة صلوات الله عليها هي العلة الفاعلية في إيجاد هذا الوجود من السماوات و الأرضين ، و كل عوالم الملك و الملكوت قائمة بنور فاطمة و مستمده منه آناً فآن لا ينقطع ، و لو انقطع مددها صلوات الله و سلامه عليها عن العالم لحظة لزال و انعدم وجوده بزوال سببه .
و ذلك لأن نور محمد و علي لا يتنزلان إلى العوالم الأدنى إلا عبر الوسيلة ، لعدم قابلية العالم الأدنى على تحمل أنوارهما على حقيقتها بالمباشرة ، لذلك كل مدد لمحمد و علي صلوات الله عليهما و آلهما يكون عبر فاطمة فهي الوسيلة صعوداً و نزولاً ، لذلك حين أحس النبي صلوات الله عليه و آله بضعف في بدنه لجأ إلى ابنته فاطمة و قال لها : إنّي أجد في بدني ضعفاً .
فقالت له : أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف .(7)
و حين اجتمعوا جميعهم ” النبوة و الإمامة ” في بيت فاطمة صلوات الله عليها و تحت كساءها أخبر عنهم الله عزّ و جلّ فقال ” هُمْ فاطمة ” .
من الآيات القرآنية و الأمثلة الربانية التي تصف و تعرّف فاطمة صلوات الله عليها هي آية النور .
قال تعالى { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَ لَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
معنى { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ } في الآية أي معطيها وجودها .
عن صالح الهمداني قال : سمعت أبا عبد الله صلوات الله عليه يقول في قوله تعالى { اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ } فاطمة صلوات الله عليها .(8)
المشكاة في الآية فاطمة صلوات الله عليها ، و المشكاة معناها رف في الحائط يوضع فيه المصباح أي الإطار الذي يحوي المصباح أي الحامل له ، أو القاعدة أو الأرضية التي عليها يرتكز المصباح .
و هذا معنى ما أسلفناه من أن فاطمة صلوات الله عليها أول و أصل هذا العالم ثم بعدها تنزلات النبوة المحمدية و الولاية العلوية اللتان ترتكزان على فاطمة صلوات الله عليها .
✍ #عبدهم_مصطفى
📚 المصادر و المراجع
(1) 📗العوالم ، السيدة الزهراء|1|44 📗مجمع النورين|14 📗مستدرك سفينة البحار|3|169
(2) 📗تأويل الآيات الظاهرة|1|138 📗تفسير كنز الدقائق|3|466 📗بحار الأنوار|37|84 📗البرهان في تفسير القرآن|2|125