المدرسة الشيخية من الحكمة الإلهية في المذهب الشيعي

المدرسة الشيخية من الحكمة الإلهية في المذهب الشيعي

المدرسة الشيخية من الحكمة الإلهية في المذهب الشيعي

المدرسة الشيخية
 من الحكمة الإلهية في المذهب الشيعي
 لو كان لدينا شاخص كامل وواضح نستمده من مصدر آخر عن تنامي الفكر الشيعي في كل دور من أدواره , لأضحى من الأيسر علينا تحديد معالم المدرسة الشيخية واستنباط مفهومها الحقيقي. ولكن من المؤسف أن جهوداً كبيرة ودراسات موسعة يجب أن تبذل في هذا الحقل حتى يمكن الولوج في تفريعات الفكر الشيعي واستكناه ما طرأ عليه من تطورات وتبدلات.
 ولعل استيعاب مبادئ المدرسة الشيخية يعد – بلا ريب – واحداً من أقصر الطرق التي يمكن عبرها الاقتراب من تلك الغاية.
 المدرسة التكاملية:
 موضوع بحثنا في هذه الرسالة هو المذهب الشيخي أو المدرسة الشيخية في ضوء المعنى الشائع لهذه الكلمة في كل من العراق وإيران والتي أطلق عليها هذا المعنى نسبة لمؤسسها الأجل أحمد الأحسائي.
 وعلى الرغم من كل ما قيل فلا شك في أن الشيخ لم يكن في حسبانه قط أن يكون مؤسساً لمدرسة متميزة وإنما كان مطمحه الوحيد التمسك التام بالتعاليم الشاملة لأئمة المذهب الشيعي الإثني عشري وإحياء علومهم وبعثها من جديد.
 ولهذا يبدو من الأصواب والأفضل إطلاق اسم ( المدرسة التكاملية ) عليها واستخدام هذه الكلمة لبيان خصائصها بشرط عدم التقيد بنفس المدلول الذي تعطيه هذه الكلمة في الغرب لأنه ليس المراد الحقيقي منها حفظ الأصول والمعتقدات القائمة تعبداً على أساس فرضيات واتسدلالات منطقية ولا الغاية الأساسية منها الانكماش في قلب الكلمات والبحث في ظواهر الألفاظ ولا المراد منها هو التظاهر السطحي المجرد.
 ( التكاملية ) التي نقصدها هنا تعني التمسك بأصول العقائد والشرائع مع الرعاية التامة للآفاق الروحية والمعنوية المنسجمة مع الشريعة والمشروطة بالإعتقاد بالمذهب الإمامي الذي يراد به هنا ( التشيع الكامل ) الذي لا يعني – اصطلاحاً – إلا تصديق المعنى اللغوي لكلمة الشيعة والذي يقصد به في الواقع المؤمنين بالأئمة الأطهار والواقفين على أسرارهم.
 المكانة العلمية للمدرسة:
 من المؤكد أن الفكر الشيعي والعالم الشيعي شهد على مدى ثلاثة قرون اعتباراً من عهد نصير الدين الطوسي وحتى عهد النهظة الصفوية تطوراً هاماً.
 ويمكن الإشارة إلى الشخصيات البارزة التي ظهرت في تلك الحقبة مثل: العلامة الحلي وابن أبي جمهور ورجب البرسي وحيدر الآملي وعلي تركه الأصفهاني وآخرين غيرهم.
 ظهرت أولي ثمار المدارس الفلسفية التي ازدهرت في ذلك العصر متجسدة بالميرداماد ومدرسة إصفهان.
 وانحصر هذا الانبعاث الفلسفي وإحياء الحكمة بالإسلام السائد في إيران وبقي بلا معادل يضاهيه في سائر بلدان العالم الإسلامي.
 ولكن من المسلم به أيضاً أن الحكمة الإلهية الشيعية – وإن كانت قد تبوأت موقعها المناسب على عهد الانبعاث الذي حصل في العهد الصفوي – إلا أنها ما كادت تطل من وراء الستار حتى وجدت نفسها تجابه صيغاً رسمية وأوضاعاً سلبية لا تقل عن سابقاتها حيث واجه الملا صدرا الشيرازي وتلاميذه ومن جاؤوا بعده مشاكل لا يستهان بها من قبل الحوزة العلمية الرسمية مما اضطرهم إلى انتهاج أسلوب التقية إلى حد ما والتمسك بنظام التعليم السري.
 كان اهتمام الجهات الرسمية وأولي الأمر بنصب بأجمعة على علم القضاء من الفقه والأصول إضافة إلى الأحكام الظاهرية والقضايا المتعلقة بالحقوق والذمة وكان الوقت يهدر في دراسة مسائل فرعية قد لا تكون محل ابتلاء ولا مرة واحدة على مدى العمر.
 وفي مقابل هذا الالتصاق الشديد بالفقه والأصول وظاهر الأحكام كان – وللأسف – كل من يبدي اهتماماً بالحكمة الإلهية يتهم بالغباء ويعرض نفسه لسوء الظن فيه.
 ومع كل هذا كيف يتسنى لمن استوعبوا كلام الأئمة الذي هو ينابيع الحكمة الإلهية التنصل عن هذه النزعة والتنحي جانباً؟ غاية ما في الأمر إن التشيع الذي اضطرته قسوة الأحداث إلى اتباع اسلوب التخفي حافظ على وضعه الباطني ومرت على اتباعه أوضاع كالتي تمر على الدوام على أصحاب الحكمة والعرفان.
 إن هذا الوضع الذي شرحناه على هذه العجالة ( وهو موضوع يحظى بكثير من البحث والجدال في إيران ) يعكس على العموم مكانة المدرسة التي اشتهرت باسم المدرسة ا لشيخية وهي المدرسة التي تدعوا إلى إدراك كامل لقضية الإمامة وتستهدف على الدوام الارتقاء بمستوى المذهب الإمامي.
 المنهج الحكمي والفلسفي للمدرسة:
 في الوهلة الأولى تبدو هذه الرغبة والعزم على الارتقاء بمستوى المذهب والسعي لرفع مستوى إدراك الناس في معرفة الإمام هي التي أبرزت هذه المدرسة بهذه الصورة وبهذه الملامح وهي أنها طبعت عالم المعنى بنمط جديد من ( التهذيب ) وأكسبت عالم الغيب نسقاً ونظماً جديداً.
 هذا التهذيب والنظم منح هذه المدرسة قدرة على العمل الميداني جعلها تختلف كلياً عن سائر الحركات الإصلاحية التي عرفت في شتى أرجاء العالم الإسلامي والتي كانت تنصب جل مساعيها على إيجاد تطابق بين الدين وبين مستلزمات العصر فالسير على طريقة الحكمة الإلهية – والمراد بها هنا طبعاً الحكمة المستقاة من أحاديث وروايات الأئمة الأطهار – وعدم القول بترجيح علم الفقه والأصول على الحكمة الإلهية لم يكن أمراً مفهوماً وقابلاً للهضم بشكل بديهي وبلا مقدمات لدى جميع المجتهدين.
 إن لم نقل بشكل أصح إن صياغة أدمغتهم وعقولهم ونفوسهم لم تكن بشكل يسمح لهم بالأخذ بتلك المسائل التي كانت حينما تعرض عليهم تثير فيهم الفزع والاضطراب.
 وبناء على هذا يستبعد أن تنظم المدرسة الشيخية – بكل بساطة – إلى معسكر الحكماء من أتباع الملا صدرا والفلاسفة السائرين على نهج ابن سينا والإشراقين وتنصب خيمتها إلى جانب خيامهم ولكن من المؤكد أنها تلتقي معها وتتقاطع وإياها في مواضع أخرى إلا أن مصادر الشيخية تعول وتستسقي على الدوام من أخبار وأحاديث الأئمة الأطهار ونمط التفكير على طريقة الرواقيين أكثر باطنية وأكثر اعتماداً على أسلوب الفهم والتفهيم من أسلوب الجدل والاستدلال العقلي.
 وهذا ما يرسم فاصلاً كبيراً بين المدرسة الشيخية والفلاسفة والحكماء السالف ذكرهم بل ويرسم بنفس القدر أيضاً فاصلة بين الشيخية والصوفية لأن شيخ الطريقة بالشكل المتعارف لدى الصوفية يعتبر في نظر الشيخية كغاصب النيابة عن الإمام الغائب ووضعه لا يتماشى مع الاعتقاد بغيبة الإمام وزمن الغيبة بل إن الشيعي المؤمن بالسير والسلوك لا يمكن أن يكون له إلا شيخاً وموجهاً واحداً معروفاً بإسمه ورسمه وهو الإمام صاحب الزمان الغائب عن البصر والحاضر في القلب.
 ومن هنا فإننا نجد أنفسنا في مواجهة نمط من أصول العقائد ونوع من المعنوية الخاصة التي تشترك في بعض أوجه الشبه مع الفلاسفة ( الإشراقين مثلاً ) ومع الصوفية بدون أن تتخذ نفس هيئتها ووضعها لأن المدرسة الشيخية أرسى أساسها على تعاليم الأئمة الأطهار واتخذت من أحاديثهم ميزاناً لها.
 ومن هنا ت برز أمامنا المصاعب لأن تعاليم الأئمة هذه يجب أولاً وقبل كل شيء أن تفهم – وحتى تفاصيلها الجزئية – على وجه الدقة إضافة إلى تعيين مكان كل شيء على وجه الدقة ويجب أن نعلم أن هذه التعاليم جاءت في مجموعة هائلة من الأحاديث التي لا تشمل فقط الأحاديث والروايات التي ضمتها موسوعة المجلسي الكبرى بل وتشمل أيضاً أخباراً وأحاديث وردت في كتب ورسائل أخرى وتوجد في تلك الرسائل – على وجه الخصوص – أحاديث يستشف منها الإهتمام بالمعارف الباطنية بشكل أوضح.
 وهذا القسم الأخير يستلزم دراسة موسعة يجب الشروع فيها منذ عهد المؤلفين الإسماعيلين الذين نقلوا تلك الأخبار.
 تعتبر هذه المجموعة ا لهائلة أساساً لتفسير باطن القرآن وفقاً للأحاديث الواردة عن الأئمة الأطهار فحسب كما وتمثل في الوقت ذاته موسوعة تشتمل على أنواع العلوم والمعلومات وعندما يريد علماء الشيخية التأكيد على انتماء آرائهم إلى التعاليم الكاملة للأئمة فأنهم يشيرون إلى رجوعهم إلى هذه المجموعة ا لهائلة.
 ولغرض إدراك مدى تأثير وفعل هذه المجموعة الهائلة في البعد المعنوي الذي هو جوهر وحقيقة التشيع يجب مسبقاً استلال ركائز وصياغتها العامة ودراسة تبويب مواضيعها ونصوصها ومصادرها وملاحظة الدوافع التي أدت إلى تبويب تلك الأخبار والأحاديث على نمط خاص وما إلى ذلك.
 مدرسة الإحياء والتجديد:
 لقد قدم لنا المؤلفون الشيعة أنفسهم معايير ودلالات عديدة في هذا الصدد فالخونساري مثلاُ شرح بعضاً منها. ( ويتميز الخونساري بأنه ينظر إلى الشيخ أحمد الأحسائي وأثاره بإجلال وإحترام في حين يذكره الآخرون ببغض وكراهية حتى أنهم يضلون أي محقق إذا لم تكن لديه معلومات مسبقة في هذا الصدد ).
 ويستشف من تلك المعاير والدلالات إنها تعتبر المدرسة الشيخية تجديداً أو إحياءً ولا تمثل على الإطلاق بدعة في داخل مذهب الإمامية وإذا كانت تدعي أنها استمدت كافة الروايات المتعلقة بالحكمة الإلهية من أقدم الرواة فهي محقة وصادقة في  ادعائها هذا يضم المسرد الذي نظمه الخونساري – بناء على ما في ذاكرته – وأورد أسماء كثيرة لشخصيات مشهورة – مع ما يتسم به هذا المسرد من نقص وعدم دقة – لا يمكن وصم أياً منها بوصمة الغلو إلا عن جهل وتسرع.
 ولأجل بيان الرؤية الشيخية يبدومن الأفضل عدم استخدام كلمة ( الغلو ) وأن نستخدم بدلاً منها كلمة ( التكاملية ) بمعناها الدقيق الذي سبق ذكره لأنها تعكس حقيقتها وتحقق القصد الذي أضفى الأصالة على هذه الحقيقة وبدون إصدار أي رأي قاطع أو حكم متعصب ضد ما كان وسيكون فيه كمال ووحدة التشيع.
 الأسباب المضللة للباحثين:
 يبدو أن بعض المستشرقين فرضت عليهم توجهات بحوثهم إلقاء نظرة سطحية على مدرسة الشيخ ومن سوء الحظ أن أمثال هذه الأحكام والتهم قد أضلتهم ولم يستطيعوا سبر أغوار هذه المدرسة ومعرفتها على حقيقتها.
 ولا يخفى أنهم كانوا معذورين في موقفهم ذلك إلى حد ما فالنصوص والعبارات عسيرة على الفهم والكتب غير متوفرة في كل مكان بالإضافة على وجوب تغيير نغمة الكثير من المصطلحات والارتقاء بها وتفسير ابعادها بما يتفق وحقائق المدرسة الشيخية لأجل استيعاب مفهومها الحقيقي كما أريد له في الواقع.
 ثم أن العالم لا يمكنه الغوص في الكثير من القضايا إذا لم تتوفر لديه المعلومات اللازمة مسبقاً.
 وهم حتى إن كانوا على معرفة بشخصية الشيخ الأوحد الأحسائي وخلفه بلا منازع السيد كاظم الرشتي ولكن يبدوا أنه لم يكتب حتى الآن عن تلامذته – حتى هذه الأيام – شيء باي من اللغات الغربية.
 والحقيقة أن ما قدمناه في هذه الرسالة المقتضبة كان مجرد أطروحة ستكون في المستقبل القريب مقدمة لدراسة مبرمجة وشاملة.
 من البديهي أننا لا يسعنا الإستسلام للمعلومات التي قدمها مؤرخون لا ينتسبون إلى الشيخية بل نطمح إلى التعريف بآراء ومعتقدات هذه المدرسة ومعناها وحقيقتها الباطنية.
 الكاتب: الفيلسوف الفرنسي الدكتور هنري كوربان
 المصدر: نظرة فيلسوف في سيرة الشيخ الأحسائي والسيد الرشتي
إذا أردت نقل الموضوع إلى موقعك ومدونتك فذكر المصدر

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة