يقول المولى الميرزا محمد تقي المماقاني اعلى الله مقامه الشريف مصنف كتاب صحيفة الأبرار تعقيباً على الحديث :
إن الضعفاء يستوحشون من أمثال هذا الحديث و ما قبله ، و لا يكادون يذعنون بها لقصور أفهامهم عن معرفة أسرار أولياء الله مع أنهم مذعنون بحكم تواتر الأخبار من الفريقين بسبق خلق أنوارهم على سائر الخلق بدهور كثيرة ، و أنهم هم الذين علموا الملائكة التسبيح و التهليل عند ابتداء خلقهم ، فليت شعري ما المانع لمن خلق قبل الخلق أن يظهر فيما شاء من الزمان لمن شاء سوى توهم أنه إذ ذاك نطفة في أصلاب الآباء و أرحام الأمهات ، فكيف يظهر مع ذلك رجلاً سوياً ! و هو من أقبح التوهمات عند أصحاب الألباب .
إذ أدنى ما يقال في الجواب عن ذلك : إن الله الذي جعله نطفة في الأصلاب و الأرحام بعد أن كان نوراً تام الخلقة في عالم الأنوار يسبح الله و يقدسه بألسنة قدسية أليس بقادر على أن يمثله بشراً سوياً حيث يشاء ؟! فما لكم كيف تحكمون .
على أنّا قد قدمنا الإشارة إلى أن أنوارهم الطاهرة لا تقاس بسائر الناس ، فإنها فوق الحدود البشرية تلبسوا بها ليكمل الخلق ، فلا يمنعهم طور عن طور ، و حد عن حد ، و مكان عن مكان ، لكونهم مهيمنين على تلك الحدود ، فيظهرون بأي حد شاؤوا و في أي حد شاؤوا ، في أي مكان شاؤوا ، و لا يشغلهم شأن عن شأن .
فهم حال كونهم نطفاً في الأصلاب و الأرحام إن شاؤوا ظهروا في ألف مكان من غير أن تخلوا منهم تلك الأصلاب الطاهرة و الأرحام المطهرة ، لأن تلك الحدود كلها خلقت من فاضل أنوارهم ، فلا يجري عليهم ما هم أجروه ، فلا يكونون مأمورين في أسر قيد واحد بحيث لا يقدرون على فكه ، لأن جميع القيود ملكهم و بيدهم لأنهم يد الله الذي بيده ملكوت كل شيء ، و المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء .
و بالجملة وجودهم صلوات الله عليهم بالنسبة إلى تلك الحدود وجود هيولائي غير مقيد بصورة مخصوصة لا يتعداها إلى غيرها كما هو حال سائر الخلق الواقعين تحت أسر تلك الحدود ، و لذا كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يحضر بعد موته عند جنازته مع كون السرير غير خال عنه أيضا .
و ما كان ذلك بجسد مثالي على المعنى الذي زعمته طائفة من أهل الظاهر ، فافهم و تبصر ، و لا تقدر عظمة الله بقدر عقلك فتكون من الهالكين .
و أما الجهال فلا يزيدون بسماع أمثال هذه الكلمات إلا وحشة و نفوراً كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة .
و كأني بهم بعدما سمعوا هذه الكلمات قد شهروا سيف العناد و سلقوني بألسنة حداد ، و ظلوا يرمون صاحبها بالارتفاع في حق آل الرسول ، و أنا أتمثل في ذلك و أقول :
عليَّ نحت القوافي من مواضعها
و ما عليَّ إذا لم يفهم البقر