سلسلة وعي الذات البشرية عند الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (3)
(مقارنة فلسفية بين حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي والفلسفات الغربية)
الشيخ سعيد محمد القريشي
جدوى معرفة الإنسان لذاته عند الشيخ احمد بن زين الدين الأحسائي
يعتبر الشيخ الأحسائي الذات الإنسانية ليست “أنا” منفصلة عن المركب الكلي للإنسان، نعم يمكن اعتبارها حاسة طريقية لمعرفة الله بمفردها حين تجردها عن الارتباط بألبستها التي تقتضيها تتنزلها في العوالم، من ناحية هي آية لله وانعكاس لمعرفته سبحانه كما ورد عن الإمام علي عليه السلام: “من عرف نفسه عرف ربه”.[ غرر الحكم: ص 7946]. فهي من جهة آية من آيات الله كما تحدث سبحانه: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. فالإنسان ينطلق من هذه الآية ليكون طريقاً لله سبحانه من خلال نفسه، ومن جهة أخرى هي حاسة باطنية مهمة لتكوين المعرفة التوحيدية الربانية وحامل للحكمة الإلهية، تحمل في جوهرها علامات المعرفة والسيادة والتوحيد بلا إشارة كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): “العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية”[مصباح الشريعة: ص 536]. فكلما وعى الفرد ذاته ترقى في مراتب التوحيد حتى يصل قاب قوسين أو أدنى من محراب ذاته الموحدة العاكسة للحقائق النورانية لمعرفة التوحيد الشهودي، فيكون سيداً لذاته وعلى جميع حواسه وجوارحه الأخرى، ويخرج من عبودية الذات إلى عبودية الله الواحد الأحد..لأنه سيعرف شهوداً أن ذاته الناقصة آية للكمال المطلق للخالق سبحانه، وهي عينها، أي ذاته الإنسانية آية كمال الله وتوحيده، فإذا عرف نقصه وعدم كماله وضعفه وحاجته لله، فحينها يعرف أن ذات الرب الخالق:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وأن وعي ذاته هنا ليس وعياً بحاسة العقل أو النفس، بل وعي بحاسة الوجود “الفؤاد” وهو ما يسميه الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين المعرفة بلا إشارة من أية حاسة أخرى، بل فؤاده، أي ذاته الإنسانية هي مكان ظهور التعرف والتعريف من الله لنفسه كما أخبر علي عليه السلام: “من عرف نفسه عرف ربه”.[ غرر الحكم: ص 7946]. فالفؤاد هو وجود الذات البشرية، وهو الحاسة الأعلى والأكثر نورانية، بل هي مصب جميع الأنوار والمعارف الربانية. فنقول بناء على أسس الشيخ أحمد الفكرية أن معرفة الإنسان لذاته هي معراجه نحو معرفة خالقه، فحواسه هي مشاعر استشعار نحو العوالم الكلية (العقل الكلي)(النفس الكلية)(الروح الكلية) إلى آخره. وهي حوض وجودي تصب فيه جميع علامة التعرف والتعريف لله، فبحاسة وجوده يرتقي الإنسان لمنصة المعرفة الربانية، فهو يعبُر الطرق الداخلية لذاته دون أن يتوه حين يراعي العلامات والسوى التي نصبها خالقه فيها، فهناك محكمات القرآن الكريم ومحكمات أقوال العترة الطاهرة المعصومية، ومحكمات العقل المستنير بالعترة الطاهرة والآيات الآفاقية كلها علامات في طريق الإنسان حين يعبر من حاسة إلى حاسة أثناء التعرف على ذاته التي في نهاية العروج سيتعرف على خالقه سبحانه بكل حاسة وفي كل حاسة تعرف وتعريف له من خالقه، فلا يختلط عليه مفهوم توحيد الله بتوحيد المشبهة أو توحيد وحدة الوجود، أو تأثير عقيدة الجبر أو تحدث له ضبابية في توحيد الأفعال وهكذا، فكل حاسة يجب على الإنسان أن يعرف الله بها ويوحده فيها حتى يصل مرتبة حاسة الفؤاد التي هي أعلى الحواس، فلا يحتاج بعدها لمعونة الحواس الأخرى، فحواسه الخمس يحتاج فيها للغة والرموز والصور والقوانين والاتجاهات حتى يعرف مثلا، وفي حاسة النفس يحتاج للصور حتى يدرك المعرفة، أما حاسة الفؤاد فلا يحتاج سوى حاسة الفؤاد نفسها ليعرف خالقه. وهناك روايات كثيرة في جدوى معرفة النفس والذات البشرية عن أهل العصمة عليهم السلام منها: عن الإمام علي ( عليه السلام ) : “من عرف نفسه فهو لغيره أعرف ” ( 1 ) . – عنه ( عليه السلام ) : “من عرف قدر نفسه لم يهنها بالفانيات” ( 2 ) . – عنه ( عليه السلام ) : “من عرف نفسه جل أمره ” ( 3 ) . – عنه ( عليه السلام ) : “من عرف نفسه جاهدها ، ومن جهل نفسه أهملها ” ( 4 ) . – عنه (عليه السلام ) : “من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم” ( 5 ) . – عنه ( عليه السلام ) : “من عرف الله توحد ، من عرف نفسه تجرد ، من عرف الدنيا تزهد ، من عرف الناس تفرد” ( 6 ) . عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) – في الدعاء – : “واجعلنا من الذين عرفوا أنفسهم ، وأيقنوا بمستقرهم ، فكانت أعمارهم في طاعتك تفنى” ( 7 ) . وعن الإمام علي ( عليه السلام ) : “من عرف نفسه عرف ربه ” ( 8 ) . – عنه ( عليه السلام ) : “أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه” ( 9 ) . – عنه ( عليه السلام ) : “عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه ؟ ! ” ( 10 ) . وفي صحف إدريس : “من عرف الخلق عرف الخالق ، ومن عرف الرزق عرف الرازق ، ومن عرف نفسه عرف ربه” ( 11 ) . وورد أيضاً ” دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رجل اسمه مجاشع ، فقال : يا رسول الله ! كيف الطريق إلى معرفة الحق ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله ) : معرفة النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى موافقة الحق ؟ قال : مخالفة النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى رضا الحق ؟ قال : سخط النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى وصل الحق ؟ قال : هجر النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى طاعة الحق ؟ قال : عصيان النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى ذكر الحق ؟ قال : نسيان النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى قرب الحق ؟ قال : التباعد من النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى انس الحق ؟ قال : الوحشة من النفس ، فقال : يا رسول الله ! فكيف الطريق إلى ذلك ؟ قال : الاستعانة بالحق على النفس” (12).
ـ نصوص من الشيخ أحمد بن زين الدين في جدوى معرفة النفس:
يقول الشيخ أحمد بن زين الدين رحمه الله: “وقد بيّنه عليّ (ع) لكميل ستّ مرّاتٍ وقد كشفتُ ذلك في شرح هذا الحديث الشريف وقد نصّ علي البيان في قوله (ع) مَن عرفَ نفسه فقد عرف ربّه وهو أن تجرّدها في الملاحظة والوجدان عن جميع سبحاتها ونسبها وعن كلّ شيء حتى عن التجريد فإنك تعرف المراد ويتبيّن لك ذلك بنورِ اللّهِ الذي هو الفؤاد بعد التجريد ومحو كلّ موهوم من إشارة وتقييد وهو سرّ السين في قوله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فقد وعد اللّه سبحانه عباده العارفين أنه سيريهم الآية وهو النقش الفهواني التعريفي الذي هو الوصف والتعريف والتعرّف من اللّه سبحانه لعبده وهو حقيقته من ربّه وهو نور اللّه الذي يري به المتوّسم المتفرّس وهو الفؤاد وهو الصحو وهو الأحديّة وهو المعلوم وهو الجلال وهو أوّل فائض عن المشيّة ممّا يختصّ به وهو الوجود الراجح فيما لك من الوجود الراجح المطلق وما أشبه ذلك فكلّ عبارة من هذه تدلّك على مطلوبك لأنّها كلّها بمعنى واحد فكيف لا يمكن بيانه واللّه سبحانه يقول سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحقّ فأنت تفهّم قوله تعالى حتى يتبيّن لهم أنّه الحقّ وبيانه علي سبيل الاختصار والإشارة أنك تمحو فى وجدانك عن حقيقتك التي هي ذاتك ونفسك الحيث والكيف واللِّم والمتى والأين وفي ومِن وعلى ومع ولو وما أشبه ذلك فإنها خارجة عن ذلك مثلاً كونك في شيء ليس هو ذاتك ولا جزءاً منها وكونك على شيءٍ وَداخلاً في شيءٍ أو خارجاً من شي ءٍ أو مع شيءٍ أو مشابهاً لشيءٍ أو يشابهك شيء أو بائناً عن شيءٍ او ملاصقاً لشي ءٍ او كونك محدوداً او محصوراً او موضوعاً علي شي ءٍ أو خارجاً من شيء أو خارجاً منك شيء او قريباً او بعيداً او ظاهراً او باطناً او معلوماً او مجهولاً او متحركاً أو ساكناً أو ناطقاً أو صامتاً أو لابثاً أو منتقلاً أو متغيراً أو متبدلاً وما أشبه ذلك من صفات الخلق فكلّ هذه وما أشبهها إذا نظرتها وجدتها غيرك حتى خطابك وغيبتك وتكلّمك فإذا أنت شي ء بسيط مغائر لكلّ ما سواك فليس كمثلك شيءٌ بعد محو هذه السبحات وما أشبهها فإذا عرفت نفسك هكذا بقي عندك ظهور اللّه لك بك فإذا نظرتَ ظهور اللّه بدون لك وبك عرفتَ صفة اللّه وإذا عرفت صفة اللّه عرفتَ اللّه لأنّ الشيء لا يعرف بذاته وإنما يعرف بصفته فبهذه الجملة يظهر لك بيانه”[شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج 1ص242 ـ 243] ويقول الشيخ في مقام آخر: “لأن مقام أو أدنى له مراتب متعددة بعدد العارفين لأَنفسهم فكل مَن عرف نفسه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل كشفُ سُبُحاتِ الجلال من غير إشارة فقد وصل إلى مقام أو أدنى بنسبة رتبته لأن المراد من مقام أو أدني هو ما فوق مقام قاب قوسَيْنِ وهو اجتماع السّالك بمقام عقله وهو أوّلُ وجودِهِ المقيّد وفوقه مقام أو أدنى وهو مقام الوجود المطلق” [شرح الزيارة، ج4ص193]. ويقول الشيخ أيضا في وعي الذات: ” أعلم أن العلماء اختلفوا في معنى قول النبي صلى اللّه عليه وآله أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه وقول أمير المؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه فقيل هذا من باب التعليق على المحال فإنّ معرفة النّفس محال ومعرفة ذات الله تعالى محال وقيل هو كما قال نبي اللّهِ داود على محمد وآله وعليه السلام من عرف نفسه بالجهل عرف ربّه بالعلم ومن عرف نفسه بالعجز عرف ربّه بالقدرة ومن عرف نفسه بالفناء عرف ربّه بالبقاء وهكذا وقيل من عرف نفسه بإنها ليست في مكان من جسده ولا يخلو منها مكان منه وأنّها غير ممازجةٍ للجسد ولا مفارقة وأنّها مدبّرة له وغير مشاركةٍ له في الغذاء وأمثال ذلك عرف ربّه بالنسبة إلى سائر خلقه وقيل إذا قُلتَ نفسي وروحي وعقلي وجسدي وثوبي وبيتي وملكي وما أشبه ذلك كان ما أضفتَ إليه هذه المذكورات غيرها فإذا عرفته عرفتَ ربّكَ في قوله عبدي وأرضي وسمائي وبيتي وخَلقي وملكي فإن الّذي أضفتَ إليه تلك الأشياء هو اللّه سبحانه والأصحّ من هذه كلها لمن طلب المعرفة الحقّة الكاملة أنّ الانسان مركب من مادّة وصورةٍ وحقيقة المادّة مِنْ فيْضِ كرمِ اللّه وهي وَصْفُ اللّهِ نفسه لعبده لأن الله سبحانه لمّا كان لا يمكن معرفته لغيره من نحو ذاته وأحبّ أن يعرفه عبْده وصف نفسَهُ وصفَ تعريفٍ وتعرّفٍ وجعل ذلك الوصف حقيقة عبده وتلك الحقيقة هي مادّته وهي وجوده وهي جهته من ربّه وهي نور اللّهِ الذي ينظر به المؤمن المتفرّس وهو فؤاده وهو آية الله في نفسه التي أراهم اللّه إيّاها وهي أنموذج فَهْوانيّ فإيَّ لفظٍ سمعتَ منا من هذه الأمور السبعة فانّا نريد بها وصْفَ اللّهِ سبحانه نفسه لعبده فمن عرف الوصف عرف الموصوف ولمعرفته طريقانِ طريق مجمل وطريق مفصّل فالأول أن وجودك بالمعنى الثاني للوجود كما ذكرنا سابقا هو أن تجد نفسك أثراً ونوراً وصنعاً والأثر يدلّ باللزوم على المؤثر والنور يدل على المنير والصنع يدل على الصانع فهذا اجمالي لمعرفة النّفس” [شرح العرشية، ج1 ص3-4] ويقول الشيخ أحمد:” أقول قوله العلوم الإلهية هي عين الإيمان بالله وصفاته يدل على أن التصديق بوجود واجب الوجود ووجود صفاته التي وصف بها نفسه هو معرفة الله وهذا توحيد العوام و إنما التوحيد الحقيقي ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام لكميل على معني من عرف نفسه فقد عرف ربه”. [شرح المشاعر،ج1ص21] إذاً هنا يصرح العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين صراحة أن جدوى معرفة الذات البشرية العليا هي الوصول للتوحيد الحقيقي لله وهو أعلى من توحيد العوام النظري ويتم بالسلوك إلى الله قصداً بالسفر إليه وسلوكاً بالتزام أوامره ونواهيه في كل شيء والاعتبار والتفكر في خلقه والصمت. مع العلم كتب الشيخ طافحة بنصوص معرفة الذات اخترنا لكم بعضها لعدم التطويل فراجعوا للاستزادة.
جدوى وعي الذات عند فلاسفة الغرب:
أقول أن جدوى وعي الذات عند فلاسفة الغرب تتعين في كون هذا الوعي هو الأداة الأساسية لفهم الهوية الفردية، وبناء الحقيقة عنها، ومن ثم تحرير الإنسان من التمركز الأناني، ثم الانتقال من الذات المنغلقة إلى الذات المنفتحة على الآخر من أي عرق أو مجتمع أو طبقة. إنه ليس مجرد معرفة النفس كفكرة شخصية يرغبها الإنسان تجيب على تساؤلاته، بل هذا الوعي هو مشروع أنطولوجي وأخلاقي ومعرفي في آن يحدد معنى الوجود الإنساني والغاية منه. فمنذ ديكارت، أصبح الوعي بالذات هو الأساس الذي تُبنى عليه الحقيقة : (أنا أفكر إذن أنا موجود(. فهذا الوعي أعطى الذات الغربية دفعة من الثقة عقلانية، ورؤية تجعل من الإنسان مركزًا للمعرفة الكونية والاجتماعية والنفسية والغائية، والدراسات الحديثة تشير إلى أن الذات الغربية الكلاسيكية كانت متمركزة حول الأنا، تنكر الآخر المغاير وتتعامل معه كامتداد نفعي أو تهديد افتصادي أو وجودي وبنيت سياسات استعمارية على ذلك. لكن الفلسفة المعاصرة عملت على تفكيك هذا التمركز ودحضه، معتبرة أن وعي الذات الحقيقي لا يكتمل إلا بالانفتاح على الغيرية ونججوا في التقدم في ذلك بنسب جيدة، وفلاسفة الظاهراتية (هوسرل، ميرلوبونتي) رأوا أن الوعي لا ينفصل عن العالم، وأن الذات لا تُدرك نفسها إلا عبر علاقتها بالأشياء. سارتر اعتبر الوعي “فعلًا قصديًا” يتجه نحو العالم، لا مجرد انعكاس داخلي. الوجوديون (سارتر، كيركغارد) جعلوا وعي الذات شرطًا للحرية والمسؤولية. الإنسان لا يصبح ذاتاً أي ذاتاً حرة إلا حين يعي أنه مسؤول عن اختياراته، وأنه ليس جوهرًا ثابتًا بل مشروعًا مفتوحا. والفلسفة الغربية الحديثة لم تعد ترى الذات كياناً مغلقاً، بل ذات تتشكل عبر تفاعلها بالآخر المختلف، وهذا التحول يمثل قطيعة مع النرجسية الديكارتية وتأييداً لنظرية الذات المتعددة والمنفتحة. والفلسفة البنيوية والتفكيكية والعدمية هاجمت نظرية الذات الواعية المستقلة، معتبرة أنها زيف ميتافيزيقي. لكنها على الرغم من ذلك أعادت طرح سؤال الذات بأسلوب مختلف: الذات كشبكة لغوية وثقافية لا كجوهر ثابت لا يتغير. كل ما ذكره الغرب هو غايات نبيلة لا شك في ذلك إلا ما اعتبر فلسفة تؤسس للاستعمار وتدمير الإنسان المختلف عن الذات الأوربية البيضاء.. ورغم كل هذه الغايات النبيلة في الفلسفة الغربية لفهم ووعي ذات الإنسان فهي من جهة أخرى أدنى مرتبة من الغاية التي ذكرها العلامة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي وهي معرفة النفس تؤدي لمعرفة الله خالق الكون والتي تقتضي جملة كل الغايات التي حددها الفلاسفة الغربيون جميعها، فمعرفة الله لا تتم سوى بطاعته التي تتضمن كل تلك الغايات، فتبصر.
أصل المعرفة ومعيارها لدى الإنسان (كيف شخصها الحكيم الشيح أحمد بن زين الدين الأحسائي) الشيخ سعيد محمد القريشي 1 – ما هي المعرفة؟ المعرفة هي إدراك ووعي وفهم الحقائق والماهيات في الواقع الخارجي عن طريق حواس الإنسان وأعلاها الفؤاد والعقل من خلال ممارسة السؤال بما هو؟ وكيف؟ ولماذا؟ وغيرها من الأسئلة التي توجه نحو ماهية الأشياء وأسبابها في الواقع الخارجي بهدف جمع المعلومات وتكوين المعرفة الانتزاعية التركي…
سلسلة وعي الذات البشرية عند الحكيم والفيلسوف الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1) (مقارنة فلسفية بين حكمة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي والفلسفات الغربية) …
هل يرى الفيلسوف الحكيم الشيخ أحمد بن زين الدين أن الميت والأشياء تنعدم وتفنى فناء حقيقيا؟ الشيخ سعيد محمد القريشي الحقيقة الجواب على هذا السؤال يحتاج تقديماً وشرحاً. إذاً من الضروري حتى تفهم رأي الشيخ أحمد بن زين الأحسائي رحمه الله لابد من قراءة الجواب كاملا، فأقول أنا سعيد محمد القريشي: أن تعريف (العدم) أو ما يقع ضمن معناها في بحثنا هنا حصرا كالـ(ـالفناء/ الدثور) هو نقيض الوجود أو اللاشيء وهو بدهي الفهم فهو يعني خروج مادة الشيء من حيز الوجود كأنها لم تكن متحققة ولا نعني هنا صورة الشيء بل مادته التي تقوم وجوده وتحققه في ظرف الواقع تلك التي نلمسها بالحواس بدهيا أو نشعر بأثرها فعليا كالكهرباء. فنقول عدم الأش…