صبر السيد وإيذاء الناس له
فأقول واثقا بالله المتعال ومستعينا به في كل الأحوال.
وما أقول , وما أكتب إلا ما أملي على الملك رومان فتان القبور أول ما أدخل في القبر , وما أقول إلا ما شاهدت , وأتخذ الله علي شاهدا ووكيلا والذي أقوله هو الذي وقع بمشهد من الناس وبمرأى منهم لا ينكرونه , وأنا لا أذكر إلا الأمور الجلية الواضحة الغير الخفية على أحد ممن حضر واطلع , وأما الأمور الأخرى التي جرت ولم يطلع عليها أغلب الناس فإني أكتمها في صدري وفؤادي وأغص بريقي , وأقف مع الخصوم عندما تبلى السرائر عند الذي يعلم الغيب والضمائر وحضور الملائكة للشهادة , فإنهم جرعوني غصصا وسقوني مرا علقما وصبرت امتثالا لأمر الله متأسيا بأولياء الله ونظرا إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام ( وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا ) وقد تحملت أمرا عظيما , واحتملت خطبا جسيما من أذية الناس الذين يوسوس في صدورهم الخناس , بلا جرم اجترمت ولا ذنب أذنبت ولا شريعة غيرتها ولا سنة بدلتها ولا حلال حرمته ولا حرام حللته ولا بدعة ابتدعتها ولا حرمة هتكتها ولا مال أكلته ولا قصاص استوجبته , كل ذلك بمحض الشبهات الأفواهية , والأمور الخيالية , التي يعلمون أنها باطلة فقد توكلت على الله واعتمدت بالله ووثقت بمدد الله واعتصمت بالله واستجرت بذمام الله , فأعرضت عن كل ما سوى الله , وجعلت كل اعتمادي بالله وصبرت كما أمرني الله.
وقد كتب إلى الشيخ المرحوم أعلى الله مقامه , ورفع في الدارين أعلامة بخط يده الشريفة ما لفظة , وأما الاحتمالات الواردة فليس لها إلا الصبر , فإن الله تعالى يقول ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) وأما هذا الأمر فلا بد له من مقر , ولكل نداء مستقر ولا يحسن الجواب على التعيين وستعلمن نبأه بعد حين انتهى كلامه الشريف بألفاظة , فصبرت لعلمي بأن الصبر عهد معهود وميثاق مأخوذ عن الله سبحانه في العالم الأول لأمور استحكمت مبانيها في ذلك العالم , وقد أشار إليه عليه السلام في دعاء الندبة , إلى أن قال ( اللهم لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقربتهم وجعلت لهم الذكر العلي والثناء الجلي ) الدعاء وهو قوله تعالى ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) وقال ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) وها أنا أشرح لك حقيقة الحال بصادق المقال ( إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ).
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي
المصدر: كتاب دليل المتحيرين