قد ظهر لك من جميع ما ذكرناه في الفصول السابقة : أن القول بوجوب وجود رجل واحد ناطق مرجع , لتمام الخلق في جميع الفيوضات الكونية والشرعية , وسلطان كل العوالم الكونية والإمكانية , غلط فاحش لا يجوز لأحد ادعاء هذا المقام , ولا يليق به إلا إمامنا الغائب المستور المنتظر عجل الله تعالى فرجه وإن ادعى ذلك غيره عليه السلام كان مصداقا لقوله عز وجل : ( وحملها الإنسن إنه كان ظلوما جهولا ) , إذاً المقام مقام الولاية المطلقة العامة ( هنالك الولية لله الحق ) ولم يدع ذلك المقام من دائرة الرعية أحد إلا بعض الزنادقة لعين الدنيا والآخرة , عليه اللعنة والعذاب من رب الأرباب من الآن إلى يوم الحساب , ثم إن المرجعية الموجودة في دائرة الرعية والإمامية , من ابتداء الغيبة الصغرى إلى الآن , كانت من قبل الحجة ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه إما بنص خاص , كالنواب الأربعة , وإما بنص عام كالعلماء الاثني عشرية , والفقهاء الجعفرية , أساطين الدين وسلاطين الشرع المبين , فهذا الناطق الواحد المدعي المسمى بأسماء عجيبة , أسماء الله وأسماء رسله وأولياءه , كالسلطان التام , ومؤسس الأسس , ومقنن القانون والحجة الإلهية , والشاهد على الخلق , والمنذر , ومربي جميع الذرات , وإمام الزمان , والنائب الخاص , والإله , والرحمن , والله , والرب , والمعبود , والمركز , والقطب , وسلطان الدنيا الآخرة , وغيرها من الأسماء التي مرت عليك في الكلمات المنقولة في الفصل الأول , إن كان مرجعيته لتمام الخلق باستقلال من ذاته ونفسه , ففساده وبطلانه أوضح من أن يتجشم بدليل , ويتمسك بتكثير القال والقيل , إذ ليس لنا الآن مرجع مستقل واجب الطاعة من جميع الجهات من الله عز وجل سوى بقية الله عجل الله تعالى فرجه . وإن كان مرجعاً من قبل الحجة عجل الله تعالى فرجه , فهذا لا يخلو من أنه إما يكون : بنص خاص أو عام , فالأول باطل : باطل بالبداهة , إذ بعد النواب الأربعة انسد باب النص الخاص , وانقطع سبيله , والثاني : دخل تحت عمومه كل الحاملين لأثارهم , والعارفين للأحكام , الحلال منها والحرام , الموجودين في كل عصر وأوان ومصر وزمان . فلم تنحصر المرجعية له وفيه , بل تكون له ولغيره من العلماء الراشدين , والفقهاء والمجتهدين , ففسد طريق الانحصار في الفرد الواحد بحكم العموم من النصوص . وهذه السيرة القويمة والطريقة المستقيمة كانت جارية , ومستقرة بين أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم من ابتداء الغيبة الكبرى إلى الآن وكلهم كانوا مرجعا للخلق في الأحكام الشرعية , وإن كان ألف منهم في زمن واحد وبلدة واحدة , ولم يخالف هذه السيرة القويمة أحد من الأصحاب سوى المرحومين : الحاج محمد كريم خان وولده الحاج محمد خان , بل كانت هذه السيرة مستقرة أيضاً في الغيبة الصغرى مع وجود النواب الأربعة المخصوصين المنصوصين , إذ لم يكن جميع الشيعة من جميع الأطراف والبلاد في ذلك الزمان , مأمورين بالرجوع إلى أولئك الأربعة في جميع الأمور والمسائل الشرعية وغيرها , والسؤال عنهم , بل كان في ذلك الزمان في البلاد والأمصار التي فيها الشيعة أيضاً علماء فقهاء , يرجع إليهم الناس والمحبون في مسائلهم الشرعية والأحكام والحلال والحرام , ولم ينكر أحد من النواب الأربعة ذلك , ولم ينهوا الخلق من الرجوع إلى العلماء في زمانهم , ولم يأمروا العلماء بالدعوة والرجوع إليهم , وسائر الناس بالأخذ منهم والرجوع إليهم , ولم يصدر من الناحية المقدسة الأمر برجوع الخلق والعلماء إلى النواب الأربعة المنصوصين في مسائل الحلال والحرام والأحكام , دون العلماء الموجودين المرضين , بل كانوا يعملون بما عندهم من الأصول الأربع مئة والأخبار المصححة , ويفتون بها من دون نكير من النواب المخصوصين المنصوصين , وكل واحد منهم كان مرجعا للشيعة في مسائل الحرام والحلال . نعم كان النواب واحدا بعد واحد في زمان الغيبة الصغرى وكلاء من قبل بقية الله عجل الله تعالى فرجه في جمع الحقوق والأموال , وما هو راجع إليه عليه السلام من الصدقات والأنفال , وسائر الحقوق , وإيصال عرائض الشيعة , إلى مولاهم ومالك رقابهم في حوائجهم , وبعض مسائلهم إذا احتاجوا إليها وإيصال ما يصدر من الناحية المقدسة من التوقيع الرفيع إلى أهله , كوكلاء سائر الأئمة عليهم السلام في سائر الأزمان , كعلي بن مهزيار وكيل الجواد عليه السلام , ومحمد بن سنان وكيل الهادي والعسكري عليهما السلام , وغيرهما من الوكلاء المنصوصين من قبل الأئمة في أزمنتهم , فكما لم يكن وكلاء سائر الأئمة عليهم السلام في أزمنتهم مرجعاً لكل الشيعة دون العلماء الموجودين في زمانهم , بل كانت الشيعة ترجع في مسائل الحلال والحرام إلى الوكلاءوالعلماء معاً , فكذلك في زمان الغيبة الصغرى , كانت الشيعة ترجع إلى النواب الأربعة والعلماء المعاصرين , لكل واحد منهم في أخذ المسائل الشرعية , وإن كان النواب مخصوصين فيما ذكر : من جمع الحقوق والصدقات الراجع إليه عجل الله تعالى فرجه , ونحوهما دون غيرهم من العلماء المعاصرين لهم.
فظهر : أن القول بوجوب وجود رجل واحد ناطق في كل زمان , ووجوب رجوع الخلق كلاً وطراً من العلماء والعوام إليه , ودعوة العلماء في كل قطر إليه , وعدم جواز الإفتاء لهم في مسائل جزئية وكلية إلا عنه , قول فاسد , ومذهب كاسد , ما قال به أحد من الأصحاب المتقدمين , والمتأخرين , والمشايخ الموحدين , وأنه قول مستحدث غريب ومذهب حادث عجيب.
وبالجملة , لسنا في هذا المختصر في صدد التعرض بتمام ما يستدلون به في المقام , كما تعرضنا لغالب أدلتهم الواهية في ( كتاب البوارق ) وإنما غرضنا الأهم , ومقصودنا الأتم , تطهير ساحة مشايخنا العظام , وتنزيه كلمات الشيخ الأوحد , والسيد الأمجد عن لوث ما ينسب إليهما في المقام , حتى لا يبقى لأهل الغرض محل جدال , ولأهل العناد مجال مقال . والحمد لله على ذلك , والشكر على ما هنالك , حمداً لايحصى عدداً , وشكراً لا يستقصى أبداً .