كنت قبل أيام قد وعدت أني أنشر تحقيقا حول أمر كان قد اشتهر بين الناس، وهو أن أئمة المذاهب الأربعة كانوا تلامذة للإمام الصادق عليه السلام هل هذه حقيقة أم أكذوبة، وها أنا اليوم أفي بوعدي، وأنقل لكم هذا الحديث مع التحقيق لهذا الموضوع عن كتاب صحيفة الأبرار، للعلامة الكبير الفقيه الخبير المحدث النحرير ثقة الإسلام الميرزا محمد تقي الممقاني النير رضوان الله عليه.
عن كتاب الشيخ عيسى المصري، قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الفتاح الطهطاني، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوري، عن الشمس محمد بن عبد الرحمن العلقمي، عن الحافظ أبي الفضل السيوطي بسنده إلى الحافظ بن محمد الحارثي، قال : حدثنا قبيصة بن الفضل، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال : سمعت سعد بن الصلت يقول: (قدم أبو عبد الله عليه السلام الكوفة يعني جعفر الصادق لحاجة عرضت له فحضره أبو حنيفة وأصحابه واستأذنوها عليه فأذن لهم فدخلوا عليه وسلموا وأخذوا مجالسهم وقعد أبو حنيفة كالمستوقر معظما له فلما رأى أصحابه جلوسه على تلك الحال جلسوا كجلوسه ورأى أبو عبد الله عليه السلام أصحاب أبي حنيفة يوقرونه ويلاحظونه بالتعظيم ولا يبادرونه بالكلام فقال لهم : من هذا الذي تعظمونه .
فقالوا : هذا أبو حنيفة الذي لا يوجد مثله فقها ودينا وصيانة .
فقال لهم : قد سمعت به ولكني لم أره، يا أبا حنيفة هات ما عندك .
قال : جعلت فداك أخبرني بأي شيء فضلتم على الناس ولا تكثر علينا فننسى .
فقال له أبو عبد الله عليه السلام : لأن جميع الأمة تتمنى أنها منا ولا نتمنى أن نكون منهم .
فقال أبو حنيفة : كلام مفهوم موجز .
فقال أبو عبد الله عليه السلام : هات ما عندك أيضا .
قال له أبو حنيفة : جعلت فداك أخبرني عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم .
فقال له يا أبا حنيفة : ما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندك .
فقال له أبو حنيفة : جعلني الله فداك هو عندنا أن يرى الرجل آخر يعمل بما لا يرضاه الله فينهاه عنه ويأمره بطاعته والكف عن معصيته .
قال : ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما ذكرت .
فقال : ما هو جعلني الله فداك .
قال: المعروف يا أبا حنيفة المعروف في أهل السماء المعروف في أهل الأرض ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فسكت أبو حنيفة، فقال له يا أبا حنيفة أسكوت رضا أم سكوت إنكار .
فقال أبو حنيفة : ومن يقدر أن ينكر هذا القول جعلني الله فداك .
فقال له : هات أخرى .
فقال: أخبرني عن قول الله تعالى ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ ما النعيم الذي يسأل عنه؟ .
قال : ما هو عندك يا أبا حنفية .
قال : الأمن في السرب وصحة البدن والقوت الحاضر .
فقال : يا أبا حنيفة لئن سألك الله عن كل أكلة أكلتها وشربة شربتها ليطولن عليك ذلك .
قال : فما هو جعلني الله فداك .
قال : نحن النعيم فبنا أنقذ الله الناس من الضلالة وبصرهم من العمى.
فقال أبو حنيفة : حكمة محكمة وقول مقبول .
قال : هات أخرى .
فقال له : أخبرني جعلني الله فداك ما بال سليمان تفقد الهدهد من بين الطير .
فقال له : إن الهدهد كان يرى الماء في بطن الأرض كما يرى الدهن في القارورة .
فقال له : جعلني الله فداك من أين يرى الهدهد الماء في بطن الأرض وهو لا يرى الفخ حتى يأخذ عنقه .
قال : يا أبا حنيفة إذا نزل القدر عمي البصر .
فقال : السلام عليك فقد أكثرنا، فقام أبو حنيفة وأصحابه وخرجوا .
قال أبو عبد الله عليه السلام : أرى عنده علما ظاهرا وعندنا علم حقيقي.
شهرة لا أصل لها
يقول مصنف الكتاب عفا الله عنه قد اشتهر بين الناس أن أبا حنيفة كان من تلامذة أبي عبد الله عليه السلام ، ولم أجد له إلى الآن مأخذا صحيحا بل هذا الخبر وما في سوقه من سائر أخبار العامة والخاصة يعطي أن ذلك من الشهرات التي لا أصل لها، يظهر ذلك لمن تتبع السير والأخبار، نعم ذكر بعض العامة منهم الشيخ عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج في ذكر بعض فضائل أمير المؤمنين عليه السلام أن جل العلوم تنتهي إليه وتبتدئ منه، ثم ذكر علم الكلام وقال في وجه انتهائه إليه عليه السلام (إن كبيرهم واصل بن عطاء المعتزلي وهو تلميذ أبي هشام عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هشام تلميذ أبيه وأبوه تلميذ علي عليه السلام ) ثم قال (وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي البشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية بآخره ينتهون إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو على بن أبي طالب) ثم ذكر علم الفقه. وقال في وجه انتهائه إليه (أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي ويرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد وقرء جعفر على أبيه ومنتهى الأمر إلى علي عليه السلام ) ثم قال (وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي وقرأ ربيعة على عكرمة وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس وقرأ عبد الله بن عباس على علي عليه السلام وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي لقراءته على مالك كان ذلك لك فهؤلاء الفقهاء الأربعة وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر) إلى أن قال (ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون وقد صرح بذلك الشنبلي والجنيد وسرى وأبو يزيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام ) انتهى ما أردنا نقله من كلامه.
وهو كما ترى صريح في تلمذ أبي حنيفة على الصادق عليه السلام والذي يتلجلج في خاطري أن هذا الشيخ وإخوانه من العامه قصدوا بذكر هذا التفصيل تصحيح طريقتهم بانتهائها إلى باب مدينة العلم الذي لم يختلف أحد من أهل الإسلام في حقية طريقته لانتهائها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بغير نكير، وإنما أخرجوه في صورة إثبات الفضل لأمير المؤمنين عليه السلام ليغتر به الشيعة فيتلقوه بالقبول، فإذا نالوا من ذلك ما يريدون اعترضوا عليهم في رد مذاهب العامة وإبطالها كما اغتر بذلك بعض علمائنا عقله عن حقيقة الحال، فذكروا ما يقرب من هذا التفصيل من كتبهم وزعموا أنهم أقاموا به الحجة على العامة ولم يعرفوا أنه لو صح ذلك فالحجة للعامة عليهم لا العكس.
فنقول أما كون أمير المؤمنين عليه السلام مبدأ جميع العلوم الحقة ومنتهاها فهو مما لا يجاوزه بر ولا فاجر، وناهيك في تصديق ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله المجمع عليه بين الخاصة والعامة (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ، وأما انتهاء علوم المذكورين إليه فحاشا وكلا فإن الله ورسوله وأمير المؤمنين وعترته الطاهرين براء من طريقة هؤلاء أصولا وفروعا، وقد فرغ علماء الشيعة شكر الله مساعيهم الجميلة عن إثبات ذلك في كتبهم الموضوعة لهذا الشأن، ولم يدعوا شكا في مخالفة أصحاب هذه الطرق لله ورسوله وأوصياء رسوله لاسيما أبو حنيفة فإن فقهه كان بين قدماء العامة من أشنع المذاهب فكيف بالخاصة، وقد بلغ من سخافة آرائه في الفقه أن الأصمعي سأله يوما توضأت فقال أبو حنيفة نعم وصلأت (بالهمزة الساكنة بعد اللام) فقال الأصمعي أفسدت الفقه فلا تفسد اللغة .
وبالجملة لا فضل لأمير المؤمنين عليه السلام في انتهاء أمور باطلة إليه حتى تكون الشيعة يشكرون العامة في ذكرهم هذه الفضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام ، مع كون مرادهم في الباطن بترويج متاعهم الكاسد وتحقيق مذاهبهم الفاسدة، والشيعة تصالحهم في ذلك على أن لا ينكرونهم الأخبار الصحيحة الواردة بلسانهم وطرقهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله في فضائله عليه السلام ، ويذهبوا بهذه الفضيلة الواحدة ويسندونها إلى أئمتهم الثلاثة دون أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنهم أحق وأولى بذلك لأن تلك الطرق من كلامها وفقهها وتصوفها كلها من فروع أعمالهم ونتائج أقوالهم،
*فإن أمير المؤمنين ما كان جبريا فينسب إليه الأشاعرة ولا قدريا فينسب إليه المعتزلة ولا مجوزا للزنا بلف الخرقة *والسجود على خرء الكلب والوضوء بالنبيذ فينسب إليه أبو حنيفة، ولا مجوزا نكاح البنت من الزنا ولا الصلاة خلف الخوارج ولا عدم فساد الحج باللواط أو إتيان البهيمة فينسب إليه الشافعي، ولا مطهرا للعاب الكلب، ولا مكرها للتسمية في الصلاة، ولا قائلا بأن أكثر الحمل سبع سنين فينسب إليه مالك، ولا مجسما ولا قائلا بقدم القرآن ولا مانعا عن الصلاة على الشهيد ولا مجوزا للمسح على العمامة فينسب إليه ابن حنبل، ولا مجوزا للغناء والرقص واستعمال الدفوف والمزامير عند ذكر الله تعالى أو مجوزا للتفكه بالمردان لأنهم مظاهر الله، أو مرخصا في ارتكاب معاصي الله وترك أوامره لأنها قيود تعيق الطالب عن السلوك فينسب إليه أصحاب التصوف الملحدون، نعوذ بالله من نزعات الشياطين.
فنسبة أبي حنيفة إلى صحبة الصادق عليه السلام لعله من فلتات هؤلاء، وإنما تبعهم بعض أصحابنا من غير تبين، وإلا فالأخبار التي وردت من طرقنا في محاورات الرجل للصادق عليه السلام ومجالسته معه كثير، منها صريح في تكذيب هذه النسبة وإنه ما كان معروفا عند الصادق عليه السلام في الظاهر، وهو في ذلك الوقت مفتي بالعراق طاعن في السن ولو أغمضنا عن جميع ذلك فهو ممن عق معلمه لأنه كان يقول في فتياه بالرأي والقياس وأهل البيت عليهم السلام براء من ذلك فلا ينفعه انتسابه إليه شيئا.