.
حديثي سيكونُ عن روح المنهج اليماني، عن روح الحكمةِ اليمانيَّة بخصوصِ مسألةِ التعلُّمِ والتفقُّه ومسألة التقليد.
في (غيبة النُّعماني)… إمامنا الباقرُ يُحدِّثُنا عن السُّفياني واليَماني والخراساني ويقول: (وَلَيْسَ فِي الرَّايَاتِ رَايَةٌ أَهْدَى مِن رَايَة اليَمَانِي هِي رَايَةُ هُدَىً لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى صَاحِبِكُم )، هذا التعبير؛ “يَدْعُو إِلَى صَاحِبِكُم”، إنَّهُ يربطُ الشيعةَ بإمامِ زماننا وليسَ بشخصهِ، وهذا الكلامُ يتناولُ العقيدةَ الكاملة، ويتناولُ الدينَ بِكُلِّ أصولهِ وفروعهِ، ويتناولُ البرنامجَ السياسيَّ أيضاً، فهذا داعيةٌ لصاحب الأمرِ على المستوى العقائدي والفكري، وعلى المستوى الفقهي والفتوائي، وعلى المستوى السياسي والاجتماعي، فلابُدَّ أن تكونَ سِعةُ الدعوةِ بسعةِ صاحبنا، وسِعةُ صاحبنا لا حدودَ لها فلابُدَّ أن تُحشَدَ كُلُّ العناوينِ في هذهِ الدعوة، إنَّها دعوةٌ لإمامِتهِ فقط، إنَّها دعوةٌ لأخذِ العقيدةِ منهُ فقط، هذا هو اليمانيُّ، فهو لا يدعو إلى تقليدِ (س) أو (ص) مِن رجال الدين الحمير.
إلى أن يقول إمامنا الباقرُ صلواتُ اللَّهِ عليه: وَإِذَا خَرَجَ اليَمَانِيُّ فَانْهَض إِلَيه – هذا أمر، إنْ كُنتَ نائماً فاستيقظ، وإنْ كُنت جالساً فَقُم، وإنْ كُنتَ قائماً فتحرَّك، وإنْ كُنتَ مشغولاً فاترك ما أنتَ مشغولٌ به – فَإِنَّ رَايَتهُ رَايَةُ هُدَىً، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَلْتَويَ عَلَيه، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُو مِنْ أَهْلِ النَّار – لِماذا؟ – لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الحَقّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم – يدعو إلى الحقّ وإلى طريقٍ مُستقيم، ليسَ هُناكَ مِن تقليدٍ لمرجعٍ هو لا يعرفُ تكليفهُ الخاصَّ به، لا يستطيعُ أحدٌ أن يَصِف الرَّسائل العمليَّة لمراجع النَّجفِ وكربلاء مِن أنَّها حقّ ومِن أنَّها طريقٌ مستقيم، هُم أنفُسهم لا يستطيعون ذلك، ولذا في أوَّل كُلِّ رسالةٍ يقولون: (مِن أنَّ العمل بهذهِ الرِّسالةِ مُجزي ومبرئ للذمة)، مُجزي ومبرئ للذمة لا يعني أنَّهُ حقّ، ولا يعني أنَّهُ طريقٌ مُستقيم، وإنَّما هذا هو المتوفِّرُ بين أيدينا، يُجزي يعطيكم عُذراً فيما لو ثبت أنَّكُم لستم على الطريق المستقيم، فمنهجُ اليماني لا علاقةَ لهُ بمنهجِ رجال الدين الحمير الَّذينَ منهجهُم أبعدُ ما يكون عن الطريقِ المستقيم.
• لِماذا رايةُ اليماني الرَّايَةُ الأهدى؟ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الحَقّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم.
الخُراسانيُّ ليسَ كذلك، السُّفيانيُّ رايتهُ رايةُ ضلالٍ واضحة، اليمانيُّ هو الَّذي يملكُ الرايةَ الأهدى، وهذا العنوانُ قطعاً لا ينطبقَ على منهجِ حوزة الطوسي في أحسنِ أحوالها، ولا ينطبقُ على الرَّسائل العمليَّةِ الَّتي يشهدُ أصحابُها بأنَّها ليست كذلك..
لذا أقولُ لكم؛ هم لا يعرفونَ تكليفهم الشخصي، قد يُشخِّصونَ للنَّاسِ بشكلٍ واضحٍ تكليفَ النَّاس، وإنَّما يفعلونَ هذا لأنَّهم يخافونَ مِن اعتراض الناس إذا كُنتم لستم قادرينَ على تشخيص التكليف لنا فلماذا أنتم تدّعونَ المرجعيّة وتدّعونَ النيابةَ عن صاحب الزمان؟!
المنهجُ اليمانيُّ الَّذي أحاولُ أن أتشبَّهَ بهِ أن أكونَ قريباً منه هو هذا: (يَدْعُو إِلَى الحَقّ وَإِلَى طَريقٍ مُستَقِيم) ، فحينئذٍ لا معنى للتقليد، إذا وصلنا إلى الحقّ وإلى طريقٍ مُستقيم سيكونُ التقليدُ للمعصومِ فقط، وليسَ لغيرهِ، وإنَّما أجازَ المعصومُ التقليدَ لعوامّ الشيعةِ حينما لا يكونونَ قادرينَ أن يصلوا إلى الحقّ وإلى الطريق المستقيم، فإذا كانَ اليمانيُّ تَمسَّكَ بالحقِّ وبالطريق المستقيم فلا معنى لتقليدهِ حينئذٍ ولا لتقليدِ غيرهِ، إذا صارَ الحقُّ واضحاً وصارَ الطريقُ المستقيمُ بَيِّناً، إذاً ما معنى التقليد؟ إذاً وظيفة اليماني أن يُعلِّم.
ما جاءَ في التوقيع الشريف في توقيعِ إسحاق بن يعقوب، في (كمال الدين وتمام النعمة):
(وَأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رِوَاةِ حَدِيثِنَا – الرجوع ما هو بتقليد، الرجوع أعم، قد يكونُ تَعلُّماً وتَفقُّهاً وقد يكونُ تقليداً للَّذي لا يكونُ قادراً على التعلُّمِ والتفقُّه، كلمةُ (التقليدِ) لم تَرِد إلَّا في روايةٍ واحدة، في الرواية الَّتي جاءت في تفسيرِ إمامنا الحسن العسكري صلواتُ اللَّهِ وسلامهُ عليه عن إمامنا الصَّادق: (فَلِلْعَوامِّ أنْ يُقَلِّدوه) فقط وردت كلمةُ (التقليدِ)، أتحدَّثُ عن تقليدِ فقهاء الشيعة، وردت في هذهِ الروايةِ فقط ولا يوجدُ ذكرٌ لكلمةِ (التقليدِ) بهذا المعنى في أيَّةِ روايةٍ أخرى في كُلِّ الآيات القُرآنيّة، وفي كُلِّ الأحاديث المعصوميّة – وَأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رِوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُم حُجَّتِي عَلَيكُم وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيهِم) ، “حُجَّةٌ”؛ يعني عُلماءَ بالحقِّ وبالطريقِ المستقيم، لا كما يفعلُ مراجعُ النَّجف وكربلاء في الرَّسائل العمليَّةِ الَّتي هُم ليسوا مُتأكِّدينَ مِن صحَّتها، لا يكونونَ هؤلاء حُجَّةً لصاحب الزمان، حُجَّةُ صاحب الزمان لابُدَّ أن يكونَ عالِماً بالحقيقةِ وبالحقِّ والطريق المستقيم، فحينما يُرجَعُ إليهِ يُؤخذُ العِلْمُ منه، لكنَّ العاجزينَ عن التعلُّمِ يمكن أن نَصِفَ تَصرُّفهم ومَوقِفهم بأنَّهم يُقلِّدونهُ، أمَّا القادرونَ على التعلُّمِ مِنه فلا مجالَ للتقليدِ هُنا، لأنَّ التقليدَ وهو التسليم لا يكونُ إلَّا للمعصومِ فقط صلواتُ اللَّهِ وسلامهُ عليه، ووظيفةُ الفقيه الشيعي أن يُفقِّهَ الشيعة، أن يُعلِّمهم، أمَّا هذهِ المنظومةُ الكهنوتيَّةُ في حوزة النَّجفِ وكربلاء فهذهِ أُلعوبةٌ شيطانيَّة، هذهِ أضحوكةٌ إبليسيَّة.
في الآيةِ التاسعةِ والعشرين بعدَ البسملة من سورة الزمر: ﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً – ما هو هذا الْمَثَل؟ أئِمَّتُنا أمرونا أن نَدرُسَ أمثالَ القُرآن لأنَّها جُزءٌ من علومهِ ومعارفه – رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، الآيةُ ضربت مثلاً، هذا الـمَثلُ يرتبطُ بزمانِ نزول الآية حيثُ كانَ العبيدُ يُشترَونَ مِن سوق النخاسة في كُلِّ العالمِ، فَهُناك عبدٌ يملكهُ مالكٌ واحد، وهُناكَ عبدٌ اشتركَ في ملكيَّتهِ مجموعةٌ من المالكين، وهؤلاءِ المالكونَ مُتخاصِمونَ فيما بينهم، فهذا المالِكُ يقولُ للعبدِ بِحُكمِ أنَّهُ يمتلكُ جزءاً منه أن اذهب إلى جهة الشرق، وهُناكَ مَالِكٌ آخر يقولُ لهذا العبدِ مُشاكسةً ومُخاصمةً مع المالكِ الَّذي طلبَ منهُ أن يذهبَ إلى الشرق يقولُ للعبد اذهب إلى الغرب، وثالثٌ يقول لهُ اذهب إلى يمينكَ، إلى يساركَ، إلى الشمالِ، إلى الجنوبِ، كُلُّ مالكٍ يُوجِّههِ إلى جهةٍ تختلفُ عن الجهة الأخرى الَّتي يُوجَّهُ إليها العبد مِن قِبَلِ مالكٍ آخر، هل يستطيعُ العبد أن يتحرَّك أو أن يفعل شيئاً؟ لا يستطيع! وهُناك عبدٌ يملكهُ شخصٌ واحد وليسَ عندهُ مِن مشكلةٍ مع هذا العبد، فحينما يأمرهُ بشيءٍ فإنَّ العبدَ سيأتمرُ بأمرِ ذلكَ المالك فهو أمرٌ واحدٌ مُشخَّص، هذا هو الَّذي أُحدِّثكم دائماً عنه من أنَّ الشيعة تضطربُ أولويّاتُهم، الـمُخلِصونَ لإمامِ زمانهم عندهم أولويّةٌ واحدة هي إمامُ زمانهم، ولذا لا تتشاكسُ الأولويّاتُ في دواخلهم، عِندهم نِيَّةٌ واحدة خدمةُ إمامِ زمانهم، عندهم هدفٌ واحد القُربة والتقرُّبُ إلى إمامِ زمانهم، وآخرونَ الأولويّات تَصطرعُ في دواخلهم، فارقٌ كبير بينَ هؤلاء وهؤلاء.
في الجزء الثاني من (تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة)/ طبعةُ مؤسَّسة الإمام المهديّ/ قم المقدَّسة/ تأويل الآيات للمُحدِّث شرف الدين الاسترابادي النَّجفي، من أعلام القرن العاشر الهجري/ صفحة 515/ الحديثُ الثاني عشر: بِسَندهِ، عَن أَبِي خَالِدٍ الكَابُلي، عَن إِمَامِنا البَاقِرِ صَلواتُ اللَّهِ وسَلامهُ عَلَيه، سَأَلتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: “وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ”؟ قَالَ: الرَّجُلُ السَّالِمُ لِرَجُلٍ عَلِيٌّ وَشِيعَتُهُ – أميرُ المؤمنين هو الَّذي كانَ يقول: (أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السَّالِمُ لِرَسُولِ اللّه) ، كما يقولُ هو: (جَلَسْتُ عَلَى بَابِ قَلْبِي – أصبحتُ بَوَّابَاً لِقلبي – جَلستُ عَلى بَابِ قَلبِي وَمَا أَذِنتُ لِأَحدٍ أَنْ يَدخُلَ فِيه إِلَّا اللّه) ، إنَّهُ الرَّجُل السَّالِمُ لرسول اللّه وشيعتهُ المخلِصونَ لهُ السَّالِمونَ لَهُ، السَّالِمونَ لعليٍّ وآلِ عليّ، اليمانيُّ يدعو الشيعةَ أن يكونوا كذلك لا أن يتشاكسَ رجالُ الدين الحمير في قلوبهم، في قلبِ الشيعي على المنهج اليماني هُناكَ شخصٌ واحد هو الحُجَّةُ بنُ الحسن، ولذا فإنَّ اليمانيَّ يدعو إلى صاحبكم ولا يدعو إلى غيرهِ، هذهِ هي الدعوةُ اليمانيَّةُ الخالصة، وهذهِ هي الحكمةُ اليمانيَّةُ البهيَّة.
.
من برنامج نشرة اخبار القمر – الحلقة ( 9 )
المنهج الزهرائي اليماني بين التعليم والتقليد
#قناة_القمر_الفضائية #الشيخ_الغزي