الشهادة بالفضل والعلم لا توجب الدخول في سلسلة الرواة
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه كثيرا من يشهد الإنسان بأن الطرف المقابل عالم ذو ملكة واقتدار , وإن كان فاسقاً أو كافراً أو خارجاً , ولكن لا ترضى نفسه أن يدخله في سلسلة مشايخ الإجازة , لعدم أهليته وقابليته . إذ الشهادة تدور مدار الوجود وهو ملاكها , ومهما وجد شهد له ولو عند الأجنبي . بخلاف تحمل الآثار وجعله من نقلة الأخبار , فإنه يحتاج إلى وثوق واطمئنان وأهلية .
مثلاً إنا نشهد لكثير من الأحبار والقسيسين وعلماء المخالفين بالعلمية والفضل والملكة , وكونه في غاية القوة من التحقيق والدراية , ولا نرضى أندخلهم في زمرة حملة الأخبار , ونقلة الآثار قطعاً , وهذا واضح لا غبار عليه
اجتماع إجازة الدراية والرواية
فالإجازتان بينهما عموم من وجه , متعلقاً ومورداً , قد يفترقان , فتكون هناك إجازة دراية ولا رواية , فيما إذا كان المستجيز ذا ملكة واجتهاد , ولم يكن مرضياً ولا ثقة لدى المجيز .
وتكون إجازة رواية ولا دراية فيما إذا كان المستجيز طرف الاطمئنان والوثوق , ولم يبلغ درجة الاجتهاد , ويجتمعان فيما إذا حوى المستجيز كلتا الرتبتين والدرجتين الرفيعتين .
الإجازة هي الرواية
فكل مجيز بالدراية إن كان المستجيز موثوقاً ومرضياً عنه لديه لا بد أن يصرح فيها بإجازة الرواية أيضاً , بل يجعل الدارية مقدمة ووسيلة إلى ذلك , ويقول حيث إن فلان بلغ كذا وكذا من العلم والفضل أجزته أن يروي عني مسموعاتي ومقروآتي وهكذا .
فلو كانت الإجازة فاقدة وخالية عن إجازة الرواية سقطت عن درجة التشرف والافتخار , بل وعن الاعتبار , بل لا تعد عندهم إجازة أصلاً .
أمثله على إجازات الرواية المقرونة بالاجتهاد والفضل
أنظر إلى إجازات القوم للشيخ الأوحد الأحسائي أعلى الله مقامه , وإجازاته لسائر تلامذته , كالسيد الأمجد والمولى الميرزا الكوهر والشيخ عبدالخالق اليزدي وحجة الإسلام الآخوند ملا محمد المماقاني والميرزا عبدالرحيم القره باغي والملا محمد تقي الأردبادي وغيرهم .
وكذا إجازات السيد الأمجد أيضاً للميرزا الكوهر والشيخ أبي خمسين الأحسائي وثقة الإسلام التبريزي والشيخ عبدالخالق والآخوند ملا حسين الخسروشاهي … وغير وغير أعلى الله مقامهم , على ما وصلت إلينا وكشفنا عنها .
أية واحدة منها خلت عن إجازة الرواية , مع تصريحهم باجتهادهم وفضلهم , فبعد ما بالغ المجيزون في فضل المستجيز وعلميته وقوته لا محالة ذيلوها وشرفوها بلفظ أجزت له أن يروي عني كذا.
وما رأينا شيئاً من إجازات المشايخ فاقد لإجازة الرواية , لأنهم على ديدن الأصحاب السابقين ووتيرتهم , لا يختلفون عن مسلكهم وطريقتهم في هذه الأمور غالباً .
فكل إجازة دراية عندهم بالنسبة إلى من هو محل الوثوق والاطمئنان – لا مطلقاً – تشتمل على إجازة الرواية , ولا عكس .
الإجازة الخالية من الرواية
فإذا رأيت الإجازة قد احتوت على وصف المستجيز في ملكته وفضله , ومع ذلك لم تشرف بلفظ أجزت , فهذا تلميح من المجيز , بل نصب إمارة على أن المستجيز ليس بمقبول ولا مرضي عنده .
وأن تلك الشهادة منه صدرت مشوبة بنوع من الإعذار والتقية , ودفعاً عن بعض المحاذير , وملاحظة بعض العواقب والمصالح .
وربما يستعمل في شهادته وعباراته بعض التورية , ويأتي بألفاظ ذات وجوه ومعاني عديدة , له من بعضها المخرج والتفصي , ولأهلها تلويح وإشارة . فعلى هذا كلما زادة الإجازة , توصيفاً ومبالغةً ولم تذيل بإجازة الرواية زادت ضعفاً ووهناً , واكتست ثوب التشابه , وغبار عدم الاعتناء .
النتيجة
فثبت بحول الله وقوته أن إجازة الدراية بمجردها إذا عرت عن إجازة الرواية لا فخر بها ولا كرامة , إن لم تكن مزرية بحال المستجيز , ومشيرة إلى قصر مقامه . وإلا لما عدل فيها عن سيرة الأمثال والأقران , ولم يخل عنه بكلمة أجزت , او فارو عني , أو حدث , ولأدخله في سلسلة الشجرة المباركة , وأودعه أسرار والآثار وأنوار الأخيار , وشرفه برخصة الدعوات وإجازة الأذكار , التي هي الشرط , أو الجزء الأعظم في تأثيرها , المرسومة في إجازات الكملين للكملين , والمتداولة بين الخواص الواصلين .
الأهمية لإجازة الرواية في فضل المستجيز
إذا أتقنت ذلك عرفت ما في قوله سلمه الله تعالى:
( مع أن إجازة الرواية ليس بها في الواقع أهمية … ) إلى قوله
( والشأن كل الشأن في إجازة الدراية والفتوى والاستقلال في العمل فإنها لا تعطى لكل أحد … ) انتهى .
من عدم إصابة الحق , وخروجه عن جادة الحقيقة , لما عرفت من أن الإجازة اسماً ورسماً وتداولاً هي الرواية لا غير , وهي المهم قديماً وحديثاً , وهي المعيار والعلامة على كون المستجيز مقبولاً وموثوقاً ومرضياً عنه لدى المجيز , وعلى أن صدور الإجازة منه ليس مشوباً بنحو من الأعذار , بل على نحو الرغبة والرضا والاختيار .
وعرفت أن إجازة الدراية المحضة ليس لها شأن من الشأن , وإنما هي شهادة على الملكة والقوة كسائر الشهادات , تدور مدار الثبوت والوجود , ولو عند الفاسق والكافر , وليست هي عطيته ورتبته من المجيز , حتى تدل على أهليته المحل والمورد .
فإن المجتهد الفاسق أيضاً تكليفه هو الاستقلال بالعمل وحرمة الرجوع إلى الغير , وكل من اطلع على فضله وملكته يشهد له بذلك ولا يكتمها , إذ لا مزية لهذه الشهادة ولا كرامة بها , إلا إذا كانت محتوية ومذيلة بإجازة الرواية كما عرفت .
فتلك إن حصلت من أهلها هي النعمة العظمى والكرامة الكبرى ينبغي أن يضرب عليها آباط الإبل , ويشهد إلى تحصيلها الرحل من مخف ومثقل , وتطمئن إليها النفوس , ويطأطأ لها الرؤوس .
وتلك الإجازة العربية المدعاة المنسوبة إلى السيد قدس سره إن صحت فهي كما تراها شهادة صرفة , وليست هي من المزايا , ولا لها شأن من الشأن .
عدم التلازم بين الإجازتين
وأما قوله سلمه الله تعالى ( على أن إجازة الدراية لازمها إجازة الرواية فإن المجاز في الفتوى فإنما يفتي بمقتضى الرواية لا غير … ) فغير سديد .
أما أولاً: فلما سبق من أن تلك شهادة على الموجود , وهذه عطية من المجيز , ومنحة وجود , وإنما تباين مفهوماً , وعموم من وجه مورداً , فأين اللزوم , وأي دلالة للشهادة بأن زيداً مجتهد , ويستقل بالعمل على أنه مجاز أن يروي من الكتب الأربعة أو غيرها .
وثانياً: فلأن مقام الإجازة ليس مما يتسامح ويتوسع فيه , بل هو مقام الحصر والضيق , يتبع فيها مفاد العبارات المحكمة , لا عبرة فيها باللوازم والمتشابه والمحتملات , بل المدار على النصوص والظواهر والتصريحات .
وثالثاً: فلو كانت الملازمة المذكورة صحيحة وثابتة فلم لم يعبأ بتلك الإجازة المدعاة في فصل الخطاب , ولم يصدر كتابه بها مع أنه كتاب رواية , وتلك الإجازة لازمتها إجازة الرواية على ما ذكره .
وأما قوله سلمه الله تعالى ( والفرق بينهما يعلم من الخير الوارد عنهم صلوات الله عليهم ( خبر تدريه خير من ألف خبر ترويه ) والأخبار في الفرق بينهما معددة … ) انتهى .
فكأنه سلمه الله تعالى رام الاستدلال على علو رتبته إجازة الدراية على قسيمها بهذا الخبر المعروف .
فأما الأصل أي تقدم تلك الإجازة من حيث هي , وتفوقها على صاحبتها كذلك فلا إشكال فيه , لأن الدراية شرفها ذاتي , وقسيمها شرفه كسبي , ولكن دلالتها على علو درجة المجاز , وكونه مورد عناية المجيز فكلا , إلا بالشرط الذي أسلفناه لا مطلقاً .
الكاتب: الامام المصلح والعبد الصالح آية الله المعظم الميرزا حسن الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف