كلمة ( قل ) فعل أمر حاضر من باب (( نَصَر يَنْصُرُ )) ومن مادة (( قَوَلَ )) لأن (( قال يقول )) أجوف واوي باصطلاح علماء علم الصرف ومصدره على وزن ( قول , قال , قيل , قوله , مقال ومقاله ) .
وقد ذكر علماء اللغة أكثر من خمسة عشر معنى لهذه الكلمة , أما مراد الله عز وجل من كلمة ( قل ) في هذه السورة المباركة فهو المعنى المشهور لها وهو الإخبار .
وكما قلنا في الصفحات الماضية , إن هذه الكلمة المباركة – أي كلمة (( قل )) – وإن جاءت خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وآله , إلا أنها ذات بعد عمومي , فهي من الآيات ذات المورد الخاص إلا أن متعلقها عام , فكأنها خطاب لجميع مسلمي العالم .
أي إن أي مسلم يقرأ هذه السورة , فكأنما يوجه خطابه للمستمع , فيقول له : (( قل هو الله أحد )) .
وكل مسلم عند تلاوته لهذه السورة المباركة فكأنه بخاطب العالم وأهل العلم وحتى السماوات والأرض , والشمس والقمر , والنجوم والبحار والصحاري , وكل مافيها , وبعبارة أخرى يخاطب جميع الكائنات فيقول : (( قل هو الله أحد )) , فهو شعار الإسلام العالمي والخالد , وعلى الجميع أن يقولوا : (( قل هو الله أحد )) كقوله صلى الله عليه وآله : (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) .
وفي الواقع , إن هذا الشعار القاطع لا يختص بالمسلمين , بل يشمل كل ما في عالم الإمكان , فالجميع يقول بلسان التكوين أو بلسان التشريعي : (( قل هو الله أحد )) , وقد قال الله عز وجل في قرآنه الكريم في هذا الشأن : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) .
إن مراد الله عز وجل في هذه الآية المباركة سائر الآيات الأخرى المشابهة لها من تسبيح الموجدات هو التسبيح التشريعي , فلو كان المقصود هو فقط التسبيح التكويني لأمكن لنا إدراكه , في حين أن الله عز وجل يقول : ( ولكن لاتفقهون تسبيحهم ) .
فإذاً , لهذا التسبيح حالة تشريعية إضافة إلى الحالة التكوينية , أي إن جميع الموجودات تسبح الله عز وجل , أمام وحدانيته وعظمته , كلٌَ بلغته الخاصة .
وبعبارة أوضح , إن كل الموجودات تقول بلغتها الخاصة , (( قل هو الله أحد )) , وبما أننا لا نعرف لغتها , فلا يمكننا أن نفقه تسبيحها التشريعي .
وكأن كل موجود يقول – في جميع حالاته – بلسان التكوين والتشريع أمام عجائب الخلقة , ولطائف الخليقة , وسر الوجود مخاطباً جميع الكائنات : (( قل هو الله أحد)) فإذا كلمة (( قل )) في بداية سورة التوحيد المباركة يجب تلفظها ضمن السورة لسببين :
الأول : لكي يحفظ سياق الآية المباركة ولا يغير , فتتلى السورة كما أنزلها الله عز وجل .
الثاني : لكي يكرر هذا الشعار – وهو شعار عظيم وعالمي وخالد للإسلام ويشمل عالم الملك والملكوت وكل ماسوا الله عز وجل – أكثر فأكثر (( وحده لا إله إلا هو )) .
وبملاحظة ما ذكرناه أعلاه , يتضح الرد على من يقول : إن الخطاب في كلمة (( قل )) في أول سورة (( التوحيد )) المباركة إنما نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وآله , وهو موجه إليه , وعلى هذا فإن تكرارنا لهذه الكلمة (( قل )) عند تلاوة سورة (( التوحيد )) المباركة يكون زائداً , فيكفي قول (( قل هو الله أحد )) .
ومن الواضح أن قراءة هذه السورة المباركة , إضافة إلى مافيها من اعتراف وإقرار بوحدانية الله عز وجل , لها بعد تبليغي وإرشادي أيضاً , وهي الانسجام مع كل مظاهر الوجود في النطق بكلمة التوحيد .
وكأن قارئ هذه السورة المباركة يقول : إني أقرّ بوحدانية الله عز وجل , فأنتم أيضاً أيها المستمعون من الموجودات المحسوسة وغير المحسوسة , في جميع أنحاء عالم الوجود كلكم , وكل واحدٍ يكلف الآخر أن يقول : (( قل هو الله أحد )) فاملأوا أعماق عوالم الخلق بهذا النداء التوحيدي الصارخ .
المصدر : تفَسير الثقلين.
المؤلف : سماحة آية الله المَعظّم المولى
الحَاجُ ميرزا عَبدُ الرَسِوُل الحائِري الاِحقاقي.
( خدام أوحديين )
للإشتراك في حساب الانستقرام لمجموعة الأوحد :- alaw7ad@