عن بداية انفتاحه على العالم الآخر ورؤيته للمنامات العجيبة , يحدثنا الشيخ الأحسائي قدس سره فيقول: ( كان صبياً , أمه بنت عم أمي ( تغمده الله برحمته ) اسمه الشيخ أحمد بن محمد آل بن حسن , يقرأ في النحو , في بلدة قريبة من بلدنا , بينهما قدر فرسخ , عند المرحوم الشيخ محمد بن الشيخ محسن ( قدس الله روحهه ).
قلت للشيخ أحمد: ما أول شيء يقرأ فيه من النحو ؟.
فقال: عوامل الجرجاني.
فقلت له: أعطني أكتبها.
فأخذتها وكتبتها , ولكني أستحي أن أذكر لوالدي ( قدس الله روحه ونور ضريحه ) لأنه كان عندي من الحياء شيء ما يتصور …
فمضيت فيه إلى موضع من بيتنا , يقعد فيه والدي ووالدتي , ونمت فيه , وبيت بعض الأوراق التي فيها العوامل , وأتت والدتي – وأنا مغمض عيني , كأني نائم – ثم أتى والدي , وقال لوالدتي: ما هذه الأوراق التي عند أحمد ؟.
قالت: ما أعلم
فقال: ناولنيها
فأخذتها , وأنا أرخيت أصابعي – من حيث لا يشعر – حتى تأخذ القرطاس , فأخذته وأعطته والدي رحمه الله فنظر فيها , وقال: هذه رسالة نحو , من أين له هذه؟.
قالت: ما أدري
فقال: رديها مكانها.
فردتها, وألنت أصابعي – من حيث لا تشعر – فوضعتها في يدي , وبقيت قليلاً , ثم تمطيت وانتبهت , وأخفيت القرطاس كأني أحب أن لا يطلع عليها.
فقال لي والدي: من أين لك هذه الرسالة النحوية ؟
قلت: كتبتها
فقال لي: تحب أن تقرأ في النحو ؟
فقلت: نعم. وجرت ( نعم ) على لساني , من غير اختياري , وأنا في غاية الحياء , كأن قولي ( نعم ) من أقبح الأشياء , ولكن الله – وله الحمد والشكر – أجراها على لساني من غير اختياري.
فما كان من الغد أرسلني مع شيء من النفقة إلى البلد التي فيها الرجل العالم – أعني: الشيخ محمد بن الشيخ محسن – واسمها القرين , ووضعني مع ذلك الصبي , الذي تقدم ذكره , وهو الشيخ أحمد رحمه الله ..
وقرأت ( العوامل ) و ( الآجرومية ) عنده , ورأيت في المنام رجلاً , كأنه من أبناء الخمس والعشرين سنة , أتى إلي وعنده كتاب , فأخذه يعرف لي قوله تعالى: ( الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى ).
مثل: خلق أصل الشيء , يعني: هيولاه فسوى صورته النوعية , وقدر أسبابه , فهداه إلى طريق الخير والشر.
يعني: من هذا النوع , وإن لم يكن خصوص ما ذكرته.
فانتبهت وأنا منصرف الخاطر عن الدنيا , وعن القراءة التي يعلمناها الشيخ , لأنه إنما يعلمنا: ( زيد قائم ). زيد: مبتدأ , وقائم: خبره.
وبقيت أحضر المشائخ , ولا أسمع لنوع ما سمعت في المنام من ذلك الرجل شيئاً , وبقيت مع الناس بجسدي , ورأيت أشياء كثيرة , لا أقدر أحصيها.
أني رأيت في المنام , كأني أرى جميع الناس صاعدين على السطوح , يتطلعون لشيء , فصعدت أنا سطح بيتنا , وإذا أنا أرى شيئاً أتى مما بين المغرب والجنوب , وهو معلق بالسماء بطرف منه وطرف آخر متدل – كالسرادق – وهو مقبل إلينا وأنا والناس كلهم , وكلما قرب منا , انحط إلى جهة ا لسفل , حتى وصل إلينا. وكان أسفل ما منه ما كان عندي , وقبضته بيدي , وإذا هو شيء لطيف , لا تدركه حاسة اللمس بالجسم إلا بالبصر , وهو أبيض بلوري , يكاد يخفى من شدة لطافته , وهو حلق منسوجة على هيئة نسج الدرع.
ولم يصل إليه أحد من تلك الخلائق المتطلعين إليه غيري .. ).
الكاتب: الشيخ راضي ناصر السلمان
المصدر: كتاب قصص ومواعظ وأشعار ومراسلات من حياة الشيخ الأوحد الأحسائي