(روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة)
روح القدس أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش، وهو خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل له رؤوس بعدد رؤوس الخلائق خلق ولم يخلق، ولم ينزل إلى أحد ممن مضى من الأنبياء عليهم السلام إلا بوجه من وجوهه، *إلا نبينا محمد وآله صلى الله عليه وآله فإنه نزل إليه بجميع وجوهه وينتقل منه بعده إلى أوصيائه واحداً بعد واحد كانتقال الصورة من مرآة إلى مرآة بالمقابلة ولا يصعد إلى السماء ما بقي منهم حجة على وجه الأرض يخدمه ويسدده وهذا حكمه مع لباسهم من الجسمية الذي هو من سنخ هذا العالم عالم الدنيا وهو عرضي لهم يخلعه كل منهم بالموت فينتقل إلى من تلبس به بوجوده في دار الدنيا حفظاً لنظامها أن ينقصم ولأهلها أن تعدم وإبقاء للتكليف والفيض الذي به يدوم من يدوم فنزولها منوط بهذا اللباس وجوداً وعدماً فبحسب شرافة ولطافة هذا اللباس يكون توجه الروح وتعلقها بوجوهه فبتوجهها من جميع الجهات برؤوسها كلها عليهم عليهم السلام ظهر أن هذا اللباس أشرف هذا العالم وألطفه وأعلاه شرفاً وقدراً لا يتناهى ولا يتضاهى فلذلك كانوا عليهم السلام يسيرون بهذا البدن جميع السماوات والأرضين، بل عوالم الأجسام كلها في طرفة عين أو أقل، كما سار رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة المعراج في ملك الدنيا والآخرة كله بجريتين من البراق، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام (عندي اسم من أسماء الله تعالى لوشئت أن أقطع به جميع السماوات والأرضين في طرفة عين لفعلت) نقلته بالمعنى، وإليه الإشارة في الجامعة قوله (وأجسادكم في الأجساد) يعني أن الأجسام والأجساد كلها دائرة على جسدهم ومحيطة به دوران الدائرة على القطب أو إحاطة الشعاع للمنير وهذا الروح المتعلق بهذا البدن تعلق إشراق الذي قدسه الله وطهره من شوائب الخلق إذ جعله مبدأه وأضافه إلى أمره من بين المخلوقات وقال (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أول شيء ذاق من ثمرة الوجود الذي هو الحدائق الباكورة إذ كان أول صادر من فعل الله، وكان مبتكراً ما ظهر فيه شيء من جهات الخلق ونسبه وإضافاته بل حقيقته الانتساب إلى الحق تعالى لا غير لأنه معاني الحق أي جماله وجلاله وكماله وبهاؤه وعظمته وقدرته وقوته يعني معاني أفعاله التي صدرت منه ليس فيه إلا ظهور الظاهر وحكاية أفعاله* فهذا الشيء مع وحدته كثيرة فمن ثم عبر (من حدائقنا الباكورة) وهي واقعة في الجنان الصاقورة وهي باطن القحف وهو أول ما يلي الدماغ الذي هو غيب الغيوب وأول ما يدور بالاستمداد منه هو باطن القحف وهو حجاب الدماغ وهو أيضاً غيب وهو عبارة عن عالم الأمر والسر الذي هو حجاب وبرزخ بين عالم الخلق وعالم الفعل الذي هو الأمر والسرمد الحقيقي وهذه الجنان والحدائق هي الملك الذي في قوله عليه السلام (واستعلى ملكك علواً سقطت الأشياء دون بلوغ أمده …إلخ)، والملك لا يكون إلا وله مالك وهو قوله عليه السلام (ونحن معانيه ونحن جنبه ونحن أمره ونحن حقه إذا شئنا شاء الله ويريد الله ما نريده) فلنقبض العنان فللحيطان آذان وتعيها أذن واعية، ألا ترى أن روح القدس المذكور في الرواية الذي يراد منه العقل الكلي فوقه أشياء من الجنان و الحدائق والضمير المتكلم مع الغير كلها من عالم الأمر أي الإطلاق المفعولي لا تعين له إلا في العقل الذي هو أول غصن من شجرة الخلد، وأول ثمرة من الحدائق الباكورة وأول خلق من الروحانيين وأول ركن من أركان العرش، وكذلك الأخبار الأخر من قولهم (أول ما خلق الله العقل) وفي رواية (الروح) وفي أخرى (النور) وفي أخرى (القلم) فإن كان يراد منها باختلاف التعبيرات شيء واحد من غير اختلاف في المعنى المراد وهو العقل الكلي كما هو الظاهر فيكون الأولية فيها حقيقية يعني أول خلق بعد الأمر العقل وإن أريد تعدد المعنى فتكون الأولية في الروح إضافية وفي غيرها حقيقية أو مختلفة، ونظيرها قوله عليه السلام (أول ما خلق الله عقلي) أو (روحي) أو نور (نبيك يا جابر) انتهى، في الاختلاف والاتحاد ومعنى الأولية، ولا شك أن المراد من كلها على كل احتمال الكليات من العقل والروح وأن فوقها شيء ليس من الخلق الذي هو المقيد بل من الأمر المطلق وهذا المطلق هو ما يراد من الضمير في قوله عقلي وروحي لأن مقام الأنائية للشيء أعلى مقاماته كلها تنسب إليه وهو لا ينسب إلى شيء منها وهو المعبر عنه بالحقيقة والذات وما سواها سبحات لها فافهم ولا تغفل.
المصباح المنير
مرجعنا الديني الراحل المولى الميرزا محمد باقر الأسكوئي قدس سره الشريف