المعراج

المعراج

المعراج قال تعالى ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد , فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً , ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) إن أهم الكلمات الواردة في هذه الآية الشريفة , والتي تحتاج إلى الشرح والتفسير هما جملتان: ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) و ( فمن كان يرجوا لقاء ربه ). علينا أن نوضح في البداية حقيقة الانسان والقدرة الجسمية , ثم نرى أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أي بشر كان!! لقد خلقت طينة الإنسان وحقيقته الجسمية – على ما يصرح به القرآن الكريم – من الطين والتراب وهذه حقيقة لا مجال للمرء فيها إذ يصرح القرآن بذلك في قوله تعالى: ( إني خالق بشرأً من صلصال … فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) إن قدرة ومواهب الإنسان , هذا المخلوق الترابي , تتجلى في عالم الملك والناسوت , ومهما أعمل جميع قواه التي منحه الله إياها فانه لن يستطيع تجاوز حدود المادة والجسم. إن مجال تحليق هذا الهيكل البشري هو الفضاء الناسوتي وحسب فإذا أراد الطيران إلى القمر والمريخ والمشتري فانه يستعين بالوسائل المادية أيضاً نعم , يستطيع التطلع إلى العوالم العلوية , والتعرف على المقامات السامية , ولكن ليس بهذا الجسم , بل يحلق في عالم الجبروت بالعقل , وفي عالم الملكوت بالروح والنفس القدسية. إذ ليس للهيكل المادي والجسد الترابي مجال في تلك المناطق السامية , وأخيراً فهذه طينة الإنسان , وهذه قدرته !! في حين خلقت الذات المحمدية – باجماع المسلمين والتواتر بين جميع الفرق – من نور الله جل جلاله – وكان موجوداً قبل خلقة آدم عليه السلام , بل كان ممتازاً بالنبوة أيضاً في ذلك العالم بدليل قوله صلى الله عليه آله وسلم: ( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ) لقد أودع الله تعالى ذلك النور الطاهر , والأنوار القدسية للمعصومين سلام الله عليهم أجمعين في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة , فكانت تنتقل من صلب إلى صلب حتى ظهرت بمظهر بشري لأجل هداية الناس , وهذا ما نص عليه في زيارة الإمام الحسين المعروفة بزيارة وارث: (  أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة , لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها ) فلا مجال لإنكار أن الوجود المقدس لمحمد وآله الأطهار خلق قبل جميع الموجودات بارادة الله تعالى , وقد طفحت الكتب والمصادر الموثوق بها بذلك. إذن فالحقيقة النورية للرسول الأعظم ( ص ) تختلف عن الطينة البشرية !! وأما قدرات هذا الرسول ومواهبه التي منحه الله تعالى فهي عظيمة وسامية , فلا أكتفي من تلك المجموعة الهائلة من الكرامات والمعاجز بهذه العبارة: ( لولاك لما خلقت الأفلاك ) كي لا يتصور قاصر أن ذلك من اختراعات الشيعة , أو يزعم مقصر أنه من مجعولات الغلاة !! بل أختار قصة المعراج التي صرح بها القرآن الكريم , بحيث أن الاعتقاد بالمعراج من ضروريات الدين الحنيف ومنكره خارج عن ربقة الإسلام. وحديثنا هنا مع المسلمين. ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ). ( والنجم إذا هو , ما ضل صاحبكم وما غوى , وما ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى , علمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى , ثم دنى فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى ربه ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى , أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلةً أخرى , عند سدرة المنتهى , عندها جنة المأوى , إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ). عقيدتنا أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حصل له المعراج بهذا الجسد المبارك , واللباس الذي كان لابسا إياه , والعمامة التي كان معتما بها , والحذاء الذي كان منتعلاً به. لقد طوى عالم الإمكان بدعوة من الخالق العظيم , وقدرته , وكما تصرح به الروايات فانه سار في ليلة واحدة من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى , ومن هناك إلى السماوات , وفلك الأفلاك , وتجاوز حدود عالم الملك , فقطع عالم الملكوت والجبروت , وبلغ عالم اللاهوت فكلم رب الأرباب قاب قوسين أو أدنى , دون وساطة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل. ( علمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى , وهو بالأفق الأعلى ) لعله كان إلى هذه المرحلة يرافقه الملائكة وأمين الوحي ( ففي بعض الروايات أن المراد من شديد القوى هو جبرئيل , لكن التفسير الأصح والمناسب لشديد القوى هو أنه الله تعالى , لأنه ذو القوة المتين ) وعلى أية حال: ( ثم دنا فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى ) هنا تعدى حدود الملائكة المقربين , ودخل إلى ساحة الخلوة الإلهية , حيث لا أثر لسوى الله تعالى , حتى حملة العرش تندثر وتنمحي هنا , ولا تستطيع أن تكسر هذا الحصار وتقترب أكثر فقد قال جبرئيل: ( لو دنوت أنملة لاحترقت ) فالحبيب بجسده المادي وهيكله الظاهري اقترب من جناب المحبوب وكلمه بلا واسطة , وهناك: ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ما الذي شاهده في ذلك الجو النوراني , والمحيطات الهائلة اللامتناهية من النور والضياء والعظمة , وما الذي سمعه؟! لا أحد يدري غير الله ورسوله , ونفس رسوله الذي هو حامل علمه , يعني علياً أمير المؤمنين عليه السلام. بينما يصرح القرآن: ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ونحن نعلم أنه لا آية أكبر من علي وذاته المقدسة في حرم الكبرياء , إن بصيرة الرسول نافذة , وباصرته لا ترى إلا الحق , فلا ريب هناك ولا مين ولا زيغ ولا ضلال: ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) إن المعاند المفتري , وصدره الضيق هو الذي لا يتحمل الحقائق فيشكك فيها بينما يقول الباري تعالى: ( أفتمارونه على ما يرى ؟! )  ثم يجيب بصراحة , قائلاً انه لا يخطئ ولم يزغ عن الحق: ( ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) والخلاصة أن هذا الموجود اللآهوتي طوى جميع العوالم الإمكانية خلال ليلة أو دقائق ( على اختلاف التعابير والروايات ) بجسمه الشريف , وهذا الكيان البشري , ولم يبقى موضع في عالم الكون إلا ووطئه بقدمه الشريف: أي فيلسوف أو فلكي أو محاسب قدير يستطيع معرفة سرعة حركة الرسول ليلة المعراج ؟! ويقدر المسافة التي طواها ؟! لا أحد يستطيع ذلك , فلا مدقق حسابات ولا رياضي ولا عقل الكتروني ولا نبي مرسل ولا ملك مقرب يستطيع ذلك !! إن حساب ذلك وإحصاءه خارج عن قدرة ما سوى الله فالله أعلم بذلك ورسوله وأولياءه. أيها القارئ الكريم: تصور أن المسافة التي لا يستطيع أن يقطعها الضوء مع سرعته العجيبه في ملايين السنين الضوئية و قطعها هذا الموجود الفذ في فترة قصيرة جداً فانظر إلى هذه الموهبه , واعجب لهذه العظمة , ودقق في هذه السرعة !! ثم أذعن بقدرة الله اللامتناهية. فيا ايها المسلم: أين مقام البشر , ومقام خير البشر ؟! إن الطينة النورانية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , والتي شاركه فيها علي وفاطمة وأبناؤهما الأحد عشر , هي التي خلقت من نور الله تعالى , فعاد ذلك الوجود النوري ليصل إلى مقام أو أدنى من النور الإلهي الذي عم كل الوجود. لقد عاد إلى مهده الأول , فرأى الآيات الكبرى !! هناك حيث لا طريق للملائكة المقربين ولا مجال لحملة العرش … هناك حيث الحبيب ومحبوبه !! ومن عنده علم الكتاب أجل: صاحب البيت والضيف العظيم ووليد البيت !! هؤلاء هم المطلعون على سر تلك الخلوة !!!   نفهم من هذه المقدمات أن الحقيقة الطاهرة للرسول الأعظم هي أسمى من طينة البشر بل لا مجال للمقارنة !! إنه كان موجوداً لاهوتياً تردى رداء البشرية بارادة الله ليقوم بهداية الناس , كما كان جبرئيل أمين الوحي يتردى برداء البشرية أحياناً ويظهر بصورة دحية الكلبي قال تعالى: ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ) هذه المعجزة العظيمة تفوق كل معاجز الأنبياء والمعصومين عليهم السلام. وإذا أنكر أحد فضائل المعصومين ومعاجزهم , فلا يسعه إنكار هذه المنقبة العظمى التي صرح بها القرآن الكريم. وحتى لو قلنا بالمعراج الروحاني , فان ذلك يدل على سمو منزلتهم لأن سائر الأرواح لا طريق لها إلى مقام ( أو أدنى ) … في حين ان المعراج الجسماني من ضروريات الإسلام , ومنكره بمنزلة الكافر وإن ظاهر بالإسلام.   إن قصة المعراج تثبت إحاطة علم الرسول وهيمنته على جميع العوالم الإمكانية , وشرفه على جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين. ومع ذلك فهو عبد مطيع , ومحتاج إلى حضرة ذي الجلال , ونموذج قدرته السامية , وإحاطته اللامتناهية فقولهم عليهم السلام:ط ( نزهونا عن الربوبية , وقولوا فينا ما شئتم , ولن تبلغوا ) منسجم مع الأدلة والبراهين المحكمة. فما عسى المرء أن يقول تجاه هذا المقام المنيع ؟! أجل , غاية ما نستطيع قوله في شأن المعصومين عليهم السلام أنهم عالمون بالغيب , وعلمهم حضوري وإحاطي وقد جرى بحث مفصل واستدلالات عميقه حول هذه المسألة بينما مسألة المعراج تحل الاشكال وتأتي بالجواب القطعي. لماذا ؟! لأن صاحب المعراج شاهد جميع زوايا الوجود بعينه اللتيين في رأسه , فلا يبقى مجال للعلم الإرادي. في هذا التجوال المبارك لم يبق مكان حتى يخفى على الرسول , ويأتي دور السؤال يعلم أو لا يعلم ؟! إن أشد المسائل غوراً في الغيب: الجنة والنار ومع ذلك فقد شاهداهما رسو الله ( ص )  في أثناء المعراج , وحكى طرفاً من اخبارهما للأصحاب بعد ذلك. لقد أخبر بوجود بعض الناس في النار , رغم أنهم كانوا أحياء في عصره , فالمسألة تجاوزت طي المكان إلى طي الزمان أيضاً. فلم يبقى موضع يغيب عن ناظريه. فمهما نقول في حق هؤلاء , لا نزال مقصرين عن اللحوق بشأوهم ولذلك قالوا عليهم السلام ( ولن تبلغوا ) !! أجل , لا يبلغ أحد وصف الحقيقة.   هل نستطيع إذن فهم سر المعراج ؟ واستيعاب السرعة الهائلة في هذا السر والسلوك ؟! هل نتوصل إلى آلاف الأسرار التي تفوق الوهم والخيال والحدس ؟! كلا غاية ما نقوله , أنهم ليسوا آلهة , ولا يشاركون الله تعالى في فعله , ولا يفعلون شيئاً دون إذن الله جلا وعلا , بل إنهم عباد مقربون , ومظاهر للصفات الربوبية , والسفراء بين الله والبشر , لا يستقلون بأمر مطلقاً. ( بل عباد مكرمون , لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ). هذه هي العقيدة الصحيحة والنمط الأوسط الذي يختلف عن عقيدة الغالين ومذهب القالين.     وبصورة موجزة , فإن للمعصومين عليهم السلام ثلاث مراتب ١ – المقام الحقي: حيث الملائكة وجميع ما سوى الله مأمورون بالخضوع للمعصومين عليهم السلام في هذه المرتبة علمهم وارادتهم يستمدون من علم الله وارادته , وقدرتهم مكتسبة من قدرة الباري جل وعلا لا شيء في الوجود خارج عن دائرة سلطتهم وولايتهم الكبرى وفي هذه المرحلة حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين يجهلون عظمة مراتبهم المعنوية ولقد ورد عنهم عليهم السلام: ( لنا مع الله حالات , لا يحتملها , ملك مقرب , وملا نبي مرسل , ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ) ٢ – المقام الملكي: في هذه الرتبة يحلقون كالملائكة نحو السماوات في خفه ولطافة , تطوى لهم الأرض , وينفذون في الأجسام الصلبة , ويعبرون الجدران السميكة , ويدخلون من الأبواب المغلقة. ٣ – المقام البشري: إنهم في هذه الرتبة يأكلون كما يأكل الناس , ويشربون وينكحون ويستريحون كغيرهم من أفراد البشر تتأثر أجسامهم بالسم والسهام , وينطبق عليهم قوله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) ولقد عبر صاحب الولاية الكبرى في رسالة إلى معاوية على هذه الحقيقة حيث يقول: ( لولا ما نهى الله من تزكية المرء لنفسه , لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين , ولا تمجها آذان السامعين فانا صنايع ربنا , والخلق بعد صنايع لنا لم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الاكفاء ولستم هناك ) دقق في هذه العبارة الموجزة , الصادرة من أمير المؤمنين عليه السلام , وهو لا يبالغ ولا يدعي جزافا لترى صحة ما نعتقده. علماً بأنهم عليهم السلام في المقام البشري واجدون للمقام الحقي والمقام الملكي أيضاً.   وأخيراً فان الله تعالى جعل حبيبه ورسوله المختار يطلع على عظمة الخلق وأسرار التكوين , وكشف له عن مرتبة عين اليقين وحق اليقين. وقد نطق القرآن الكريم بأنه: ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) ويقول في موضوع آخر: ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً , إلا من ارتضى من رسول ) فمن الواضح أن المحبوب تعالى جعل حبيبه يطلع على كل ما في الغيب منذ اللحظة الأولى , وكانت مسألة المعراج مرآة لانعكاس تلك المراتب في ذاته.   وأما تفسير لقاء الرب: لقد ورد في تفسير لقاء الرب أنه بمعنى لقاء رحمة الرب , فحذف المضاف كثير في اللغة العربية , وقد استعمل في القرآن الكريم أيضا كقوله تعالى: ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) أي جاء أمر ربك اما إذا قلنا أن لقاء الرب يعني لقاء الرسول الأعظم صىل الله عليه وآله وسلم فهو مناسب للمقام , لأنه رحمة الله الواسعة , ورحمة للعالمين , وجه الله الباقي. ومن البديهي أن اللقاء مع شخص لقاء مع وجهه لا مع ذاته وحقيقته , وإذ كان الرسول ( ص ) الوجه الباقي لذي الجلال , حيث يقول: ( من رآني فقد رآى الحق  ) صح التعبير. وقد ورد في الحديث الصحيح أن من يواظب على زيارة عاشوراء كل يوم فكأنه زار الله في عرشه وهناك حديث مشابه حول زيارة أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً إذن , معنى الآية: أن كل من يريد لقاء رسول الله وأمير المؤمنين في الجنة عند حوض الكوثر , فليعمل عملاً صالحاً , ولا يشرك بعبادة ربه احداً إذ من البديهي أن لقاء ذات الله تعالى محال من قبل المخلوقين !!

الكاتب: الإمام المصلح والعبد الصالح الحاج الميرزا حسن الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب رسالة الإنسانية

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة