الميزان القرآني

الميزان القرآني

 

الميزان القرآني
أبو رضا الأحسائي
يستنكر الكثير من الناس بعض الروايات والأحاديث التي تصف خوارق للطبيعة عند أهل البيت عليهم السلام بحجة أن عقله لم يقبل بها عندما عرض الرواية على القرآن.
الأمثلة كثيرة من هذه الفئة تستنكر كثيرا من الروايات وتضرب بها عرض الحائط بحجة أنها متعارضة مع المنهج القرآني القويم.
بعضهم استنكر على سبيل المثال لا الحصر الأمور التالية:
يستنكرون علم الإمام بزمن موته كما أخبر أمير المؤمنين -عليه السلام- أنها الأيام الأخيرة في حياته قبل ضربة ابن ملجم المرادي كما أخبره رسول الله -صلى الله عليه وآله-، وحجة المستنكرين على هذه الرواية أن هذا علم الغيب وقد تفرد الله به دون خلقه ومستشهدين بهذه الآية: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت) سورة لقمان, الآية 34
يستنكر البعض قول الإمام عليه السلام بأنه ينزل الغيث ويشفي المرضى ويحيي الموتى…الخ، بحجة أنها أفعال خاصة بالله.
يستنكر البعض منهم بعض خوارق الطبيعة المروية في الروايات كطي الأرض وإيداع الروح في الصور والرسومات وغيرها من الأمور بحجة أنها مبالغات وإعطاء الأئمة وصف فوق قدرتهم وهذا مخالف لضرورات العقل.
وغيرها كثير لكن نكتفي بما ذكرت من أمثلة. ولمناقشة هذا الأمر من خلال الحجة الأقوى عندهم وهي أن جميع ما ذكر مخالف للقرآن وأهل البيت أمرونا بأن نعرض الروايات على القرآن ونأخذ ما وافقه وترك ما خالفه، وهذه قاعدة صحيحة يمكننا أن نعمل بها في مقالنا هذا ونجعل القرآن هو الميزان.
أقول؛ هل صحيح أن ما ذكر من إشكالات سابقة مخالفة للقرآن؟. هل نضرب بها عرض الحائط؟.
من خلال تتبعي لآيات الكتاب الكريم يتضح ضحالة هذا القول ومجانبته للصواب، ولنستعرض بعض الآيات القرآنية لنثبت عكس ما يذهب له هؤلاء المستنكرون على الروايات الإعجازية والأحاديث النورانية.
واضح من خلال الآيات أن الله تفرد لنفسه بعلم الغيب لكنه في آية أخرى استثنى لأشخاص معينين؛ حيث قال تعالى: ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا — إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا)؛ سورة الجن آية
هنا وضوح الاستثناء ، ومنهم خليل الله في قوله تعالى: (فنظر نظرة في النجوم — فقال إني سقيم) سورة الصافات آية
فنظرته للنجوم نوع من التنبأ في علم الغيب وهو غير مستنكر عليه – عليه السلام-. وكذلك قصة نبي الله يوسف وتنبأه بصلب أحد المسجونين ونجاة الآخر وهو مما علمه الله لنبيه، ولا يستنكر عليه أنه لا يمكن له -عليه السلام-.
فعلم أهل البيت بقتلهم وطريقته لا يخالف القرآن لا من بعيد ولا من قريب، وللجمع بين الآيتين هي أن الآية التي تنفي علم الغيب لغير الله هي إثبات للسيطرة المطلقة لله وحده، فهذا العلم خاص بالله *بالذات* ويمكن أن يظهره لمن يرتضيه من أولياءه -عليهم السلام- فيعلمون به *بالعرض* من حيث ما علمهم الله.
وفي مسألة الرزق وإحياء الموتى والشفاء فكلها لا تخالف القرآن كما في قوله تعالى: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) سورة آل عمران, الآية 49.
فهذا نبي الله عيسى -عليه السلام- أعطاه الله القدرة على الخلق، ونفخ الروح في الصور الميتة، وإحياء الموتى وشفاء المرضى وأثبتها القرآن له، ولا محذور قرآني في هذا الأمر ولا تعارض.
وهذا الأمر شرطه *عدم الاستقلالية عن الله طرفة عين* ومن ادعى ذلك فقد كفر والمسألة هنا واضحة.
وما قضايا طي الأرض وخرق الطبيعة بغريب عن المنهج القرآني؛ ففي قصة نبي الله سليمان خير مثال كما أخبر تعالى في كتابه الكريم: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين — قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين — قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي) سورة النمل.
وضوح ما بعده من وضوح في أن من أتى بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في طرفة عين هو بشر من أتباع نبي الله سليمان عليه السلام وهو كما سمته الروايات (آصف بن برخيا) وصي نبي الله سليمان -عليهما السلام-، وقد استخدم طي الأرض وأحضر العرش بإعجاز خارق للطبيعة لا يقدر عليه إلا من كان عنده *علم من الكتاب* ففي الرواية عن جابر عن أبي جعفر -عليه السلام- قال: (إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فُخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ، ونحن عندنا من الاسم الأعظم إثنان وسبعون حرفاً ، وحرف واحد عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) الكافي : 1 | 286 ح 1 ، بصائر الدرجات : 4 | 228.
وهذا ما يعرف بالولاية التكوينية للأنبياء وأوصياء الأنبياء، وهذا كان لولي من أولياء الله عنده *علم من الكتاب* فما بالك بمن عنده *علم الكتاب كله*، قال تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) سورة الرعد, الآية 43.
فلقد ورد في تفسير ” الصافي ”  عن ” المجالس ” عن النبيّ -صلّى الله عليه وآله- أنّه سئل عن هذه الآية قال : (ذاك أخي عليّ ابن أبي طالب).
فلا معنى لإنكار الولاية التكوينية لأهل البيت -عليهم السلام- ولقد أثبتها الله في كتابه الكريم لمن هم أقل درجةً منهم -عليهم السلام-، ولا تعارض بين هذه الإعجازات العميقة والقرآن يقر بهذه المعاني بلا إشكال.
أخوكم / أبو رضا الأحسائي
/ رمضان / هجري قمري

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة