وبالتأمل في مطاوي ما ذكرناه تعرف أن حصول هذا الإسم للشخص لا يمكن بالتكلف ولا يكفي فيه مجرد إرادة الفاعل القوي من الخارج إذا جرى الأمر على مقتضى الأسباب العادية ولم يكن هنا داع قوي مغيّر لتلك الأسباب ومهيأ لأسباب باطنية نائبة تناب تلك الظاهرة كما كان يحصل عند إظهار بعض المعجزات من أصحاب المعاجز بل لا بد من حصول استعداد من جهة القابل أيضاً لذلك فمن جهة عدم حصول هذا الاستعداد في عمر بن حنظلة وعمار الساباطي لم يتحملا لظهور ذلك الإسم الكامن في هويتهما لما رأيا أشراطه كما لم يحتمل ذلك أصحاب موسى عليه السلام السبعون حتى وقعوا ميتين لأنهم طلبوا ذلك قبل حصول الاستعداد فتدبر ولا تغفل.
وليس من هذا القبيل عدم احتمال الملائكة لما علّم آدم الأسماء بل هذا من جهة كون الملائكة وجودات حرفية ناقصة حاملة لإسم جزئي خاص بشأن مخصوص من شئون تمام الوجود وجزء من أجزائه التي لا يتم وجود إلا بانضمام سائر الأجزاء إليه كاليد من الإنسان التام الأجزاء، فإن الإنسان لا يتم إنساناً بمحض حصول اليد بل يحتاج إلى انضمام سائر الجوارح والأجزاء إليها حتى يحصل هنا جسم إنساني تام الخلقة ولذا وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام بالخلو عن القوة والاستعداد لما سئل عنهم، فقال: (صور عارية عن المواد عالية عن القوة والاستعداد، تجلى لها فأشرقت، وطالعها فتلألأت وألقى في هويتها مثاله فأظهر عنها أفعاله)انتهى.
رواه ابن شهر آشوب في المناقب والكراجكي في الغرر والدرر والمراد بالمثال الملقى في هويته هو الإسم الإشراقي الذي بينّاه فتبصّر ولأجل نقصان وجودهم صار كل منهم موكلاً لجهة واحدة ومسبحاً لله تعالى على حال واحدة فإن منهم قياماً لا يركعون ومنهم ركعاً لا يسجدون، ومنهم سجوداً لا يقعدون، وهكذا بخلاف آدم فإنه لكونه جامعاً مملكاً كان الاسم الذي عُلِّمه اسماً جامعاً لمعاني جميع ما عند الملائكة من الأسماء بحسب رتبته، وبهذا استحق الخلافة وسجود الملائكة له لأن الاسم الذي كان عنده كان أحكى للإسم الموجود عند الخلق الأول صلى الله على محمد وآله الطاهرين وهو معنى كون أنوارهم في صلبه في التأويل والظاهر على حاله ومثل هذا الاسم لا يحتمله الملائكة لما عرفت من الوجه: بقي هنا دقيقة يجب التنبيه عليها وهي أن الكفار والمخالفين والمنافقين من يتلبس بأذكار بعض الأسماء الإلهية ويقوم ببعض وظائف العبادات لا لوجه الله بل طلباً لبعض المآرب الدنيوية الباطلة الزائلة فيظهر فيها أثر ذلك الاسم الذي يدعو الله به من جهة كون الأشكال مغناطيس الأرواح فيجاب له ما يريده من تلك الأمور الباطلة المخصوصة بالحياة الدنيا كما صرح بذلك في قوله ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَهانُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾ وقوله ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾. ومن هذا الباب تعويض الشيطان عن عبادته في الدنيا من التمكين في الأرض وعلمه بالاسم الأعظم فإنه علم ظاهر الاسم وكان فتنة له ومتاعاً إلى حين لأن عبادته كانت صورة عبادة لم يرد بها وجه الله ولم يأت من الباب كطاعة العاصين لأمير المؤمنين عليه السلام والناصبين له العداوة فإن الله سمى أعمالهم إطاعة في قوله: (أقسمت بعزتي وجلالي أن أدخل الجنة من أطاع عليا وإن عصاني، وأقسمت بعزتي وجلالي أن أدخل النار من عصى عليا وإن أطاعني)، مع أن أعمالهم صورة إطاعة لم يرد بها وجه الله أمير المؤمنين عليه السلام وهم لم يأتوا الله من ذلك الوجه فتبصّر.
ومن هذا القبيل أعمال أهل الحروف في بعض الأسماء الإلهية واستخراج بعض الأدعية والأذكار بالبسط والتكسير واستجابة دعاءهم بها مع كون العامل غير مرضي عند الله، ولا مريداً لوجه الله ولا ينافي ذلك ما قدمناه من أن غير المؤمنين لا تستجاب لهم دعوة شرعية فإن مرادنا بذلك حصول السعادة الشرعية الدنيوية والأخروية وهي لا تحصل بأمثال تلك الأعمال فإن لها طريقاً واحداً لا يخطئ وهو الاعتقاد بولاية من أمر الله بولايته أعني أئمة آل محمد الطاهرين صلى الله عليه وعليهم أجمعين ثم العمل بما أتوا به من عند الله والمواظبة عليها بدوام الإخلاص لا غير
فمن تخلف عن ذلك فنعيمه عذاب فكيف بشقائه وهذا هو السر في منع الأئمة عليهم السلام عن تعليم بعض الأدعية للأعداء معللين بأنهم ربما يستعملونه في الحوائج غير الشرعية فافهم وتبصّر واعلم أن الكلام في هذا المقام طويل الذيل وإنما اقتصرنا منه على أدنى ما يؤدى به المطلوب فإن القلب غير مجتمع والله ولي العناية.
صحيفة الأبرار مولانا الأوحدي الميرزا محمد تقي المامقاني أعلى الله مقامه