[[ علي بن أبي طالب علانية الله و وجه معرفته و عبادته ]]
قال الله تعالى في الحديث القدسي : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لكي أعرف .(1)
من هو الكنز الخفي ؟ هل هو الله تعالى ؟!
كان الله خفي و أحب أن يعرف أي أن يظهر لخلقه !
لو اعتقدنا بهذا للزم محاذير كثيرة تنافي التوحيد ، و تعارض كلام النبي و أهل بيته صلوات الله عليهم في وصف ذات الله سبحانه ، منها كلام سيد الموحدين صلوات الله عليه في تنزيه الله سبحانه من خطب نهج البلاغة قال : لم يسبق له حال حالاً ، فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً ، و يكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً .
فالانتقال من حال إلى حال ينافي التوحيد لأنه سبحانه كما عن أمير المؤمنين و سيد الموحدين صلوات الله عليه : لا يجرى عليه السكون و الحركة ، و كيف يجرى عليه ما هو أجراه ! و يعود فيه ما هو أبداه ! و يحدث فيه ما هو أحدثه ! اذن لتفاوتت ذاته ، و لتجزء كنهه ، و لامتنع من الأزل معناه ، و لكان له وراء إذ وجد له أمام ، و لالتمس التمام إذ لزمه النقصان ، لا يتغير بحال ، و لا يتبدل في الأحوال ، و لا تبليه الليالي و الأيام ، و لا يغيره الضياء و الظلام ، ليس في الأشياء بوالج ، و لا عنها بخارج .
و كما في الدعاء بعد الوتيرة : و أنا يا إلهي بريء إليك من الذين بالشبهات طلبوك ، و بريء إليك من الذين شبهوك و جهلوك ، يا الهي أنا بريء من الذين بصفات عبادك وصفوك .(2)
فسبحانه و تعالى عن أي يصف نفسه بخلقه فيقول عن ذاته ( كنزاً ) .
و سبحانه أن يكون غائب مخفي فيظهر و يعرف ، فتتغير حالاته .
و سبحانه عن أن يقوم بفعل خلقه من الحب و البغض و غيرها من الأفعال التي هو خلقها و أحدثها فلا تدخل فيه و لا تجري عليه .
فالله سبحانه لم يخلق الخلق لنفسه ، لأنه في ذاته الغني عن كل ما سواه ، فلا حاجة له بهم ليعرفوه و يعبدوه .
و المعرفة لا تقع على ذات الله بأي حال من الأحوال ، لأنه سبحانه { لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيء } فليس له شبه و لا مثيل يعرف به ، و لا إسم ، و لا رسم ، و لا صفة ، و لا إشارة ، و لا عبارة و لا …
و قال سيد الموحدين في نهج البلاغة : لم تحط به الأوهام ، بل تجلى لها بها ، و بها امتنع منها ، و إليها حاكمها .
و قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه في معرفة الذات الإلهية : الطريق مسدود و الطلب مردود .(3)
و قال صلوات الله عليه : كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم .(4)
فكل ما يخطر في عقولنا و أذهاننا من معرفة الله فهو غيره سبحانه و ليس هو حقيقة حتى الأسماء و الصفات الإلهية ليست لذات الله بدليل قول سيد الموحدين صلوات الله عليه في نهج البلاغة : و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، و من قرنه فقد ثناه ، و من ثناه فقد جزأه ، و من جزأه فقد جهله ، و من أشار إليه فقد حده و من حده فقد عده .
فكل جهة معرفة لله سبحانه و جميع الأسماء الإلهية و الصفات الربانية لا تقع على ذات الله بل على الكنز الخفي الذي أحب أن يعرف فظهرت منه الأسماء و الصفات بعد أن كان في غيب علم الله لم يظهر إلى أحد ، و أحب أن يظهر ليدل بذاته على ربه ، لأنه أحب أن يعرّف الخلق بخالقه و يدلهم عليه ، و هو نور الذات الإلهية ، و حقيقة الحقائق الربانية ، النور المشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد أثاره .
فهو في غيب علم الله ، و الله عالم به بأنه يعرفه حق معرفته ، و يطيعه حق طاعته ، و يعبده حق عبادته ، و هو العبد بتمام و كمال العبودية له سبحانه ، و قد قال النبي الأعظم صلوات الله عليه و آله : العبودية جوهرة كنهها الربوبية .
و بما أنه هو العبد الفاني في عزة و جلال الله فهو الجوهرة الأكمل و الكنز الخفي .
و لمّا أحب هذا العبد و الكنز الخفي أن يظهر للخلق و يعرّف بخالقه أعطاه الله ذلك بعد أن استخلصه على جميع خلقه و أقامه مقامه كما شهد بهذا سيد الموحدين صلوات الله عليه قال : و أشهد أن محمداً عبده و رسوله ، استخلصه في القدم على سائر الأمم ، على علم منه به ، انفرد عن التشاكل و التماثل من أبناء الجنس ، و ائتمنه آمراً و ناهياً عنه ، أقامه في ساير عالمه في الأداء مقامه ، إذ كان { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ } و لا تحويه خواطر الأفكار ، و لا تمثله غوامض الظن في الأسرار ، لا إله إلا هو الملك الجبار …
و إن الله تعالى اختص لنفسه بعد نبيه صلى الله عليه و آله من بريته خاصة علاهم بتعليته و سما بهم إلى رتبته ، و جعلهم الدعاة بالحق إليه و الأدلاء بالارشاد عليه ، لقرن قرن و زمن زمن ، أنشأهم في القدم قبل كل مذروء و مبروء ، أنواراً أنطقها بتحميده و ألهمها بشكره و تمجيده ، و جعلها الحجج له على كل معترف له بملكة الربوبية و سلطان العبودية .(5)
و يشهد بذلك أيضاً مولانا و سيدنا موسى بن جعفر صلوات الله عليه قال : فلما أراد أن يخلق محمداً صلى الله عليه و آله منه ، قسم ذلك النور شطرين : فخلق من الشطر الأول محمداً ، و من الشطر الآخر علي بن أبي طالب ، و لم يخلق من ذلك النور غيرهما ، خلقهما بيده ، و نفخ فيهما بنفسه لنفسه ، و صورهما على صورتهما ، و جعلهما أمناء له ، و شهداء على خلقه ، و خلفاء على خليقته ، و عيناً له عليهم ، و لساناً له إليهم .
قد استودع فيهما علمه ، و علمهما البيان ، و استطلعهما على غيبه ، و جعل أحدهما نفسه ، و الآخر روحه ، لا يقوم واحد بغير صاحبه ، ظاهرهما بشرية ، و باطنهما لاهوتية ، ظهر للخلق على هياكل الناسوتية ، حتى يطيقوا رؤيتهما ، و هو قوله تعالى { و لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ } فهما مقاما رب العالمين ، و حجابا خالق الخلائق أجمعين ، بهما فتح الله بدء الخلق ، و بهما يختم الملك والمقادير .
إلى أن قال صلوات الله و سلامه عليه : أقامهم مقام نفسه ، لأنه لا يرى ، و لا يدرك ، و لا تعرف كيفيته ، و لا إنيته ، فهؤلاء الناطقون المبلغون عنه ، المتصرفون في أمره و نهيه ، فبهم يظهر قدرته ، و منهم ترى آياته و معجزاته ، و بهم و منهم عرف عباده نفسه ، و بهم يطاع أمره ، و لولاهم ما عرف الله ، و لا يدرى كيف يعبد الرحمن ، فالله يجري أمره كيف يشاء ، فيما يشاء { لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ } .(6)
فالحقيقة المحمدية هي الكنز الخفي الذين أظهرها الله من غيب علمه إلى خلقه ، و أقامها مقام معرفته و محبته ، و خلق جميع ما خلق لأجلها لا لأجله سبحانه لأنه هو الغني و لا يحتاج لغيره ، و هذا ما ورد في الحديث القدسي مخاطباً رسوله صلى الله عليه و آله : يا احمد خلقتك لأجلي وخلقت الخلق لأجلك .(7)
و ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في رسالته لمعاوية : نحن صنايع ربنا و الخلق بعد صنايع لنا .(8)
حتى نبسط الكلام بالسلس السهل فيفهمه جميع الناس كلٌ بحسبه ، و نضرب المثل الذي ضربه الله سبحانه و ضربه لنا نبيه الأعظم و أهل بيته صلوات الله عليهم و هو كما قال تعالى { سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }
ففي الآفاق مثال لمعرفته سبحانه و هو النار ، النار لها صورة ظاهرة ، و لها حقيقة غيبية خفية لا تظهر أبداً إلا بالصورة الظاهرة و هي الحرارة ، فهل يمكن أن تشاهد الحرارة أو تعرفها بغير النار ؟!
إلا إذا باشرتها ببدنك فتحرقك .. و هذا معنى قول النبي الأعظم صلوات الله عليه و آله : إن لله سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة ، لو كشف حجاباً منها لأحرقت سبحات وجهه جميع ما إنتهى إليه بصره .(9)
و ليست النار إلا ظهور الحرارة ، فمن دونها فانية ، و ذات الحرارة من دون النار لا تظهر ، و لا تعرف ، لأن ظهور الشيء يكون بفعله لا بذاته ، و النار فعل الحرارة ، فغاية ما يصل إليه فهمك و معرفتك و نظرك و توجهك إلى النار لا إلى الحرارة ، فالنار هي وجه الحرارة و تجليها و آية ظهورها و دليل معرفتها ، و هذا معنى قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : إنتهى المخلوق إلى مثله ، و ألجأه الطلب إلى شكله .(10)
كذلك الذات الإلهية هي مجردة في أعلى مراتب التجريد ، و بسيطة في غاية البساطة ، و منزهة عن جميع جهات الإمكان و لوازمه ، و أحواله و أوضاعه ، فلا سبيل البتة لمعرفتها إلا مِن خلال مَن اختارهم الله و اصطفاهم و انتجبهم و جعلهم وجهه ، يُعرف بهم و يُعبد بهم ، و هو قول النبي الأعظم صلوات الله عليه و آله : فبنا عرفوا الله ، و بنا عبدوا الله ، و بنا اهتدوا السبيل إلى معرفة الله .(11)
و قول الصادق صلوات الله عليه : نحن بابه الذي يدل عليه ، و نحن العالمون بأمره ، و الداعون إلى سبيله ، بنا عرف الله ، و بنا عبد الله ، نحن الأدلاء على الله ، و لولانا ما عبد الله .(12)
و قول باقر آل محمد صلوات الله عليه : بِنا عُبد اللّه و بِنا عُرف اللّه و بِنا وُحّد اللَّه تبارك و تعالى ، و محمّد حجاب اللَّه تبارك و تعالى .(13)
و قال أبو جعفر صلوات الله عليه : فنحن أول خلق ابتدء الله ، و أول خلق عبد الله و سبّحه ، و نحن سبب خلق الخلق ، و سبب تسبيحهم و عبادتهم من الملائكة و الآدميين .
فبنا عُرِفَ الله ، و بنا وُحِّدَ الله ، و بنا عُبِدَ الله ، و بنا أكرم الله من أكرم من جميع خلقه ، و بنا أثاب الله من أثاب ، و عاقب من عاقب . (14)
و عن أبي عبد الله الصادق : نحن الأعراف الّذين لا يعرف الله الا بسبيل معرفتنا .(15)
أما المثال الذي في نفسك فهو الأكمل و الأوضح لقول صادق آل محمد صلوات الله عليه : الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه ، و هو الكتاب الذي كتبه بيده ، و هو يجمع صور العالمين ، و هو النسخة المختصرة من اللوح المحفوظ ، و هو الجسر الممدود بين الجنة و النار ، و قد كانت هذه الولاية في النبي و الوصي و هما فاتحها و خاتمها .(16)
و قال الرضا صلوات الله و سلامه عليه : و قد علم ذووا الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ههنا .(17)
و المثال هو وجهك من ذاتك :
اليس وجهك هو عنوان معرفتك ؟
اليس وجهك أقوى دليل معرفتك و به يستدل عليك ؟
و إذا أردت معرفة غيرك ألا تنظر في وجهه لا في نفسه و ذاته ؟
و تميز الأشخاص عن بعضهم بوجوههم لا في أنفسهم ؟
فوجه الشخص دليلك إليه فيعرفك نفسه بوجهه لا بها ؟
و لله سبحانه و تعالى وجه يُعرف به و قد ذكره عز و جل في كتابه الكريم قال :
{ وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ }
و قال { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
و من بديهيات التوحيد تنزيه الله عن الجسم و الأعضاء و الجوارح بل وجهه المقصود هو دليل معرفته الذي يعرف به و هو آيته الكبرى و حجته العظمى و المثل الأعلى و ذلك ورد في الكثير من الروايات الشريفة عن أهل العصمة و الطهارة منها عن ابن المغيرة قال : سئل أبو عبد الله صلوات الله عليه عن قول الله تبارك و تعالى { كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه }
فقال : ما يقولون فيه ؟
قلت : يقولون يهلك كل شيء إلا وجه الله .
فقال : سبحان الله ! لقد قالوا قولاً عظيماً ، إنما عنى بذلك وجه الله الذي يؤتى منه .(18)
و منها عن خيثمة قال : سألت أبا عبد الله صلوات الله عليه عن قول الله عز و جل { كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }
قال : دينه ، و كان رسول الله صلى الله عليه و آله و أمير المؤمنين صلوات الله عليه دين الله ، و وجهه و عينه في عباده ، و لسانه الذي ينطق به ، و يده على خلقه ، و نحن وجه الله الذي يؤتى منه .(19)
و منها ندبة صاحب العصر و الزمان : أين باب الله الذي منه يؤتى ، أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء ، أين السبب المتصل بين أهل الأرض و السماء .
و منها ما ورد أيضاً في زيارته عجل الله تعالى فرجه : السلام عليك يا وجه الله الذي لا يهلك و لا يبلى إلى يوم الدين ، السلام عليك يا ركن الايمان ، السلام عليك أيها السبب المتصل بين الأرض و السماء .(20)
و في زيارة أخرة له عجل الله تعالى فرجه : السلام عليك يا وجه الله المتقلب بين أظهر عباده .(21)
و نشهد به لسيد الشهداء الحسين صلوات الله عليه ، فنقول في زيارته الواردة عن الصادق صلوات الله عليه : و أشهد أنك نور الله الذي لم يطفأ و لا يطفأ أبداً ، و أنك وجه الله الذي لم يهلك و لا يهلك أبداً .(22)
و كما نشهد للأمير صلوات الله و سلامه عليه في زيارته الواردة عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله عليه نقول : و أشهد أنك حبيب الله ، و أنك باب الله ، و أنك وجه الله الذي منه يؤتى ، و أنك سبيل الله .(23)
و أيضاً في زيارة أخرى للأمير عن الصادق صلوات الله عليهما : السلام على وجه الله الذي من آمن به أمن .(24)
و أيضاً عن أبي جعفر الباقر صلوات الله عليه قال : نحن المثاني التي أعطاها الله نبينا ، و نحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم ، عرفنا من عرفنا و جهلنا من جهلنا .(25)
هذا تفسير و تأويل أمير المؤمنين صلوات الله عليه للآيات حيث قال : كل ما في الذكر الحكيم و الكتاب الكريم و الكلام القديم من آية تذكر فيها ، العين ، و الوجه ، و اليد ، و الجنب ، فالمراد منها الولي لأنه جنب الله و وجه الله ، يعني حق الله ، و علم الله ، و عين الله ، و يد الله ، فهم الجنب العلي ، و الوجه الرضي ، و المنهل الروي ، و الصراط السوي ، و الوسيلة إلى الله و الوصيلة إلى عفوه و رضاه ، سر الواحد الأحد ، فلا يقاس بهم من الخلق أحد .(26)
فهم وجه الله الذي لا يفنى و لا يبيد في كل عالم و ذلك قوله تعالى { وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ }
و هو قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : إن ميتنا لم يمت ، و غائبنا لم يغب ، و إن قتلانا لم يقتلوا .(27)
لذلك أُمرنا بمعرفة أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، و من مات لا يعرف الإمام مات ميتة جاهلية ، و من أتى بعمل سبعين نبياً ثم أتى الله جاحد لولاية علي أكبه الله في جهنم ، فكيف يعرف الله من لا يعرف وجهه !!
و كيف يقبل الله عبادة من لا يعرفه ؟!!
لذلك كما قال النبي صلوات الله عليه و آله : الجاحد لولاية علي كعابد وثن .(28)
و قال النبي الأعظم صلوات الله عليه و آله : و الذي نفسي بيده ، لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا .(29)
فمعرفة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه هي عينها تماماً معرفة الله و لا فرق أبداً ، لأن كما اسلفنا سابقاً أن الله لا يعرف إلا به ، لأنه ظهوره و وجهه تعالى و هذا قوله صلوات الله عليه في احدى خطبه الشريقة قال : أنا علانية المعبود .(30)
و قوله صلوات الله عليه : أنا المخبر عن الذَّات .(31)
و قول سيد الساجدين و زين العابدين صلوات الله عليه : نحن معانيه و مظاهره فيكم .(32)
و قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : من عرفني و عرف حقي فقد عرف ربَّه .(33)
فكل معرفة لله سبحانه هي معرفة علي عيناً ، و معرفة علي معرفة الله عيناً و لا فرق و ذلك قول سيد الموحدين صلوات الله عليه : معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل ، و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية .(34)
فإذا عرفت وجه الله فقد عرفت الله سبحانه كما أنك لن تعرف فلان و تميزه عن غيره من دون أن تعرف وجهه ، لأن وجه فلان أقوى معرفة له ، و لولا وجهه ما عرفته .
فآل محمد صلوات الله عليهم هم المقصودون في كل توجه لله عزّ وجل ، فإذا أردت أن تخاطب فلان و تطلب منه و تسأله ألا يكون وجهه هو الجهة إليه ؟
في ندبة المولى إمام الزمان صلوات الله عليه : أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء ؟
لاحظ دقة الكلام ، لم يقل المسلمين ، و لم يقل المؤمنين ، بل قال الأولياء !
و هذا اشارة دقيقة إلى المعرفة ، لأن الولي هو العارف بربه ، و توجه العارف الولي غير توجه بقية المؤمنين ، فالعارف هو الذي ينزه الله حق تنزيهه ، و يعرف وجهه ، و يتوجه إلى تلك الجهة التي هي إمام الزمان صلوات الله عليه .
فالإمام هو جهة الله في الفروض و النوافل و الدعاء ، و هذه العبادة الحقة ، و هذا هو التوحيد ، و الذي يخالف هذا فهو نوع من أنواع الشرك الخفي .
و أعطيك مثلاً ليوضع المطلب أكثر بشكل لا يدع مجالاً للمنكر الجاهل أو للمتهكم المستهزئ و المثل هو الكعبة !
أنت تتوجه بوجهك و جسدك إلى الكعبة في الصلوات و العبادات !
فهل الله سبحانه موجود في البيت ؟!
إن الله سبحانه أمرك أن تولي وجهك شطر المسجد الحرام لأنه وجه الله من هذه الحيثية ، مع أنه مجرد أحجار عادية .
فإذا أردت أن تخاطب ربك تتوجه إلى أحجار مصفوفة فوق بعضها بشكل غرفة مكعبة ! و لا يوجد أي مسلم يرى أي مشكلة في ذلك بل الكل يراه إيمان و طاعة و عبادة .
على هذا قس بأن التوجه في القلب و الذهن و العقل و المعرفة و العبادة إلى نور الله و وجه الله .
و لا يساورك الشك و الارتباك الابليسي فيخيل لك أن هذا شرك بالله أو العبادة لغير الله فتقع بشرك اللعين الذي رفض السجود لآدم بحجة أنه لا يسجد لغير الله فأصبح من الملعونين ، بل كما قال الهادي صلوات الله عليه في الجامعة الكبيرة : من أراد الله بدأ بكم ، و من وحده قبل عنكم ، و من قصده توجه إليكم .
و دليله من القرآن الكريم قوله تعالى { وَ مَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى }
فالغاية المقصودة هي وجه الله و ليس ذات الله تعالى .
و كما شرحنا و فصلنا و كررنا مراراً و بأدلة العترة الطاهرة التي ذكرناها و سنذكرها بأنه لا فرق أبداً في المعرفة و التوجه و العبادة بين الله و بين وجهه ، فهو نفسه تماماً .
و هو ما ورد في دعاء رجب عن الحجة عجل الله فرجه : لا فرق بينك و بينها إلا أنهم عبادك و خلقك .(35)
و عن الصادق صلوات الله عليه : لنا مع الله حالات هو فيها نحن ، و نحن فيها هو ، و هو هو ، و نحن نحن .(36)
لأنك عندما تشير بأصبعك إلى وجه شخص ما تقول : هذا فلان .
لاحظ أنك تشير إلى وجهه لا إلى ذاته ، لكن من وجهه عرفته و حددته و سميته و استدليت بوجهه على حضور نفسه و ذاته ، فقلت هذا فلان و أنت قاصد ذاته و نفسه !
فلو حضر فلان هل تشير إليه و تقول حضر وجه فلان أو جسد فلان أم تقول حضر فلان ؟!
فلو نظرت إلى علي بن أبي طالب ثم قلت : هو الله !
فأنت لا تقصد الذات البحت البات ، بل تقصد ظهور الله الكامل التام .
عن أبي عبد الله صلوات الله عليه قال : إن الله واحد أحد ، متوحد بالوحدانية ، متفرد بأمره ، خلق خلقاً ففوض إليهم أمر دينه ، فنحن هم يا ابن أبي يعفور ، نحن حجة الله في عباده ، و شهداؤه على خلقه ، و أمناؤه على وحيه ، و خزانه على علمه ، و وجهه الذي يؤتي منه ، و عينه في بريته ، و لسانه الناطق ، و قلبه الواعي ، و بابه الذي يدل عليه .(37)
فإذا تكلم علي بن أبي طالب أليس لسان الله الناطق ؟!
و إذا نظرك علي بن أبي طالب أليس عين الله الناظرة ؟!
و إذا ضرب أحدهم علي بن أبي طالب أليس يد الله الباطشة ؟!
و إذا سمعك علي بن أبي طالب أليس أذن الله السامعة ؟!
و إذا رضي عنك علي بن أبي طالب أليس الله الذي رضي ؟!
و إذا غضب عليك علي بن أبي طالب أليس الله الذي غضب ؟!
و إذا أحبك علي بن أبي طالب أليس الله الذي أحبك ؟!
قال رسول الله صلوات الله عليه و آله : من آمن بنا آمن بالله ، و من رد علينا رد على الله ، و من شك فينا شك في الله ، و من عرفنا عرف الله ، و من تولى عنا تولى عن الله ، و من أطاعنا أطاع الله ، و من عصانا فقد عصى الله .(38)
و قال صلوات الله و آله : من أحبنا فقد أحب الله ، و من أبغضنا فقد أبغض الله ، و من والانا فقد والى الله ، و من عادانا فقد عادى الله .(39)
بالخلاصة و النتيجة أن القائل ( كنت كنزاً مخفياً ) ليس ذات الله البحث بل لسان الله الناطق .
و الذي قال ( فأحببت أن أعرف ) ليس ذات الله لأن الذات لا يدخل فيها التغيير و لا شيء من صفات و افعال المخلوقين ، فالذي أحب أن يُعرف هو علي بن أبي طالب حتى يُعرِّف الخلق بخالقه ، و هذا ما ورد عن أبي عبد الله صلوات الله عليه في قول الله عز و جل { فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ } .
فقال : إن الله عز و جل لا يأسف كأسفنا ، و لكنه خلق أولياء لنفسه ، يأسفون و يرضون ، و هم مخلوقون مربوبون ، فجعل رضاهم رضا نفسه ، و سخطهم سخط نفسه ، لأنه جعلهم الدعاة إليه ، و الأدلاء عليه ، فلذلك صاروا كذلك ، و ليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه ، لكن هذا معنى ما قال من ذلك ، و قد قال : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة و دعاني إليها .
و قال { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه }
و قال { إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّه يَدُ اللَّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }
فكل هذا و شبهه على ما ذكرت لك ، و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك .
و لو كان يصل إلى الله الأسف و الضجر ، و هو الذي خلقهما و أنشأهما ، لجاز لقائل هذا أن يقول : إن الخالق يبيد يوماً ، لأنه إذا دخله الغضب و الضجر ، دخله التغيير ، و إذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة ، ثم لم يعرف المكَّوَن من المكوِن ، و لا القادر من المقدور عليه ، و لا الخالق من المخلوق ، تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً ، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة ، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه ، فافهم إن شاء الله تعالى .(40)
✍ #عبدهم_مصطفى
📚 المصادر و المراجع
(1) 📗|تفسير الصراط المستقيم|3|435| 📗|مستدرك سفينة البحار|9|193|
One Comment on “[[ علي بن أبي طالب علانية الله و وجه معرفته و عبادته ]]”
الاخ عبدهم مصطفى
السلام عليكم
لا اعتراض على روايات أهل البيت
ولكن في ما كتب وفسر وشرح على ما ذكرتم
وجاء شرحكم وتفسيركم للروايات بان قيدتم الذات والقدرة الإلهية (تعالى الله عنا يصفون) وجعلتوها محدودة بحيث لا يمكن للذات الإلهية ان تعرف بذاتها الا عن طريق خلق يخلقه بديل عنه فنفيتم عنه فعل خلقه من الحب والبغض وغيرها وهناك ايات كثير توضح ذلك من ذلك (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وكذلك الإرادة الذاتية والفعل يريد الله ان يذهب عنكم الرجس أهل البيت
ارجو تصحيح مفاهيم تفسيركم
تحياتي لكم
الاخ عبدهم مصطفى
السلام عليكم
لا اعتراض على روايات أهل البيت
ولكن في ما كتب وفسر وشرح على ما ذكرتم
وجاء شرحكم وتفسيركم للروايات بان قيدتم الذات والقدرة الإلهية (تعالى الله عنا يصفون) وجعلتوها محدودة بحيث لا يمكن للذات الإلهية ان تعرف بذاتها الا عن طريق خلق يخلقه بديل عنه فنفيتم عنه فعل خلقه من الحب والبغض وغيرها وهناك ايات كثير توضح ذلك من ذلك (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وكذلك الإرادة الذاتية والفعل يريد الله ان يذهب عنكم الرجس أهل البيت
ارجو تصحيح مفاهيم تفسيركم
تحياتي لكم