تفسير كلمة (( هـو ))

تفسير كلمة (( هـو ))

تفسير كلمة (( هـو ))

تتكون هذه الكلمة من حرفين هما : (( الهاء والواو )) . (( الهاء )) ضمير غائب , أما (( الواو )) فعلامة للمفرد المذكر الغائب , وهي بجملتها تعبر عن المذكر الغائب . وكأن كلمة (( هو )) جواب للمشركين أو لقوم من اليهود والنصارى , أو أي متسائلٍ قد سأل رسول الله صلى الله عليه وآله قائلاً : إن هذه الأصنام وعُزير والمسيح والفراعنة والطواغيت …. وغيرهم هم آلهتنا , أما أنت يامحمد فصف لنا إلهك أي (( آله الإسلام )) .

فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله على لسان الوحي الإلهي : (( قل هو الله أحد )) .

 إي إن إله الإسلام بل إله العالم كله يختلف عما تعبدون من المشهودات والملموسات والمحدودات والتي يشار إليها بكلمة (( هذا )) أما الله جل وعلا فغائب عن الأبصار والحواس في عين ظهوره , و (( هو الله أحد )) .

إن إله الإسلام أنار جميع آفاق الكائنات بظهوره ولكن لفرط ظهوره كان خفاؤه , كالشمس ( وله المثل الأعلى ) فهي أوضح وأنور من جميع الموجودات فشعاعها عم جميع الكائنات ولكن لا تستطيع أي عين رؤيتها !

فإذا إله الإسلام (( هو )) وليس (( هذا )) و (( هو )) في عين غيابه أقرب إلينا من كل (( هذا )) الحاضر .

يقول المرحوم (( الحاج الملا هادي السبزواري )) في منظومته :

 يامن هو اختفى لفرط نــوره

                       الظاهر الباطن فـي ظهـوره (1) .

 _________________

 (1) وقال أحد الشعراء :

 يا من أراه ولست أعرف ما هو

                               ماواضح مـا مبهم إلا هــو

 يخفى فأصبح مكراً لوجــوده

                           ورغم إنكاري أعـــود أراه

(( هو الظاهر هو الباطن )) وحتى العقل والوهم والخيال وسائر المشاعر أيضاً عاجزة عن إدراك كنه ذاته (( هو )) إذ أنها في منتهى درجات البطون , أما آثاره فهي في أعلى درجات الظهور , فيقول الله عز وجل في القرآن الكريم في خصوص بطون الذات : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) .

ويقول في خصوص ظهور الآثار والصفات : ( فأينما تُولوا فثم وجه الله )

 . المراد في هذه الآية المباركة من (( وجه الله )) عز وجل هو آثاره وصفاته التي تملأ جميع زوايا عالم الخلقة .

وعلى هذا فإن ابتداء جواب رسول الله صلى الله عليه وآله لأولئك الذين سألون أن

يصف لهم ربه بكلمة (( هو )) إشارة إلى أنه إله محمد صلى الله عليه وآله , بل إله جميع العالم ( رب العالمين ) وكل الكائنات من آثاره جل وعلا , أما ذاته المقدسة فهي غائبة ومستورة عن جميع الأبصار والبصائر , وما يمكن أن يدرك منه هو فقط آثاره جل وعلا .

واعتبر بعض علماء التفسير كلمة (( هو )) في أول سورة (( التوحيد )) المباركة ضمير شأن , وقالوا : إن ضمير الشأن يستعمل عندما يراد الإخبار بأمرٍ مهم بعده , وخلصوا إلى أن الأمر المهم هنا هو (( الله أحد )) وكلمة (( هو )) جاءت قبله كضمير شأن .

وأقول : إن الجميع يعترف أن عبارة (( الله أحد )) هي خبر مهم , بل هي أهم وأخلد خبر سمعه العالم , وعلى خلاف سائر الأخبار فهو دائماً جديد لا يُبلى , بل يتجدد يوماً بعد يوم ولحظة بعد لحظة .

ولكن ليس هذا دليلاً على أن كلمة هو وهي من أعظم الأسماء الإلهية ضمير شأن , فتكون من الناحية الأدبية كلمة زائدة تقريباً وليس لها معنى مستقلاً .

إن كلمة ( هو ) المباركة هي كلمة مستقلة وجامعة لجميع صفات الجمال والجلال الإلهي , وكل ما هو موجود قد أودع في هذه الكلمة (( هو )) , وهي تشتمل على سر التوحيد وحقيقته .

وتأييداً لهذا الأمر نذكر لكم روايةً عن مولى الموحدين أمير المؤمنين علي عليه السلام :

 ابن بابويه : روى بإسناده , أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يكرر في وقعة صفين في ميدان الحرب هذه الكلمات : (( يا هو يا من لا هو إلا هو , أغفر لي وانصرني على القوم الكافرين )).

نكات لـطيفـة

1- إن حرف الهاء يرسم على شكل دائرة (o) وبما أن خط الدائرة هو من الخطوط غير المتناهية , فليس له بداية ولا نهاية كبقية الخطوط ( المستقيم والمنحني والمنكسر ) وذلك إشارة إلى أن الذات الإلهية المقدسة أزلية وأبدية غير متناهية .

 2- إن عدد حرف الهاء بحساب الأبجد هو خمسة (O) وتكتب أيضاً على شكل دائرة وهذه إشارة أيضاً إلى أن صفات الله عز وجل كذاته غير متناهية , لأن صفات الله هي عين ذاته – كما هو مقرر في محله – فلا تنفصل صفاته عن ذاته , كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في ( نهج البلاغة ) : (( كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ))

 أي أن صفات الله لا يمكن أن نتصورها زائدة عن ذاته بل هي عين ذاته .

 3- إن مخرج حرف الهاء عند النطق هو الصدر , والصدر محل القلب , وهذا إشارة إلى أن الذات الآلهية المقدسة هي كالأسرار المودعة في الصدور , سر خفي وسر مطلق غير قابل للدرك .

وأيضاً إشارة إلى أن الأرض والسماوات لا تسعه جل وعلا , ولكن وَسِعَهُ قلب عبده المؤمن , ووسع ظهور أنواره , كما في هذا الحديث الشريف : (( ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن )) .

وطبعاً ليس المراد هو الوسع المكاني للذات , بل للتوحيد ومحل ظهور أنوار الحق جل وعلا .

 4- إن حرف الواو ( و ) الذي هو إشارة للغائب ورد في كلمة ( هو ) بعد حرف الهاء , وعدده بحساب الأبجد سنة (6) وهو إشارة إلى المراتب الست للوجود ,

 وهي عبارة عن :

 1- عالم (( الهاهوت )).

 2- عالم (( اللاهوت )).

 3- عالم (( الجبروت )).

 4- عالم (( الملكوت الأعلى )).

 5- عالم (( الملكوت الأسفل )).

 6- عالم (( الناسوت )) .

وقد أشار الله عز وجل في مواضيع عديدة في القرآن الكريم إلى هذه العوالم الست فقال : (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ).

وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية الشريفة – كما مر سابقاً – أن مراد الله عز وجل في الآية المذكورة من كلمة (( الأيام )) – وهي جمع يوم – ليس الأيام المعروفة والتي يتكون كل منها من أربع وعشرين ساعة , وتعرف في اصطلاح الفقهاء بأنها من طلوع الفجر الصادق وحتى غروبه الشرعي . لان الجميع يعلم أن اليوم والليلة والشهور والسنة وغيرها من الأوقات ناتجة كلها من حركات الكرة الأرضية ودورانها حول نفسها وحول الشمس , وفي بداية الخلقة وقبل أن تخلق السماوات والأرض لم تكن هناك شمس ولا أرض ليتكون من حركتها اليوم والليلة والشهر والسنة .

فلعل المقصود في الآية المباركة أعلاه من كلمة (( الأيام )) هي تلك المراتب والحدود الوجودية .

 أي إن السماوات والأرض خلقتا بست مراتب وجودية , فجميع العوالم في مراتب ست , كما هو الحال في الدنيا حيث لها ست مراتب أيضا وهي :

 1- مرتبة الجماد .

 2- مرتبة النبات  .

 3- مرتبة الحيوان .

 4- مرتبة الجن .

 5- مرتبة الملائكة .

 6- مرتبة الإنسان  .

وأما العرش فهو عبارة عن أسمى مقام في الخلقة , وهو مرتبة الحيقية المقدسة لمحمدٍ وآل محمد عليهم السلام الذين وضع أمر تدبير العالم وأهل العالم – سواء في الدنيا أو في الآخرة – بأمر الله تعالى بأيديهم الكفوءة , وتعرف هذه المراتب الست المذكورة أعلاه في أصطلاح حكمة أهل البيت عليهم السلام بالسلسلة الطولية .

إن كاتب هذه الكلمات (المؤلف) قد بدأ تفسير وشرح مفهوم الآية المباركة المذكورة أهلا بكلمة (( لعلّ )) وعلته أني لم أر في كلمات المعصومين عليهم السلام ذلك بالترتيب المذكور , ولذا لا أملك الإطمئنان بصحته أو سقمه , وماذكرته فيه جانب الاحتمال والله العالم .

  المصدر : تفَسير الثقلين.

 المؤلف : سماحة آية الله المَعظّم المولى

 الحَاجُ ميرزا عَبدُ الرَسِوُل الحائِري الاِحقاقي.

( خدام أوحديين )

للإشتراك في حساب الانستقرام لمجموعة الأوحد :- alaw7ad@

https://instagram.com/p/3IiswdB1Vh/

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading