*#الرد_على_ من_ قال_ بحرمة_* *التقليد_وإليكم_ الأدلة_ على_ وجوبه!*

*#الرد_على_ من_ قال_ بحرمة_* *التقليد_وإليكم_ الأدلة_ على_ وجوبه!*

لا بد في البداية وقبل الدخول في صلب الموضوع من تنقيح مفهوم التقليد وذلك قبل ابراز حكم التقليد جوازاً أو حرمةً…وعلى هذا نرى بأنّ اللغة والاصطلاح والعرف متطابقة على أنّ التقليد هو: الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل؛ فالتقليد إمّا أن يكون بمعنى: الأخذ والالتزام، أو يكون معناه: العمل استناداً إلى رأي الغير، وهو العالم الجامع للشرائط.
والضرورة تقتضي التقليد؛ وذلك لأنّ كلّ مكلّف يعلم إجمالاً بثبوت أحكام الزامية فرضها الشارع المقدّس عليه، من وجوب أو حرمة، والإتيان بالواجب وترك المحرّم له طريقان: إمّا أنّه يعرف الواجب فيأتي به، والمحرّم فيتركه، وإمّا أنّه غير عالم بهما فيجب الرجوع إلى العالم بهما، وهو المتخصّص في عمله؛ لإبراء ذمّته أمام مولاه، وهذا هو معنى التقليد الذي هو: اعتماد غير المتخصّص على المتخصّصين والرجوع إليهم.
ومن هنا يظهر أنّ التقليد من الأمور الارتكازية؛ إذ رجوع كلّ ذي صنعة إلى أصحاب الصنائع، وكلّ من لا يعرف أحكام الدين يعتمد في معرفته لهذه الأحكام على المجتهد المتخصّص، فيضع عمله كالقلادة في رقبة المجتهد الذي يقلّده، وهذا غير محدّد بزمان بل هو جارٍ في كلّ الأزمنة.
والتقليد من فطرة العقول، والشارع قد أمضاه بعدم الردع عنه، فرجوع الجاهل إلى العالم في زمان الأئمّة(عليهم السلام) كان رجوعاً إلى من علم الأحكام بالعلم الوجداني الحاصل من مشافهة الأئمّة(عليهم السلام)، وأمّا في زماننا فهو رجوع إلى من عرف الأحكام بالظنّ الاجتهادي والأمارات.
(ويكون عمله تنزيلياً تعبّدياً لا وجدانياً، فهو الطريق الأكثر عملية، والأقرب لفعل الناس؛ لاعتيادهم في كلّ مجال على الرجوع إلى ذوي الاختصاص والخبرة، وهو واجب كلّ مكلّف لا يتمكّن من الاجتهاد أو الاحتياط).
لقد بدا التقليد الشرعي، بوصفه ظاهرة شرعية اجتماعية، في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، وبتخطيط منه،ثم بتطبيقه من قبل المسلمين بمرأى ومسمع منه وتحت إشرافه و بإرشاده (صلى الله عليه و آله).
قال آية الله العظمى السيد الخوئي: “التقليد كان موجودا في زمان الرسول (صلى الله عليه و آله) وزمان الأئمة لان معنى التقليد هو اخذ الجاهل بفهم العالم، ومن الواضح أن كل احد في ذلك الزمان لم يتمكن من الوصول إلى ‏الرسول الأكرم أو أحد الأئمة و أخذ معالم دينه منه مباشرة، واللّه العالم‏”.
كانت هذه هي البداية الأولى لنشوء ظاهرة التقليد الشرعي، والمظهر الأول لانبثاق سيرة المتشرعة في هذا المجال‏ من أحضان سيرة العقلاء.
ثم استمر التقليد يتبلور مفهومه بتبلور مفهوم الاجتهاد.
يقول شيخ الطائفة ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه “عدة الأصول‏”: “اني وجدت عامة الطائفة (يعني الإمامية) من عهد أمير المؤمنين إلى زماننا هذا (القرن الخامس الهجري) يرجعون إلى علمائها و يستفتونهم في الأحكام و العبادات، و يفتيهم العلماء فيها، و يسوغون لهم العمل بما يفتون به‏”.
و عليه فإن العقل و الشرع يحكمان بوجوب رجوع عامة الناس ــ غير الفقهاء ــ الى ذوي الاختصاص في الشريعة الإسلامية و هم الفقهاء المراجع ليكونوا من المعذورين عند الله في العمل بالأحكام الشرعية.
من الأدلّة التي يمكن الاستناد إليها في المقام هي: سيرة المتشرّعة، وهذه السّيرة لا تحتاج إلى إمضاء المعصوم ـ كالسّيرة العقلائيّة المتقدِّمة ـ، بل هي بنفسها تستبطن رضا المعصوم (عليه السّلام) وموافقته؛ باعتبارها سيرة خاصّة بالمتشرِّعة بما هم متشرّعة، وليس بما هم عقلاء.
وقد دلّت بعض الرِّوايات على أنَّ الأئمة (عليهم السّلام) أرجعوا شيعتهم إلى العلماء من أصحابهم في أخذ معالم الدّين وفي القضاء، وعلى هذا كانت سيرة أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) في الرّجوع إلى أصحاب الأئمّة الثقات وأخذ معالم الدّين عنهم؛ بأمرٍ من الأئمّة (عليهم السّلام) أنفسهم، وقد شهدنا عصرَ الغيبة الصُّغرى ووجدنا الشّيخَ الكلينيّ (قدَّس سرّه) يؤلِّف كتاباً يتضمّن اختيارات فقهيّة واستنباط للأحكام في الجمع بين الرِّوايات المتعارضة وترجيح بعضها على بعض، وهو كتابه المعروف بـ(الكافي)، وكذا وجدنا عليَّ بن بابوبه ـ والد الشّيخ الصّدوق ـ له رساله (الشّرائع) التي كانت مشهورةً بين الأصحاب، وقد نقل الشّيخ الصّدوق ولدُه فقراتٍ منها في كتبه، وهكذا يمتد الأمر إلى زمن الغيبة الكبرى فيؤلَّف الشّيخ الصّدوق ـ المولود بدعاء الحجّة (عجّل الله فرجَه) كما هو المعروف ـ كتاب (الفقيه) و(المقنع) و(الهداية)، ويؤلَّف الشّيخ المفيد كتاب (المقنعة)، ويؤلَّف الشّيخ الطوسيّ كتابَ (النّهاية)، وكلُّها كتبٌ فقهيّة ألّفها أصحابها للنّاس؛ لغرض العمل بها، كما تشير إلى ذلك مقدِّمات هذه الكتب.
بل نجد مِن علماء الطّائفة مَن يصرِّح بالإجماع على جواز التّقليد، كالسيّد المرتضى (قُدِّس سرُّه) الذي قال في الذّريعة ج 2ص786 : (لا خلافَ بين الأمّة قديماً وحديثاً في وجوبِ رجوع العاميّ إلى المفتي.. ومَن خالفَ في ذلك كان خارقاً للإجماع).
وقال الشّيخ الطوسيُّ في.العدّة في أصول الفقه ج 2 ص 729: (والذي نذهبُ إليه: أنّه يجوز للعاميّ ـ الّذي لا يقدر على البحث والتّفتيش ـ تقليد العالِم. يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامّةَ الطّائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) إلى زماننا هذا يرجعونَ إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماءُ فيها.
وقال المحقَّق الحليّ (قدِس سرُّه) في معارج الأصول ص 129: (اتّفاق علماء الأمصار على الإذنِ للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، وقد ثبت أنّ إجماع أهل كلِّ عصر حجّة).
والرِّوايات الشّريفة الواردة في جواز التّقليد، بل وجوبه على غير المجتهد والمحتاط ـ كثيرةٌ جداً، نذكر منها: قول الإمام الصّادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: (( اجلسْ في مسجد المدينة وأفتِ النّاس، فإنّي أحبُّ أن أرى في شيعتي مثلك).
وعند مراجعة الروايات تجد بأنّ الأئمة (عليهم السلام) قد علّموا أصحابهم أصول الإستنباط، ولم يكتفوا بإعطائهم الروايات فقط، ومن هنا تجد أنّ هذا الإرجاع لبعض الأصحاب دون غيرهم إنما هو بعنوان أنهم فقهاء يفتون الشيعة على وفق الموازين والضوابط التي وضعها لهم أئمة اهل البيت (عليهم السلام) لا بعنوان أنهم رواة فقط، ومن هذه الروايات التي يستفاد منها هذا المعنى:
1ـ تعليم الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم القواعد الكلية: روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر: نقلاً عن كتاب هشام بن سالم عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:” إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا”.
ونحوه جاء في كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الإمام الرضا (عليه السلام) قوله:” علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع”.
وكذلك ما ورد في الفقيه للشيخ الصدوق(قده) عن إسحاق بن عمار قال: قال لي أبو الحسن الأول (عليه السلام):” إذا شككت فابنِ على اليقين. قال: قلت: هذا أصلٌ؟ قال: نعم.
2ـ تعليمهم معاريض كلامهم (عليهم السلام) حتى يكونوا فقهاء: روى الصدوق بسنده عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا.
3ـ تعريفهم بكيفية علاج الأخبار المتعارضة بعرضها على كتاب الله والأخذ بالموافق للكتاب والمخالف للعامة، كما هو التفصيل المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة المشهورة.
4ـ تعليمهم طريقة الإستنباط من خلال التطبيق: ففي رواية أنّ زرارة بن أعين سأل الأمام الباقر (عليه السلام): من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك الإمام (عليه السلام) وأجابه: عرفته من كتاب الله، فعندما قال الله عزّ وجل:” فاغسلوا وجوهكم” عرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يُغسَلَ، وعندما قال: برؤوسكم ” عرفنا أنّ المسح ببعض الرأس، لمحلّ الباء.
وتوجد جملةٌ من الرِّوايات التي أرجعَ فيها الأئمّة (عليهم السَّلام) شيعتَهم إلى التّقاضي عند الفقهاء الأصحاب ولزوم الأخذ بقولهم، وهذا لونٌ من ألوان التّقليد والعمل بفتاوى وحكم الفقهاء.
ففي رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السَّلام): (إيّاكم أن يحاكِم بعضُكم بعضاً إلى أهل الجّور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه).
وجاء في معتبرة داود بن الحصين، عن أبي عبد الله الصّادق (عليه السّلام) في رجلينِ اتّفقا على عدلينِ جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلافٌ، فرضِيا بالعدلينِ، فاختلف العدلان بينهما، عن قولِ أيّهما يمضي الحكم؟ قال (عليه السّلام): (يُنظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفُذُ حكمُه، ولا يُلتفَت إلى الآخر).
وهكذا توجد عشرات الرِّوايات، وفي مختلف المجالات التي يُمكِن استفادة جواز التّقليد، بل وجوبه على مَن لم يستطيع استنباط الحكم الشّرعيّ بنفسه.
وأما بعض الكلمات الواردة عن ذمّ التقليد لبعض علمائنا إنما هي من باب قبول قول العير بلا حجة أو دليل..من هنا يتحتّم علينا الأخذ بالفتوى وتقليد العالم المجتهد بعد اقامة الحجة على ما توصلّ اليه من فتوى مستنداً الى الأدلة المأمور بالتمسّك بها في مقام التنجيز والتعذير. فتكون الحجية على هذا ثابتة للفتوى وللتقليد معاً بناء على أن ثبوت الحجية للفتوى فرع العلم بثبوت الدليل عليها واعتبارها غير منفصلة عن واقع الدليل المتبوع بل هي تماثله عيناً..وهو ما يحتاج الى دراسة اعمق لا محلّ لها هنا.ونكتفي بهذا المقدار
والحمد لله رب العالمين
*بقلم/السيّد إبراهيم سرور العاملي*
*البازورية/١١/٦/٢٠١٩*

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading