[[ علم الرجال الناصبي و دوره في تحطيم حديث أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين (١٥) ]]
تقدَّم الحديث في الحلقات الماضية و لا أريدُ أن أُكرِّرَ ما تقدَّم ، لكنَّني أقول لأجلِ أن أُلخِّص المطالب و بشكلٍ مضغوطٍ : علم الرجال هو علمٌ يُعارِضهُ القرآن بشكلٍ واضحٍ ، و مرَّ الحديثُ في ذلك ، الآيةُ السادسة من سورة الحجرات { يا أيُّهَا الذينَ آمَنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } _ إذاً ، الفاسقُ لا يُردُّ خبرهُ و هذا هو منطوق الآية ، أمَّا مفهومها فإنَّهُ يتحدَّثُ عن أخبارِ الثقات ، لكنَّ المنطوقَ و هو الأولى بالإتباعِ قبلَ المفهوم واضح جداً ، إن جاءكُم فاسِقٌ ، و هذا الفاسقُ هو فاسقٌ حقيقي ، لأنَّ الآية نزلت مرّتين في شرِّ فُسَّاقِ الأرض _ { يا أيُّهَا الذينَ آمَنوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } فخبرُ الفاسق لا يُردّ قبلَ التبيُّن ، فما بالُك بخبرِ المجهولِ الذي لا يُعلَمُ هل هو فاسقٌ أم ليس فاسقاً ؟ و ما بالُك بخبرِ الضعيف الذي لا يُعلَمُ ضَعفهُ بالضبط ما هو ؟ و ما بالُك ؟ و ما بالُك ؟…فأسوأُ الناس و هو الفاسق ، منطقُ القرآن لا تردّوا خبره بل تبيَّنوا ، و علم الرجال يُعارضُ هذه الحقيقةَ مِائة في المائة !! فعلمُ الرجال يُعارضُ القرآن و يُعارضُ منطقَ الرَّحمن ..و الذي يُعارض منطقَ الرَّحمن ما هو ؟ هل هو منطقٌ رحماني أن شيطاني ؟ القضيةُ واضحةٌ ، لا تحتاجُ إلى تفكيرٍ و لا إلى ذكاءٍ كثير ، إذاً ، علم الرجال كا قلت يتعارضُ مع منطقِ القرآن و مع المنطق الرحماني …
و علم الرجال يتعارضُ مع منطقِ العترة ، و هذا هو الكافي الشريف و مرَّة الأحاديثُ علينا _ (( عن إمامنا الصادق قال رسول الله صلى الله عليه و آله : إنَّ عَلَى كُلِّ حَقيقَةٍ و عَلَى كُلِّ صَوَابٍ نوراً _ الحقائقُ تحملُ قيمتها في نفسها لا في الأسانيد _ إنَّ عَلَى كُلِّ حَقيقَةٍ و عَلَى كُلِّ صَوَابٍ نوراً فَمَا وَافَقَ كتاب الله فَخُذُوه و مَا خَالَفَ كتاب الله فَدَعُوه ))_ الميزانُ هو كتاب الله ، إذاً المنظورُ في البحث هنا هو المتن و ليس السند ، و إلَّا كيف نعرضُ السند على كتاب الله ، الذي يُعرَضُ على كتاب الله هو المتن ، إذاً لا شأنَ لنا بالسند ، هذا هو منطقُ العترة …
ابن أبي يعفور يسألُ الإمام الصادق عن اختلاف الحديث _ (( يَرويهِ مَن نَثِقُ بهِ و مِنهُم مَن لا نَثِقُ بهِ ، قال : إذا وَرَدَ عليكم حَديثٌ فَوجَدتُم لَهُ شاهداً مِن كتابِ الله _ وجدنا لهُ شاهداً ، هذا في السند أم في المتن ؟ في المتن قطعاً ، أيُّ شاهدٍ في كتاب الله يتعلّقُ بالأسانيد و بالرجال ؟! الأسانيدُ متروكةٌ لعلمِ الرجال ، لعلمِ الضلالةِ و السفاهة و الجهالة _ إذا وَرَدَ عليكم حَديثٌ فَوجَدتُم لَهُ شاهداً مِن كتابِ الله أو مِن قَولِ رسول الله و إلَّا فَالَّذي جَاءَكُم بعِ أولَى بهِ ))_ أي لا شأنَ لنا بالأسانيد أكانَ الراوي ثقةً أم لم يَكُن كذلك _ و إلَّا فَالَّذي جَاءَكُم بهِ _ سواءً كان ثقةً أم لم يكُن ، لأنَّ ابن أبي يعفور هكذا قال له :_ يَرويهِ مَن نَثِقُ بهِ و مِنهُم مَن لا نَثِقُ بهِ _ الإمام قال : (… فَوجَدتُم لَهُ شاهداً مِن كتابِ الله أو مِن قَولِ رسول الله و إلَّا فَالَّذي جَاءَكُم بهِ أولَى بهِ )_ إذاً النظرُ ليس إلى الأسانيد ، بل النظرُ إلى المتون .
فعلم الرجال يتعارضُ و يتناقضُ مائة بالمائة مع منطق القرآن و مع منطق العترة ، و يتعارضُ أيضاً مع منطق العقل ، إذ كيفَ للرجاليين أن يعرفوا حقائقَ الرجال الذين ماتوا قبل مئاتٍ من السنين !! بل حتى الذين عاشوا معهم ، فمِنَ الصعوبةِ بمكانٍ أن تُعرَفَ الناس ، ماذا تقولُ كلماتُ أهل البيت ؟…
الروايةُ عن إمامنا موسى ابن جعفر (( دخل رسول الله صلى الله عليه و آله المسجد _ المسجد النبوي في المدينة _ فإذا جَمَاعَةٌ قَد أطَافُوا بِرَجُل _ أطافوا ، أي داروا حولَه يُكرِّمونه و يُجلِّلونهُ و يُعظِّمونهُ _ فقال : مَا هذا ؟ فقيل : عَلَّامة _ هذا الرجال علَّامه ! _ فقال : و مَا العلَّامَة ؟ فقالوا له : أعلَمُ الناسِ بأنسَابِ العرب و وَقَائِعِها و أيَّامِ الجاهليةِ و الأشعَارِ العَرَبيَّة ، فقال النبي صلى الله عليه و آله : ذاك عِلمٌ لا يَضرُّ مَن جَهِلَه و لا يَنفَعُ مَن عَلِمَه _ و هذا الكلام هو على فرضِ أنَّ المعلومات صادقة ، لأنَّ النبي وصفَهُ بالعلم ، و إذا كانت المعلومات ليست صادقةً لا يُقال له علمٌ بل يُقال له جهل ، لأنَّه حين يتحدَّثُ عن الأنساب حينئذٍ سيتحدّثُ على أساسِ جهلٍ و عدمِ معرفةٍ ، و سيُسيءُ إلى أنساب الناس ، و هكذا في بقية الأمور ، النبي قال عن هذا العلم بأنَّه علمٌ لا يَضرُّ من جهِلَه و لا ينفعُ من عَلِمَه على فرضِ صحَّة المعلومات ، و علم الرجال من نفسِ هذه السنخية !! علم الرجال من نفس سنخية هذه المعلومات ، بل هو أسوأ من ذلك لأنَّ علم الرجال مُعطياتهُ خاطئة ، المعلومات الموجودة فيهِ معلوماتٌ في الأعمِّ الأغلب ليست صحيحة ، فعلمُ الرجال علمٌ في أحسنِ أحوالهِ إذا كانت معلوماتهُ صحيحةً ، فهو لا يَضرُّ مَن جَهِلَه و لا ينفعُ من عَلِمَه ، لذلك ماذا قال النبي بعد أن قال هذا الكلام ؟ _ ثم قال النبي صلى الله عليه و آله : إنَّما العلمُ ثلاثة : آيةٌ مُحكَمَة ، أو فَريضةٌ عادِلَة ، أو سُنَّةٌ قائمة _ ما قال أو علمُ رجالٍ أو علم درايةٍ ، العلمُ هو هذه الأمور الثلاثة ، و هذه متونٌ و ليست أسانيد _ إنَّما العلمُ ثلاثة : آيةٌ مُحكَمَة ، أو فَريضةٌ عادِلَة ، أو سُنَّةٌ قائمة ، و مَا خَلَاهُنَّ فهو فَضل )) أي ليس ضرورياً ، هذا إذا كان العلم صحيحاً في معلوماته ، إذا كانت المعلومات فيما يُسمّى بعلم الرجال صحيحةً ، و الحال أنَّ المعلومات ليست صحيحةً ، و هذا يتبيّنُ من التفاصيل ، فعلمُ الرجال يُخالفُ منطق العقل ، و هذه الروايةُ تتحدَّثُ عن منطقِ العقل ، إذاً ، علم الرجال هو علمٌ معارضٌ لمنطق القرآن و لمنطق العترة و لمنطق العقل السليم كما هو واضحٌ و جليٌّ .
أهمُّ كُتُب الرجال عندنا : ( رجال النجاشي ) ، النجاشي ما هو علمهُ ؟ هو بنفسهِ يتحدَّثُ عن مؤلفاتهِ يقول : _ كتابُ الجمعة و ما ورد فيه من الأعمال ، و كتابُ الكوفة و ما فيها من الآثار و الفضائل ، و كتاب أنساب بني نصر ابن قُعين و أيَّامهم _ هؤلاء أجدادهُ كما هو يقول ، هو ذكر نَسَبه فلان ابن فلان ابن فلان فمن أجدادهِ نصرُ ابنُ قُعين _ و كتابُ أنساب بني نصر ابن قُعين و أيَّامهم و أشعارِهم ، و كتاب مُختصر الأنوار و مواضع النجوم التي سمَّتها العرب _ كتب الأنوار و النجوم هي كتب مليئةٌ بالخرافات ، مثل ما هو موجود في أوساطنا الحوزوية ، مثلاً يُقالُ العالمُ الفلاني يُدرِّس علم الفلك ! و الحالُ أنّ كتب الفلك القديمةُ هي عبارة عن خرافاتٍ و خزعبلات ! كتب الفلك القديمةُ إذا ما قُويست بهندسةِ الفضاء الآن ، فالكثيرُ منها عبارةٌ عن معلوماتٍ خاطئة ، لأنهم ما كانوا يمتلكون لا التلسكوبات و لا الأجهزة المتطوّرة ، كانوا يعتمدون على النظر بالعين المجردة ، و يعتمدون على معلوماتٍ جاءت موروثةً من اليونان ، مثل كتاب المجسطي لبطليموس ، و يُسمّون ذلك علماً و هي في الأعمِّ الأغلب خُرافات و جهالات ، و يُقال للعالم الفلاني أو للأستاذ الفلاني إعجاباً و افتخاراً بأنّه خبيرٌ و أُستاذٌ في الفلك !! و نفسُ الشيء ، الآن كُلَّ ما عند النجاشي هو أنسابُ بني نصر ابن قُعين ، نصر ابن قُعين أين كان يشتغلُ هذا لا أدري ، على أيّ خط ؟ سيارتهُ كانت قِردة أم فارة ؟ هذه المصطلحات هي أسماءُ سيارتٍ في العراق للنقل العام ، نصر بن قُعين هذا أحسنُ حالٍ من أحواله أن لا يكون أفضل بكثيرٍ من الأباعر التي كان يعيشُ معها ؟! من هو نصر ابن قُعين ؟ هذه هي كتب النجاشي !!
نفس الكلام الذي مرَّ علينا ، فلان عَلَّامةٌ بأنساب العرب !! و ماذا يعني ؟! على فرضِ صحَّة المعلومات التي عنده ، فذلك علمٌ لا ينفع من عَلِمه و لا يَضرُّ مَن جَهِلَه ، هذا هو غايةُ علم النجاشي ، لا وجودَ لكتابٍ رجاليٍّ في كُتُبه ، و هذا الكتاب فو فهرست كما مرَّ الكلام فيما سبق ، فالحديثُ معناهُ واضحٌ ، و واضحٌ جداً ، و هو مُعارضةُ علم الرجال لمنطق القرآن ، و لمنطق العترة ، و لمنطق العقل .
و علم الرجال يُعارضُ أيضاً منهجَ الفقاهة في حديث أهل البيت ، لا في ما عندَ المخالفين ، و هو المنهجُ الذي تأثرَّ بهِ عُلماؤُنا و مراجعُنا !! و سيتّضحُ هذا الكلامُ فيما يأتي من الحلقات ، منهجُ الفقاهة عند أهل البيت ليس هو الإجتهاد ، فهذا المصطلحُ مُصطلحٌ يُبغضهُ أهل البيت ، أهل البيت يكرهون هذا المصطلح ، أهل البيت ذُبِحوا و قُتلوا بهذا المُصطلح ، السقيفةُ تأسّست على هذا المصطلح ، الزهراءُ قُتِلت بهذا المُصطلح ، أمير المؤمنين قُتِل بهذا المُصطلح ، إمامنا الحسن قُتل بهذا المُصطلح ، سيد الشهداء ركضت الخيول على جسدهِ بهذا المُصطلح ، بمُصطلح الإجتهاد !! في المقابل منهجُ الفقاهة هو عند أهل بيتِ العصمة فماذا يقولون صلواتُ الله و سلامه عليهم أجمعين ؟..
ثاني رواية في رجال الكشي و كما قلت بأنَّ رجال الكشي ما هو بكتابِ رجال ، هو كتابُ حديثٍ و نحن نعتمدُ أحاديثه لأنها أحاديثُ أهل البيت ، ماذا يقول إمامنا الصادق ؟ (( اعرِفُوا مَنَازِلَ شِيعَتِنا بِقَدرِ مَا يُحسِنُون مِن رَوايَاتِهِم عَنّا _ أي يُحسِنُون فَهمَها _ فَإنَّا لا نَعُدُّ الفَقيه مِنهُم فَقيهاً حَتَّى يَكون مُحَدَّثَاً _ مُحَدَّثَاً ، أي لهُ نوعُ ارتباطٍ بالغيب _ فقيلَ لهُ : أوَيَكُون المؤمِنُ مُحَدَّثَاً ؟ قال : يكون مُفَهَّمَاً و المُفَهَّمُ مُحَدَّث _ فأينَ علم الرجال من هذه الفقاهة ؟ هذه هي الفقاهةُ عند أهل بيتِ العصمة _ فَإنَّا لا نَعُدُّ الفَقيه مِنهُم فَقيهاً حَتَّى يَكون مُحَدَّثَاً ؟ فقيل لهُ : أوَيَكُون المؤمِنُ مُحَدَّثَاً ؟ قال : يَكُون مُفَهَّمَاً و المُفَهَّمُ مُحَدَّث )) مُفهَّمٌ بلُطفِهِم و بفَيضِهِم و بما جاءَ مِن عِلمِهم في أنوارِ حديثهم صلواتُ الله عليهم _ (( إنَّا لا نَعُدُّ الرَّجُلَ من أصحَابِنَا فَقيهَاً لَبيباً عاقلاً حَتَّى يُلحَنَ لَهُ في القول فَيَعرِفَ اللَّحنَ في القول ))_ فمَا هي علاقةُ علم الرجال بهذا المعنى ؟ و أيضاً (( لا تَكونوا فُقَهَاء حَتَّى تَعرِفُوا مَعَاريضَ كَلَامِنا ))_ المعاريضُ هي الأسانيد أم المتون ؟ المعاريضُ هي المتون ، هي أساليبُ التعبير في المتون ، و ليس في الأسانيد _ (( اعرفوا مَنَازِلَ شِيعَتِنا عِندَنا بِقَدرِ مَا يُحسِنُون مِن رَوايَاتِهِم عَنّا و فَهمِهِم مِنَّا )) _ و الفقيه يكونُ (( مُفَهَّمَاً و المُفَهَّمُ مُحَدَّث )) و الروايات كثيرةٌ جداً تُبيِّنُ لنا منهاج الفقاهة عند أهل بيتِ العصمة ، إنَّه منهاجُ لحنِ القول ، فما علاقةُ علمِ الرجال بمنهج الفقاهة عند أهل البيت ؟!
للبحث تتمة ….
[[ مقتطفات من برنامج الكتاب الناطق لسماحة الشيخ عبد الحليم الغزي الحلقة ٨ ]]