تحدث الباري تعالى عن سجود كل من الشجر والدواب والجبال ، مع العلم أننا لا ندرك من سجود المذكورات في الآية حساً ولا أثراً والله تعالى يقول : *{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ }*.
ففي هذه الآية المباركة بيان على أن كثيراً من الناس يسجد ، وكثيراً حق عليه العذاب بأنه لا يسجد ولا يخضع لله تعالى .
فقد نجد ويُلاحظ بين هذه الآية والآية الأولى *{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ }* اختلافاً وتناقضاً .
فالآية الأولى تقول على أن كل شيء دون استثناء يُسَبِّح اللَّه تَعَالَى مَن مؤمن أو كافر .
وهذه الآية تدل وتبيِّن علَى أن بَعْض الخلق يُسَبِّح وبعضاً لا يُسَبِّح لذا حَق و وجب عَلَيْه العَذَاب فَمَا وجّه الْجَمْع بين الآيتين ؟
*الْجَمْع بين الآيتين أن التسبيح ينقسم إلى قسمين هما:*
أ- تسبيح تكويني .
ب- تسبيح تشريّعي .
*أ- التسبيح التكويني :*
هو عبارة حكاية الأثر عن وجود مؤثر ، مثل : حكاية الأشعة بوجود منير لها ، وحكاية الدخان بوجود نار ، وحكاية الصنع بوجود صانع ، فالتسبيح على هذا المعنى الكل من الصالح والطالح ، مسبح لله تعالى لأنه أثر يحكي مؤثره وصانعه وهو الله تبارك وتعالى ، شاء أم أبي هذا المسبح .
*ب- التسبيح التشريعي:*
هُو عبّارة عن امتثال أوامر اللَّه تَعَالَى ونواهيه ، مَن الذِّكْر ، والفكر ، و الصَّلاة ، و الصيام ، وغيرها مَن الشرعيات الصادرة مَن الحق تَعَالَى .
فالتسبيح هنا يَكُون منوطاً باختيار المكلَّف إن شَاء شكر وإن شَاء كَفَر ، لذا قَال تَعَالَى في الآية الكريمة الثّانية *{ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ }* لأنه لم يختر الهداية و الإيمان بِاللّه تَعَالَى وعبادته .
فبالتسبيح التشريعي يحصّل التفاوت والتفاضل في القرب والبُعد مَن اللَّه تَعَالَى كلُّ علَى حسب إجتهاده ومعرفته ، وهذا التفاضل والتفاوت يُطلق عليه .