حول شعرية الشيخ الأحسائي سعيد محمد القريشي * – 9 / 9 / 2008م – 4:40 م – مجلة الواحة – العدد (41)

حول شعرية الشيخ الأحسائي
سعيد محمد القريشي * – 9 / 9 / 2008م – 4:40 م – مجلة الواحة – العدد (41)

إذا كان الشعر ديوان العرب، كمجموع عقلي اجتماعي يعبر عن شفافية نفوسهم وشكل اجتماعهم. فهو أولى هنا لسبر العقل الباطن للفيلسوف الشاعر، أو الشاعر الفيلسوف، الشيخ أحمد الأحسائي.

لا أدري، أأتحدث عن شاعر يتزهَّد، أم زاهد يتشعر، فالأحسائي لم يكن صوفياً بالفعل، ولا بالشهرة، أو بالشعر.

لعلّ شعره يُبعد التصوف، فهو لم يصلب نفسه في سطور شعره على لوح العشق، ولم يمت من شدة الصعق في سطور شعره.

ربما صعق بين يدي الله على سجادته، أو ارتجفت فرائصه، أو أغمي عليه، فأصحته يدٌ حانية من مكان يدرك أنه فيه راحته، ولكن بالقطع ليست هذه اللمسة من يدي صوفي شاطره الدرب، أو شيخ طريقة علّمه المحجّة.

ربما الشعر في حياته لم يكن الطاغي، والحاسم، والأوحد، ولكنه كان الحبيب على قلبه، الأقرب لكيانه. يمتلئ شعراً عندما يمتلئ حزناً، ويمتلئ عاطفة عندما يمتلئ شعراً.

تثير الراعبية فيه أسى الحياة ورتابة الوجود، ولكنه لا يترك حنين الراعبية يمر كأنه لم يكن، بل يحرك شيئاً غريباً داخله أشبه ما يكون إنه قد عقد معه صداقة قديمة في مكان لا يتذكره، أو يتذكره ولكن ما أحلى أن ينساه..لكي يلتذَّ بمداعباته المشاكسة بين الفينة والأخرى.

وربما البيت الذي طغت فيه عاطفته المرهفة، البيت الذي عرضه خجلاً على أستاذه العظيم، وهو كله سروراً وقناعة برضا أستاذه عن توجهه الشعري، فبدأ يتلو غزليته:

ألا أنظرن يا خليلي بين أحوالي

في أيها هو أحلى لي وأحوى لي(1)

نظر التلميذ لأستاذه ينتظر تأثير الأبيات فيه، لكن الأستاذ لم يتكلم.

التلميذ: ها، ما رأيك في القصيدة؟

ابتسم الأستاذ وهو ينظر لتلميذه:

عظيمة ولكن هي ضائعة، أي ما دامت في الغزل، فهي كالسراب، لا تروي يا أحمد، فهم التلميذ أن أستاذه يمنعه من كتابة الشعر الغزلي.

ولكن هذا الجنون الشعري أين يصبه شاعرنا الفيلسوف، أو الفيلسوف الشاعر. لقد أفرغ حممه الفلسفية التي تتفجر في حناياه على مئات من الورق البردي، وبكل حرية تامة دون مشرط. لكن عندما يأتي دور الشعر، دور ذلك الغول القابع في الأعماق، نجد آلافاً من الحرس، آلافاً من المشارط والحواجز.

نعم خضع فيلسوفنا الشاعر لعقيدته وصلاحه الإيماني، فهو يرفض مخالفة مولاه في سبيل الشعر، الذي هو كالوهم، كالسراب للعطشان. فينحو جانباً عن طريق الغزل.

لكن الأستاذ يثلج خاطر تلميذه، ويقول مبتسماً: لن أمنعك من جنون الشعر وإدمان الشعر. ويبتسم التلميذ مجدداً، ها ماذا؟ قال الأستاذ:

أكتب في أخي الحسين، فينا أهل البيت D، لما يصدق التلميذ أستاذه وهو ينظر إليه مبتسماً بهذا الإذن. لينطلق وينظم في حياته أكثر من (1150) بيتاً في حبهم ورثائهم عليهم السلام. يقول الأحسائي في ذلك من قصيدة طويلة:

وأنشدتُ فيكم ما يُبردُ حُرقتي

فما أنشدُ الأشعارَ إلاّ تداويا

ولكنّها والله تُجري محاجري

تصعّدُ تزفاري وتُصلي حشائيا

وإني بحمد الله أحمدُ فيكمُ

نظامي وزينُ الدين ينعاكَ راثيا(2)

ولكن أنا الكاتب تراودني المقولة: (إذا دخل الشعر سبل الخير لان). فهل يا ترى، أنا أدرس شعراً ليناً من شعر الشيخ الأحسائي، أم لا، أم إنه لينٌ لأنه فقط يتناول حبّ أهل البيت ورثاءهم (عليهم السلام)؟

ولماذا هذه المقولة؟

هل هي قاعدة مسلمة في الشعر؟

أم فقط، لأن شعر الحق والقيم لا يدغدغ المشاعر والغرائز كشعر امرئ القيس ونزار قباني.

لماذا يفشل شعر، كشعر السياب إذا استفتي عليه بين الشباب؟

فهل سيفشل شعر الشيخ الأحسائي بين المتلقين الشباب ؟ لأنه حب ورثاء.

ربما، ولكن إذا فهم، لا أعتقد أنه سيفشل فشلا ذريعاً ؟ لابد أنه سيجد عاشقين يتذوقون التحليق الشعري فيه.

وإذا نجح عند المتلقين الشباب. هل سينجح عند النقاد والكهول والشيوخ؟

ربما، نعم، وربما، لا.

لسيطرة نوع من المذاق الشعري على الكثير من النقاد.

ربما وقد لا أبالغ قليلا ً في حكمي هذا على شعرية الأحسائي إذا قلت: إن شعر الأحسائي لا يخضع (لقانون الاستجابة البدائي) استجابة أولية تقوم على المنبهات الحسية كالغرائز الجنسية والشم والبصر واللمس.

بناءً على هذا القانون فسر النقاد انتشار شعرية نزار بين المراهقين والطلبة والنساء وفشله عند الشيوخ والمثقفين.

التطابق بين شعره وفلسفته:

لكن المهم هنا أن شعره مطابقٌ لتوجهه الفلسفي، فمن يقرأ شعره يستلهم فوراً توجهه الفلسفي والمذهبي، ومن ناحية أخرى كان شعره النافذة الأوسع والأرحب لقلمه، فما عجز عن التصريح به في نثره فاضت به قريحته في قوالب شعره رؤية تنم عن فلسفته، فمن يقرأ شعره يقرأ كتبه مختزلةً في هذا البوح الشعري. يقول في ذلك من قصيدته الرائية:

كتمتُ باطنكم في حُسن ظاهركم

فجاءني في احترازي عينُ محذُوري

فكان ظاهركم يبدي لباطنكم

هَدَى بكَ اللهُ يا نورا على نور ِ

الغيم ناشٍ وضوءُ الشمس منتشرٌ

فما إفادةُ منظومي ومنثوري(3)

أي في نصه الشعري ونصه الحكمي في إظهار مقاماتهم العالية.

صدق الفكرة والعاطفة:

ومن ناحية أخرى، ربما أن الأحسائي ناقد قبل أن يكون شاعراً، ولغوي بارع قبل أن يكون ناقداً، وفيلسوف قبل أن يكون ناقداً، سهلّ عليه كل ذلك في خلق مقدار شحنته العاطفية وشكلها، وهل هي آنية، أم دائمة، جامدة، أم متجددة، صادقة، أم كاذبة، خيال شاعر، أم عقيدة حكيم إلهي يبرهن على صدق الفكرة، كما يبرهن على عاطفته، ويبرهن على صدق عاطفته وشكلها وحجمها وزمنها، كما يبرهن قضية فلسفية بالأرقام الرياضية، وليس هذا تصنعاً في القوالب الشعرية، أو العاطفة، بل يعني عاطفة اختزلها الوجدان بالدليل والبرهان، فصارت مستقراً، وليست مستودعاً للحظة آنية، أو إعارة لغرض، يحكمها العقد المسبق، أو تحكمها نزوة فردية، فهو الشاعر الذي مكنته أدواته كلها في رسم عاطفته، من هنا، أو بهذه الصياغة نكون قد رسمنا إحدى إبداعاته.

الصورة في شعره:

من هنا ننقل حديثنا إلى الصورة في شعره، تلك الصورة التي لم تخضع للتشكيل المكاني الطبيعي، أو حتى التشكيل الاجتماعي المغلوط، بل الصورة تتناسق مع التشكيل النفسي والعقائدي عند شاعرنا. فهناك توازن دائم بين تشكيله النفسي وتشكيله العقائدي، فالصورة عنده لا تخضع للمكان ولا للزمان، بل صورة تتناسق مع كل فترة زمنية، أو منطقة جغرافية. والتشكيل النفسي عنده خاضع للتشكيل العقائدي الذي صاغه بنفسه من خلال برهانه، والتشكيل المكاني والزماني خاضعان للتشكيل العقائدي..لأن التشكيل العقائدي يلون التشكيل المكاني والزماني بألوانه المختلفة، ويتماها معهما أحياناً.يقول في ذلك:

بني الوحي بلواكم تزينُ مقامكم

وتُسعدُ مولاكم وتُشقي المناويا

أما والذي منكم عليّ ومنكم

عليّ وما أصفيتكم من وداديا

وما بيننا ما مرّ ذكرُ بلائكم

على خَلدي إلاّ وهيجَ ما بيا

وقسمّ أفكاري وكدر عيشتي

وأسعر أحشائي وبل الأماقيا(4)

ويقول أيضاً في ذلك:

إلى وجهكم وجهت وجهي وخاطري

يدور عليكم ما توجه في قصدي

ويهوى فؤادي في الجهات إليكم

من لم يجدكم لا يقرُّ على حدِّي

عليكم صلاة الله ما انبعثت بكم

لبانات كل الخلق في القصر والمدِّ(5)

المهم أن هذا الموقف لا يشكل تعارضاً مع النظرية التي تجعل من الفن نوعاً من الجهد الذي يبذله الإنسان في قصد التكامل بين نفسه وبين الأشكال في العالم الطبيعي والاجتماعي، فالتكامل لا يكون خضوعاً تاماً للعالم المحيط، ففي هذا تضحية بالإنسان ومبدأه، بل يكون التكامل مشرفاً للإنسان إذا استخدم الطبيعة والزمان والمجتمع في التعبير عن ذاته ومبدأه.

إذن، هذا هو التكامل الحقيقي الذي تقوم عليه فلسفة الصورة في الشعر. فعالم الشعر، عالم أفكار لا قيمة لها إذا لم ترتبط بمبدأ الإنسان الذي يعتقد صحته. وهو ما فعله شاعرنا بوصية من أستاذه.

الرمز في شعره:

ومن الصورة ننتقل إلى الرمز في شعر الأحسائي، و الأحسائي كشاعر، وقبل ذلك فيلسوف لم يبتعد عن استخدام الرمز في شعره، ولكن هل رموزه الشعرية دينية، أم صوفية، أم شبيهة برموزنا في مدرسة الشعر المعاصرة؟

الحقيقة ومن خلال كتاباته في خصوص بعض أبياته عندما سألوه عنها، نعلم أن رموزه دينية فلسفية، أو لغوية. فهو إما يفسرها من خلال الدين، أو اللغة، فرموزه يمكن أن تفك من خلال الصورة الكلية لفلسفته.يقول الأحسائي عندما سألوه عن رمز النخلة الواردة في بيته التالي:

أما ترى النخلةَ في قبةٍ

ذات انفطارٍ وانفراج ٍ فشا

يقول: >مرادي أن النخلة والشجر وغيرهما مقتضى الصنع المحكم، واستقامة الإيجاد بمقتضى استقامة طبيعة المصنوع، أن تكون على هيئة التساوي والاستدارة الصحيحة، لأن الاستدارة الصحيحة أكمل الأشياء لتساوي الخطوط المخرجة من قطبها إلى محلها، فكانت النخلة لها سعف مستدير على رأسها قبة، وكان مقتضى الصنع كذلك، وإذا اختلفت طبيعة المصنوع جرى الصنع والإيجاد على حسب اختلافها.

والنخلة أكمل الأشجار وأقربها من الحيوانات، ولهذا تستأنس وتستوحش، وتخاف وتعشق، وغير ذلك من صفات الحيوانات. ولأجل ذلك أمر الشارع (صلى الله عليه وآله وسلم) بوضع جريدتين من النخل مع الميت تؤنسانه ويستأنس بهما، ويرتفع بهما عنه عذاب الوحشة ما دامتا خضراوتين، لأن رطوبتهما النباتية، فيأنس بهما.

ولأنها، أي النخلة، إنما سميت نخلة لأنها من فاضل نخالة طينة آدم (عليه السلام). قال (صلى الله عليه وآله وسلم): >أكرموا عماتكم النخل<. يعني أنهاأخت أبينا، لأنها خلقت من فضل طينته، فكانت النخلة أكمل الأشجار وأقربها من الحيوانات في الرتبة، فيلزم من ذلك استقامة طبيعتها وخلقتها، فيكون السعف المحيط برأسها متساويا يحصل من تساويه، أن يكون عليها قبة صحيحة الاستدارة. وقد قال بعض الشعراء في وصف النخل وحسن خلقته وحسن طلعه وثمرته، قال:

كأن النخيل الباسقات وقد بدت

لناظرها يوما قباب زبرجدِ

يعني أنها زبرجد أخضر.

هذا ينبغي أن تكون كذا، لأجل استقامة قابليتها، لكنها الآن نراها قبة غير معتدلة الاستدارة، بل فيها انفطار، أي انشقاق وانفراج، أي، فرجة. فهي غير صحيحة الاستدارة. والسبب في ذلك الاختلاف الذي جرى عليها وأصابها… حتى كانت القبة التي على رأسها من سعفها منفطرة منفرجة، هو ما وصل إليها من مصائب سبط الرسول، وفرخ البتول صلى الله عليهم وآلهم الطيبين<(6).

إذن الرموز المستخدمة في شعره ضاربة العمق في بنيته الفلسفية وتجربته الوجدانية العرفانية، وهو وإن كان رمزه رمزاً دينياً، ولكنه يلقي عليه تجربته الشعرية، فلذلك يستعصي على الناقد أحياناً فك بعض رموزه الشعرية ما لم يكن لديه إلماماً كلياً بفلسفته.

ومن ناحية أخرى أقول: أن رموزه لا تمت إلى الأسطورة مطلقاً.. لأنها قائمة على فلسفته المستوحاة من القرآن وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، وليست أفكاراً من خيال فيلسوف.

منهج الالتزام في شعره:

وأخيراً أقول أن شعر الأحسائي قائم على منهج الالتزام بفكر أهل البيت عليهم السلام، يقول الأحسائي في قصيدته الدالية:

وبعتكم نفسي وما ارتبطت بهِ

بلقياكمُ يوما فهذا لكم عندي

وأنتم بما تهوون أولى ومنيتي

هواكم وما ترضونه منتهى جدي

فإن كان ما في باطني طبق ظاهري

وذلك في تبليغ مرضاتكم يُجدي(7)

ويقول في موطن آخر من نفس القصيدة:

إلى وجهكم وجهت وجهي وخاطري

يدور عليكم ما توجه في قصدي

ويهوى فؤادي في الجهات إليكم

من لم يجدكم لا يقرُّ على حدِّي

وهذا آخر ما أردت تسجيله في هذه الدراسة.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة