عن إسماعيل بن جابر ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين يقول : (( إنَّ الله تبارك و تعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء فلا نبيّ بعده ، و أنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده ، أحلّ فيه حلالاً و حرّم فيه حراماً ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة ، فيه شرعكم و خبر قبلكم و بعدكم .
و جعله النبي صلى الله عليه و آله علماً باقياً في أوصيائه ، فتركهم الناس و هم الشهداء على أهل كل زمان و عدلوا عنهم ، ثمّ قتلوهم و اتَّبعوا غيرهم و أخلصوا لهم الطاعة ، حتّى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر و طلب علومهم ، قال الله سبحانه : { فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ وَ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلَى خائِنَةٍ مِنهُم } .
و ذلك أنّهم ضربوا بعض القرآن ببعض ، و احتجَّوا بالمنسوخ و هم يظنّون أنّه الناسخ ، و احتجّوا بالمتشابه و هم يرون أنّه المحكم ، و احتجّوا بالخاص و هم يقدرون أنّه العام ، و احتجّوا بأوّل الآية و تركوا السبب في تأويلها ، و لم ينظروا إلى ما يفتح الكلام و إلى ما يختمه ، و لم يعرفوا موارده و مصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلّوا و أضلوا .
و اعلموا رحمكم الله ، أنّ من لم يعرف من كتاب الله عزوجل الناسخ من المنسوخ ، و الخاص من العام ، و المحكم من المتشابه ، و الرخص من العزائم ، و المكي و المدني ، و أسباب التنزيل ، و المبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة و المؤلّفة ، و ما فيه من علم القضاء و القدر و التقديم و التأخير ، و المبيّن و العميق و الظاهر و الباطن ، و الابتداء و الإنتهاء و السؤال و الجواب و القطع و الوصل و المستثنى منه و الجاري فيه ، و الصفة لما قبل ممّا يدلّ على ما بعد و المؤكّد منه ، و المفصّل ، و عزائمه و رخصه ، و مواضع فرائضه و أحكامه ، و معنى حلاله و حرامه الذي هلك فيه الملحدون ، و الموصول من الألفاظ ، و المحمول على ما قبله ، و على ما بعده ؛ فليس بعالم بالقرآن و لا هو من أهله .
و متى ما ادّعى معرفة هذه الأقسام مدّع بغير دليل ، فهو كاذب مرتاب ، مفتر على الله الكذب و رسوله { و مَأواهُ جَهَنَّمُ و بِئسَ المَصير } .
و لقد سأل أمير المؤمنين صلواتُ الله عليه شيعته عن مثل هذا ، فقال :
إنّ الله تبارك و تعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام ، كلّ قسم منها شاف كاف ، و هي : أمر و زجر و ترغيب و ترهيب و جدل و مثل و قصص ، و في القرآن ناسخ و منسوخ ، و محكم و متشابه ، و خاصّ و عام ، و مقدّم و مؤخّر ، و عزائم و رخص ، و حلال و حرام ، و فرائض و أحكام و منقطع معطوف و منقطع غير معطوف ، و حرف مكان حرف .
و منه ما لفظه خاصّ و منه ما لفظه عام محتمل العموم .
و منه ما لفظه واحد و معناه جمع ، و منه ما لفظه جمع و معناه واحد .
و منه ما لفظه ماض و معناه مستقبل .
و منه ما لفظه الخبر و معناه حكاية عن قوم آخرين .
و منه ما هو باق محرّف عن جهته .
و منه ما هو على خلاف تنزيله ، و منه ما تأويله في تنزيله .
و منه ما تأويله مع تنزيله و منه ما تأويله قبل تنزيله و منه ما تأويله بعد تنزيله .
و منه آيات بعضها في سورة و تمامها في سورة أخرى .
و منه آيات نصفها منسوخ و نصفها متروك على حاله .
و منه آيات مختلفة اللفظ متّفقة المعنى ، و منه آيات متّفقة اللفظ مختلفة المعنى .
و منه آيات فيها رخصة و إطلاق بعد العزيمة لأنّ الله عزوجل يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه .
و منه رخصة صاحبها فيها بالخيار إن شاء أخذ بها و إن شاء تركها .
و منه رخصة ظاهرها خلاف باطنها .
و منه ما يُعمَل بظاهرها عند التقيّة و لا يُعمَل بباطنها مع التقيّة .
و منه مخاطبة لقوم و المعنى لآخرين .
و منه مخاطبة للنبي صلى الله عليه و آله و معناه واقع على أمّته .
و منه لا يُعرَف تحريمه إلّا بتحليله .
و منه ما تأليفه و تنزيله على غير معنى ما أنزِلَ فيه .
و منه ردّ من الله تعالى و احتجاج على جميع الملحدين و الزنادقة و الدهريّة و الثنويّة و القدريّة و المجبّرة و عبدة الأوثان و عبدة النيران .
و منه احتجاج على النصارى في المسيح عليه السلام .
و منه رد على اليهود .
و منه رد على من زعم أنّ الإيمان لا يزيد و لا ينقص و أنّ الكفر كذلك .
و منه رد على من زعم أن ليس بعد الموت و قبل القيامة ثواب و عقاب .
و منه رد على من أنكر فضل النبي صلى الله عليه و آله على جميع الخلق .
و منه رد على من أنكر الإسراء به ليلة المعراج .
و منه رد على من أثبت الرّؤية .
و منه صفات الحق و أبواب معاني الإيمان و منه وجوبه و وجوهه .
و منه رد على من أنكر الإيمان و الكفر و الشرك و الظلم و الضّلال .
و منه رد على من وصف الله تعالى وحده .
و منه رد على من أنكر الرّجعة و لم يعرف تأويلها .
و منه رد من زعم أنّ الله عزوجل لا يعلم الشيء حتّى يكون .
و منه رد على من لم يعرف الفرق بين المشيّة و الإرادة و القدرة في مواضع .
و منه معرفة ما خاطب الله عزوجل به الأئمّة و المؤمنين .
و منه أخبار خروج القائم منّا عجّل الله فرجه .
و منه ما بيّن الله تعالى فيه شرائع الإسلام و فرائض الأحكام و السّبب في معنى بقاء الخلق و معايشهم و وجوه ذلك .
و منه أخبار الأنبياء و شرائعهم و هلاك أممهم .
و منه ما بيّن الله تعالى في مغازي النبي صلى الله عليه و آله و حروبه و فضائل أوصيائه و ما يتعلّق بذلك و يتّصل به .
فكانت الشيعة إذا تفرغت عن تكاليفها ، تسأله عن قسم قسم فيخبرها ، فممّا سألوه : عن الناسخ و المنسوخ فقال صلوات الله عليه :
إنّ الله تبارك و تعالى بعث رسوله صلى الله عليه و آله بالرّأفة و الرّحمة .
فكان من رأفته و رحمته أنّه لم ينقل قومه في أوّل نبوّته عن عاداتهم حتّى استحكم الإسلام في قلوبهم و حلّت الشريعة في صدورهم .
فكان من شريعتهم في الجاهلية أنّ المرأة إذا زنت حُبِسَت في بيتٍ ، و أُقيم بأودها حتى يأتيها الموت ، و إذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم ، و شتموه و آذوه و عيّروه و لم يكونوا يعرفون غير هذا .
قال الله تعالى في أوّل الإسلام : { و اللَّاتي يَأتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُم فَاستَشهِدُوا عَلَيهِنَّ أربَعَةً مِنكُم فَإن شَهِدُوا فَأَمسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوت أو يَجعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبيلاً * و الَّذانِ يَأتِيانِها مِنكُم فَآذُوهُما فَإن تابا و أصلَحا فَأَعرِضُوا عَنهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحيماً } .
فلمّا كثر المسلمون و قوي الإسلام و استوحشوا أمور الجاهلية أنزل الله تعالى : { الزَّانِيَةُ و الزَّانِي فَاجلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلدَةٍ } إلى آخر الآية .
فنسخت هذه الآية ، آية الحبس و الأذى .
و من ذلك أنّ العدّة كانت في الجاهلية على المرأة سنةً كاملةً ، و كان إذا مات الرّجل ألقت المرأة خلف ظهرها شيئاً بعرةً أو ما يجري مجراها ، و قالت : البعل أهون عليّ من هذه فلا أكتحل و لا أمتشط و لا أتطيّب و لا أتزوّج سنةً كاملة ، فكانوا لا يخرجونها من بيتها بل يجرون عليها من تركة زوجها سنةً .
فأنزل الله تعالى في أوّل الإسلام : { و الَّذينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم و يَذَرُونَ أزواجاً وَصِيَّةً لِأزواجِهِم مَتاعاً إلَى الحَولِ غَيرَ إخراجِ } .
فلمّا قوي الإسلام أنزل الله تعالى : { و الَّذينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم و يَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصنَ بِأنفُسِهِنَّ أربَعَةَ أشهُرٍ فَإذا بَلَغنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيكُم } إلى آخر الآية .
قال عليه السلام : و منه أنّ الله تبارك و تعالى لمّا بعث محمداً صلى الله عليه و آله أمره في بدو أمره أن يدعو بالدّعوة فقط ، و أنزل عليه : { يا أيُّهَا النَّبيُّ إنَّا أرسَلناكَ شاهِداً و مُبَشِّراً و نَذِيراً * و داعِياً إلَى اللَّهِ بإذنهِ و سِراجاً مُنيراً * و بَشِّرِ المُؤمِنِينَ بأنَّ لَهُم مِنَ اللَّهِ فَضلاً كَبيراً * و لا تُطِعِ الكافِرينَ و المُنافِقِينَ و دَع أذاهُم و تَوَكَّل عَلَى اللَّهِ و كَفى بِاللَّهِ وَكيلاً } فبعثه اللَّه تعالى بالدّعوة فقط و أمره أن لا يؤذيهم .
فلمّا أرادوا و همّوا به من تثبيته أمره الله تعالى بالهجرة ، و فرض عليه القتال فقال سبحانه : { أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهُم ظُلِمُوا و إنَّ اللَّهَ عَلَى نَصرِهِم لَقَدير } .
فلمّا أمر الناس بالحرب جزعوا و خافوا ، فأنزل الله تعالى : { أَلَم تَرَ إلَى الَّذينَ قيلَ لَهُم كُفُّوا أيدِيَكُم و أقيمُوا الصَّلاةَ و آتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ إذا فَريقٌ مِنهُم يَخشَونَ النَّاسَ كَخَشيَةِ اللَّهِ أو أشَدَّ خَشيَةً رَبَّنا لِمَ كَتَبتَ عَلَينَا القِتالَ لَو لا أخَّرتَنا إلى أجَلٍ قَريب } إلى قوله سبحانه : { أينَما تَكُونُوا يُدرِككُمُ المَوتُ و لَو كُنتُم في بُرُوجٍ مُشَيَّدةٍ } فنسخت آية القتال آية الكفّ .
فلمّا كان يوم بدر و عرف الله تعالى حرج المسلمين أنزل على نبيّه : { و إن جَنَحُوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَها و تَوَكَّل عَلَى اللَّهِ } فلمّا قوي الإسلام و كثر المسلمون أنزل الله تعالى : { فَلا تَهِنُوا و تَدعُوا إلَى السَّلمِ و أنتُم الأَعلَونَ و اللَّهُ مَعَكُم و لَن يَتِرَكُم أعمالَكُم } فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها أن يجنحوا إلى السلم ، ثمّ أنزل سبحانه في سورة أخرى : { فَاقتُلُوا المُشرِكِينَ حَيثُ وَجَدتُمُوهُم و خُذُوهُم و احصُرُوهُم } إلى آخر الآية .
و من ذلك أنّ الله تعالى فرض القتال على الأمّة فجعل على الرجل الواحد أن يقاتل عشرةً من المشركين ، فقال : { إن يَكُن مِنكُم عِشرُونَ صابِرُونَ يَغلِبُوا مِائَتَينِ و إن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغلِبُوا ألفاً مِنَ الَّذينَ كَفَروا } ؛ ثمّ نسخها سبحانه فقال : { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم و عَلِمَ أنَّ فيكُم ضَعفاً فَإن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغلِبُوا مِائَتَينِ و إن يَكُن مِنكُم ألفٌ يَغلِبُوا ألفَين } ؛ فنسخ بهذه الآية ما قبلها فصار من فرّ من المؤمنين في الحرب إن كان عدّة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارّاً من الزحف ، و إن كانت العدّة رجلين لرجل كان فارّاً من الزحف .
و قال عليه السلام : و من ذلك نوع آخر ، و هو أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله لمّا هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين و الأنصار ، و جعل المواريث على الأخوّة في الدين لا في ميراث الأرحام و ذلك قوله تعالى : { إنَّ الَّذينَ آمَنُوا و هاجَرُوا و جاهَدُوا في سَبيلِ اللَّهِ و الَّذينَ آوَوا و نَصَرُوا أولئِكَ بَعصُهُم أولِياءُ بَعضٍ و الَّذينَ آمَنُوا و لَم يُهاجِرُوا ما لَكُم مِن وَلايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا } فأخرج الأقارب من الميراث و أثبته لأهل الهجرة و أهل الدين خاصّةً ، ثمّ عطف بالقول فقال تعالى : { و الَّذينَ كَفَروا بَعضُهُم أولياءُ بَعضٍ إلَّا تَفعَلُوهُ تَكُن فِتنَةٌ في الأرضِ و فَسادٌ كَبير } فكان من مات من المسلمين يصير ميراثه و تركته لأخيه المؤمن في الدين دون قرابة و الرّحم الوشيجة .
فلمّا قوي أمر الإسلام أنزل الله تعالى : { النَّبيُّ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم و أزواجُهُ أُمَّهاتُهُم و أُولُوا الأرحامِ بَعضُهُم أولى بِبَعضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤمِنينَ و المُهاجِرينَ إلَّا أن تَفعَلُوا إلى أوليائِكُم مَعرُوفاً كانَ ذَلِكَ في الكِتَابِ مَسطُوراً } و هذا معنى نسخ آية الميراث …
للحديثِ الشريفِ تتمة …
[[ كتاب الغيبة و تفسير النعماني ( رسالةُ المُحكم و المُتشابه ) للشيخ النعماني ص ٣٥٨ ؛ تحقيق : مؤسسة الإمام المهدي قم المقدسة ]]