[[ رواية في غاية الأهمية عن مولانا زين العابدين صلوات الله و سلامه عليه ]]
عن قُدامَة بن زائدة ، عن أبيه قال : قال علي بن الحسين عليه السلام : (( بَلَغَني يا زائدة أنَّكَ تَزورُ قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام أحياناً ؟ فَقلتُ : إنَّ ذلك لَكَمَا بَلَغَك ، فقال لي : فَلِمَا ذَا تفعَلُ ذلك و لَكَ مَكانٌ عِندَ سُلطانك الذي لا يَحتَمِلُ أحداً على مَحَبَّتِنا و تَفضيلنا و ذِكرِ فضائلنا و الواجبُ على هذه الأُمة مِن حَقِّنا ، فقلت : والله ما أُريدُ بذلك إلّا الله و رسوله و أحفِلُ بِسَخَطِ مَن سَخِط و لا يَكبُرُ في صدري مَكروهٌ يَنَالُني بِسَبَبه ، فقال : والله إنَّ ذلك لكذلك ، فقلت والله إنَّ ذلك لكذلك يقولها ثلاثاً و أقولها ثلاثاً ، فقال : أبشِر ثمَّ أبشِر فَلأُخبِرَنَّكَ بِخَبَرٍ كان عندي في النُّخَب البحر المخزون ، فأنَّهُ لَمَّا أصابَنا بالطَّفِ مَا أصَابَنَا و قُتِلَ أبي عليه السلام و قُتِلَ مَن كان معهُ مِن وُلدِهِ و إخوَتِهِ و سائِرِ أهلهِ و حُمِلت حُرَمُهُ و نِساوءُهُ على الأقتاب يُرادُ بِنَا الكوفة فَجَعَلتُ أنظرُ إليهم صَرعَى و لَم يوُارَوا فَعَظُمَ ذلك في صدري و اشتَدَّ لِمَا أرَى مِنهم قَلَقي ، فَكَادَت نفسي تَخرجُ و تَبَيَّنَت ذلك مِنّي عَمَّتي زينب الكبرى بِنتُ علي عليه السلام فقالت : مَا لي أرَاكَ تَجُودُ بِنَفسِكَ يا بَقِيَّةَ جَدّي و أبي و إخوَتي ؟ فَقُلتُ : و كيف لا أجزَعُ و أهلَعُ و قد أرى سيدي و إخوَتي و عُمومَتي و وُلدَ عمّي و أهلي مُصرَعينَ بدمائهم مُرَمَّلينَ بِالعَرَاء مُسَلَّبينَ لا يُكَفَّنون و لا يُوَارَون و لا يُعَرّجُ عليهم أحدٌ و لا يقرَبُهُم بَشَرٌ كأنَّهم أهل بيتٍ من الديلم و الخَزَر ، فقالت : لا يُجزِعَنَّكَ ما تَرَى فوالله إنَّ ذلك لَعَهدٌ مِن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى جَدِّكَ و أبيك و عَمِّك و لقد أخَذَ الله ميثاق أُناسٍ مِن هذه الأُمّة لا تَعرِفُهُم فَرَاعِنَةُ هذه الأُمَّة و هُم مَعرُوفونَ في أهل السماوات أنَّهم يَجمَعونَ هذه الأعضاء المُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارونَها و هذه الجُسُوم المُضَرَّجَةَ و يَنصِبونَ لهذا الطَّف عَلَماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يَدرُسُ أثَرُهُ و لا يَعفو رَسمه على كُرور الليالي و الأيام و لَيَجتَهِدَنَّ أئمةَ الكُفر و أشياع الضلالة في مَحوه و تطميسه فلا يزداد أثرهُ إلّا ظهوراً و أمرُهُ إلّا عُلُوّاً ، فقلت : و ما هذا العهد و ما هذا الخبر ؟ فقالت : نعم ، حَدَّثتني أم أيمن أنَّ رسول الله صلى الله عليه و آله زارَ منزل فاطمة صلوات الله عليها في يومٍ مِن الأيام فَعَمِلتُ لَهُ حريرةً و أتاهُ عليٌ عليه السلام بِطَبَقٍ فيه تمرٌ ثمَّ قالت أم أيمن فأتيتهم بِعُسٍّ فيه لبنٌ و زُبدٌ فأكلَ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عليٌ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام مِن تلك الحريرة و شَرِبَ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و شَرِبوا مِن ذلك اللبن ثُمَّ أكَلَ و أكَلوا مِن ذلك التمر و الزبد ثمَّ غَسَلَ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يده و عليٌ يَصُبُّ عليه الماء ، فلمّا فَرَغَ مِن غَسلِ يده مَسَحَ وجهَهُ ثمَّ نظر إلى علي و فاطمة و الحسن و الحسين نَظَراً عَرَفنا به السرور في وجهه ، ثمَّ رَمَقَ بطرفه نحو السماء مَلياً ثم إنّه وَجَّهَ وجههُ نحو القبلة و بَسَطَ يديه و دعا ثمَّ خَرَّ ساجداً و هو يَنشِجُ فأطالَ النُشوجَ و علا نحيبه و جرت دموعه ثمَّ رفع رأسه و أطرَقَ إلى الأرض و دموعهُ تَقطُر كأنها صَوبُ المطر ، فَحَزِنَت فاطمة و عليٌ و الحسن و الحسين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين و حَزِنتُ معهم لِمَا رأينا مِن رسول الله صلى الله عليه و آله و هِبنَاهُ أن نسألهُ حتّى إذا طال ذلك قال له عليٌ و قالت له فاطمة : ما يُبكيكَ يا رسول الله لا أبكَى الله عينيك فقد أقرَحَ قلوبَنا ما نرى مِن حالك ، فقال : يا حبيبي إني سُرِرتُ بكم سروراً ما سُرِرتُ مثله قطّ و إني لأنظرُ إليكم و أحمدُ الله على نعمتهِ عَلَيَّ فيكم إذا هبط عليَّ جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله تبارك و تعالى اطَّلَعَ على ما في نَفسك و عَرَفَ سرورك بأخيكَ و ابنتكَ و سِبطيك فأَكمَلَ لك النعمة و هَنَّأكَ العطيَّة بأن جعلهم و ذرياتهم و مُحبيهم و شيعتهم مَعَكَ في الجنة لا يُفَرِّقُ بينَك و بينهم يُحبون كما تُحب و يُعطَون كما تُعطى حتّى ترضى و فوقَ الرِضا على بلوى كثيرةٍ تَنَالُهُم في الدنيا و مَكَارِه تُصيبُهُم بأيدي أُناسٍ ينتحلون مِلَّتَك و يزعمون أنهم مِن أُمَّتك بِرَاٍ مِن الله و منك ، خَبطاً خَبطاً و قتلاً قتلاً ، شَتَّى مصارعهم نائِيَةٌ قبورُهُم خيراً من الله لهم و لك فاحمد الله عزوجل على خيرته و ارضَ بِقضائه ، فَحَمِدتُ الله و رضيتُ بِقضائه بِمَا اختارهُ لكم ثم قال لي جبرئيل : يا محمد ! إنَّ أخاكَ مُضطَهَدٌ بَعدَك مَغلوبٌ على أُمَّتِك متعوبٌ مِن أعدائك ثمَّ مقتولٌ بعدك يَقتلهُ أشَرُّ الخلق و الخليقة و أشقى البرية يكونُ نظير عاقِر الناقة ببلدٍ تكونُ إليه هِجرَتُهُ و هو مَغرِسُ شيعتهِ و شيعة وُلدِهِ و فيه على كل حالٍ يَكثُرُ بَلواهُم و يَعظُمُ مُصَابُهُم و إنَّ سِبطَكَ هذا و أومأ بيده إلى الحسين عليه السلام مقتولٌ في عصابةٍ مِن ذريّتك و أهل بيتك و أخيارٍ مِن أُمَّتِكَ بِضِفَّة الفرات بأرضٍ يُقالُ لها كربلاء مِن أجلها يكثُرُ الكرب و البلاء على أعدائك و أعداء ذُريَّتك في اليوم الذي لا يَنقَضي كَربُهُ و لا تَفنى حَسرَتُهُ و هي أطيَبُ بِقاعِ الأرض و أعظمها حُرمةً يُقتَلُ فيها سِبطُك و أهلهُ و أنها مِن بَطحاء الجنة فإذا كانَ ذلك اليوم الذي يُقتَل فيه سبطك و أهلهُ و أحاطَت به كَتائِبُ أهل الكفر و اللعنة تَزعزَعَت الأرض مِن أقطارها و مادَت الجبالُ و كَثُرَ اضطِرابُها و اصطَفَقَت البحارُ بِأمواجِها و ماجَت السماوات بأهلها غَضَباً لَكَ يا محمد و لذريتك و استِعظاماً لِمَا يَنتَهِكُ مِن حُرمَتِك و لِشَرِّ ما تُكافى به في ذريتك و عترتك و لا يبقى شيءٌ مِن ذلك إلّا استأذنَ الله عزوجل في نُصرةِ أهلك المُستَضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك ، فَيوحي الله إلى السماوات و الأرض و الجبال و البحار و مَن فيهِنَّ إنّي أنا الله الملك القادر الذي لا يَفوتهُ هاربٌ و لا يُعجِزُهُ مُمتَنِعٌ و أنا أقدَرُ فيه على الانتصار و الإنتقام و عزَّتي و جلالي لأُعَذّبنَّ مَن وَتَرَ رسولي و صفيي و انتهكَ حُرمتهُ و قتل عترته و نَبَذَ عهدهُ و ظَلَمَ أهلَ بيتهِ عَذاباً لا أُعَذبهُ أحداً من العالمين ، فعند ذلك يَضِجُّ كُلُّ شَيءٍ في السماوات و الأرضين بِلعنِ مَن ظَلَمَ عترتك و استَحَلَّ حُرمَتَكَ ، فإذا بَرَزَت تلك العِصابةُ إلى مَضَاجِعِها تَوَلَّى الله عزوجل قَبضَ أرواحِها بيده و هَبطَ إلى الأرض ملائكةٌ من السماء السابعة مَعَهُم آنيةٌ مِن الياقوت و الذُّمُرُّد مَملوءَةٌ مِن ماء الحياة و حُلَلٌ مِن حُلَل الجنة و طيبٌ من طيب الجنة فَغَسَّلوا جُثَثَهُم بذلك الماء و ألبَسوها الحُلَل و حَنَّطوها بذلك الطيب و صلَّت الملائكة صفاً صفاً عليهم ثُمَّ يَبعثُ الله قَوماً مِن أُمَّتِك لا يَعرِفُهُم الكُفَّار لَم يَشركُوا في تِلكَ الدماء بقولٍ و لا فِعلٍ و لا نِيَّةٍ فَيُوارونَ أجسامَهُم و يُقيمون رَسماً لِقَبرِ سيد الشهداء بِتلك البطحاء يكون عَلَماً لأهل الحق و سبباً للمؤمنين إلى الفوز و تَحُفُّهُ ملائكةٌ من كل سماءٍ مائة ألف ملكٍ في كل يومٍ و ليلة و يُصَلُّونَ عليه و يَطوفونَ عليه و يُسَلِّمونَ الله عنده و يستغفرون الله لِمَن زارهُ و يكتبونَ أسماءَ مَن يأتيه زائراً مِن أُمَّتِك مُتقَرباً إلى الله تعالى و إليك بذلك و أسماء آبائِهِم و عشائرهم و بُلدانهم و يُوسِمُونَ في وجوهِهِم بِميسَمِ نور عرش الله هذا زائرُ قبر خير الشهداء و ابن خير الأنبياء فإذا كان يوم القيامة سَطَعَ في وجوههم مِن أثر ذلك الميسم نورٌ تُغشَى مِنهُ الأبصار يَدُلُّ عليهم و يُعرَفونَ به و كأني بِكَ يا محمد بيني و بين ميكائيل و عليٌ أمَامَنا و مَعَنا مِن ملائِكة الله ما لا يُحصى عَدَدَهُم و نَحنُ نلتَقِطُ مِن ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتّى يُنجيهُمُ الله مِن هَولِ ذلك اليوم و شدائِدِهِ و ذلك حُكمُ الله و عَطاوءُهُ لِمَن زارَ قبرك يا محمد او قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يُريدُ به غير الله عزوجل و سَيَجتَهِدُ أُناسٌ مِمَّن حَقَّت عليهم اللعنة من الله و السخط أن يَعفوا رَسمَ ذلك القبر و يمحوا أثره فَلا يجعل الله تبارك و تعالى لهم إلى ذلك سبيلاً ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه و آله : فهذا أبكاني و أحزنني ، قالت زينب فَلَمَّا ضَرَبَ ابنُ ملجم لعنه الله و رأيتُ عليه أثرَ الموت منه ، قلت له يا أبتِ حدثتني أم أيمن بكذا و كذا و قد أحبَبتُ أن أسمَعَهُ منك ، فقال : يا بُنيَّة الحديث كما حَدَّثَتكِ أم أيمن و كأني بِكِ و بِنِساء أهلِكِ سبايا بهذا البلد أذِلّاء خاشعين تَخافونَ أن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس فَصَبراً صبراً فوالذي فلق الحبة و برأ النَسَمة ما لله على ظهر الأرض يومئذٍ وليٌ غيركم و غير مُحِبيكم و شيعتكم و لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه و آله حين أخبرنا بهذا الخبر : إن إبليس لعنهُ الله في ذلك ذلك اليوم يطيرُ فَرَحاً فيَجول الأرض كلّها بشياطينهِ و عَفارِيتهِ فيقول يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذُرية آدم الطَلِبَة و بَلغنا في هَلاكهم الغاية و أورثناهم النار إلّا مَن اعتصَمَ بهذه العِصابة فَاجعَلوا شُغلَكُم بُتشكيك الناس فيهم و حملِهِم على عداوتهم و إغرائِهِم بهم و أوليائِهم حتّى تَستَحكموا ضلالةَ الخلق و كُفرهم و لا ينجو منهم ناج ، و لقد صدَّقَ عليهم إبليس و هو كذوبٌ أنّهُ لا ينفَعُ مَعَ عداوتكم عَمَلٌ صالح و لا يَضُرُّ مع محبتكم و مُوالاتكم ذَنبٌ غيرُ الكبائر ، قال زائدة ، ثم قال لي علي بن الحسين عليه السلام بعد أن حدَّثني بهذا الحديث : خُذهُ إليك ما لو ضربتَ في طَلَبهِ إباطَ الإبل حَولاً لكان قليلاً )) .