[[ أُم أبيها القَيِّمة صلوات الله و سلامه عليها (٣) ]]
اللهم صل على محمد و آل و صلني بمحمد و آل و عنهم لا تقطعني ..
اللهم صل على فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها و السر المستودع فيها بعدد فضائل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه …
تحدَّثنا في ما سبق من أجزاء هذا البحث عن أمومةِ و قيمومةِ الصديقة الكبرى صلواتُ الله و سلامه عليها في مقام اللا إشارة و لا رسم و هو مقام المعنى الذي لا يقع عليه إسمٌ و لا شبه و مقام وحدة و جمع الأسماء الحسنى في مقام أحديتها ﴿ الإسم الأعظم الأعظم الأعظم الأجَلِّ الأكرم الذي خلقه فاستقر في ظله فلا يخرج منه إلى غيره ﴾ و هو مقامها حيث امتحنها خالقها قبل أن يخلقها و هذا المعنى ما جاء في حديث إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه حيث يقول : (( و أنا أحذركم أن يُجعَلَ محمداً مصنوعاً لكان الذات محدثاً مصنوعاً و هذا هو الكفر الصراح )) ..و هو نفس المضمون الذي جاء في زيارتها الشريفة : (( يا مُمتحنةُ أمتَحنكِ الله الذي خلقك قبل أن يخلقك )) ..
و حديثنا في هذا المنشور سيكون حول ظهورات و تجليات أمومة و قيمومية الصديقةُ الكبرى صلواتُ الله و سلامه عليها في كل طبقات الوجود ..
سأبدأ حديثي عن بداية الخلق في العالم الثاني و هو ما تجلى من مقام الأحدية في مقام الواحدية و هو مقام الإسم الجامع ﴿ الله ﴾ ..و من ثمَّ ظهور الأسماء الحسنى التي لا حصر لها و لا نهاية و هي بدورها تختلفُ في مراتبها حسب قُربها من الإسم الجامع ﴿ الله ﴾ الذي ظاهره الله و باطنهُ ﴿ علي ﴾ ..و تلكم الأسماء هي حقائقٌ عظمى لا نعرف كنهها و لا أسرارها و كُلُّ تلك الحقائق رموزٌ تُشيرُ إلى القَيِّمة صلواتُ الله عليها و ظهوراتها في كُلِّ تلك الطبقات الجبروتية ..
فَفاطمةُ صلواتُ الله عليها هي المحور في كُلِّ هذه الأسرار و المجالي و المظاهر و التجليات و هذا ما سنُثبتهُ إن شاء الحجة بن الحسن صلوات الله عليه من خلال كلماتهم و الرموز التي أودعت فيها …
في البداية لابُدَّ أن نعلم أن كُلَّ تلك الظهورات إنما هي صورٌ طاهرةٌ يتقلبون فيها و هي من تجلياتهم و ظهوراتهم و إلَّا فإنَّ حقيقتهم الأعلى مكنونةٌ في مقام اللا إشارة و هو مقام ﴿ الصورة الأنزعية ﴾ و هي الحقيقة المحمدية العلوية الفاطمية العظمى ، و هذه الصور أخبرنا عنها مولانا الصادق صلوات الله و سلامه عليه في حديثٍ طويل مروي عن المفضل بن عمر : (( قال المفضل ، قلت : يا مولاي زدني شرحاً ، فقد علمت من فضلك و نعمك ما أقصر عن صفته ، قال : يا مفضل ، سل عمّا أحببت ، قلت : يا مولاي تلك الصورة التي رأيت على المنابر تدعو من ذاتها إلى ذاتها بالمعنوية ، و تصرح باللاهوتية ، قلت لي إنَّها ليست كلية الباري و لا الباري و لا الباري غيرها ، فكيف يُعلم بحقيقة هذا القول ؟
قال : يا مفضل تلك بيوت النور ، ⬅️ و قُمُص الظهور ➡️ و ألسن العبارة ، و معدن الإشارة ، حجبك بها عنه و دلّك منها إليه ، لا هي هو ، و لا هو غيرها محتجب بالنور ، ظاهر بالتجلي ، كل يراه بحسب معرفته ، و ينال على مقدار طاعته ، فمنهم من يراه قريباً ، و منهم من يراه بعيداً .
يا مفضل ، إنّ الصورة نور منير ، و قدرة قدير ، ظهور مولاك رحمة لمن آمن به و أقر ، و عذاب على من جحد و أنكر ، ليس وراءه غاية و لا له نهاية ..))
و هذه الصور لا حصر لها و لا نهاية ، قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حديث المعرفة بالنورانية : (( ..أنا أتقلب في الصور كيف شاء الله ..)) ..و الزهراء صلوات الله عليها كذلك فهي كفؤ علي صلواتُ الله عليه في كُلِّ شيء ..
ستسألني : إلى أين تُريد أن تصل ؟ اصطبر علي و ستتضح لك الصورة إن شاء الله تعالى ..
إذاً صار واضحاً لدينا أنَّ هناك الحقيقة الأولى التي لا إسم لها و لا رسم و هي النقطة التي فاضت عنها جميع النقاط و الحروف و الكلمات في عالم الحقيقة و الأنوار ..و أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه هو الذي يقول : (( أنا النقطة أنا الخطة ، أنا النقطة و الخطة )) ..و باطن تلك النقطة فاطمة صلواتُ الله عليها و هذا المعنى ورد أيضاً في كلمات الأمير صلواتُ الله عليه و هو يتحدَّثُ عن الصديقةُ الكبرى صلواتُ الله عليها : (( فأنا النقطة و هي باطنها ..)) ..
ثمّ فاضت من تلك النقطة كل الكلمات كما قلنا سابقاً … فكُلُّ تلك التجليات العلوية الظاهرة في مقام الواحدية و مقام الأسماء الحسنى فاطمةُ حقيقتها و باطنها ..باطنُ علي هي الزهراء ..و باطنُ الزهراء هو عليٌ صلواتُ الله عليه ..كما جاء في حديث طارق بن شهاب عن أمير المؤمنين متحدثاً عن محمداً و آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين : (( فهم ظاهر الباطن و باطن الظاهر ؛ فهم ظاهر الصفات الباطنة و باطن الصفات الظاهرة ..))..فالزهراء صلواتُ الله عليها هي أمٌّ للحقائق و الأسرار المحمدية العلوية ..
مثالٌ لتوضيح المعنى : جاء عن مولانا علي بن الحسين عليهما السلام : حدَّثني أبي ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال : (( …فقال الله عزوجل : انظر يا آدم إلى ذروة العرش ، فنظر آدم و واقع نور أشباحنا من ظهر آدم إلى ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية ، فرأى أشباحنا فقال : ما هذه الأشباح يا ربِّ ؟ قال الله : يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي و بريّاتي ، هذا محمد و أنا الحميد و المحمود في أفعالي ، شققت له اسماً من إسمي ، و هذا عليٌّ و أنا العلي العظيم ، شققت له اسماً من إسمي ، و هذه فاطمة و أنا فاطر السماوات و الأرضين ، أُفاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي ، و أُفاطم أوليائي عمّا يبيرهم و يشينهم ، فشققت لها اسماً من إسمي …)) ..فعندنا هنا ﴿ الحميد المحمود ﴾ و عندنا ﴿ محمد ﴾ ، و عندنا ﴿ العلي العظيم ﴾ و عندنا ﴿ علي ﴾ ، و عندنا ﴿ فاطر السماوات و الأرضين ﴾ و عندنا ﴿ فاطمة ﴾ ..فمحمد هو الحميد المحمود في مقام الأسماء الحسنى ، و علي هو العلي العظيم في مقام الأسماء الحسنى ، و فاطمة هي فاطر السماوات و الأرضين في مقام الأسماء الحسنى ..و الحديثُ هنا حديثٌ عن التجليات و التنزّلات من طبقة الجبروت إلى طبقة الملكوت ، و من الملكوت إلى الناسوت …و هذا المعنى تجلّى واضحاً جلياً في حديث الكساء الشريف حيث قال جبرائيل : (( إنَّ العلي الأعلى يقرؤك السلام و يخصك بالتحية و الإكرام ..))..و عليٌ صلواتُ الله عليه يقول : (( و إسمي في السماء السابعة العلي الأعلى ..)) فالمجلسُ الشريف كان موجوداً في كُلِّ طبقات الوجود من اللاهوت و الجبروت و الملكوت و الناسوت ..و في كل طبقة بحسبها ..فظهور العلي الأعلى في الأرض كان علي صلواتُ الله عليه ..و ظهور فاطر السماوات و الأرضين في الأرض كانت فاطمة ..و هي المحور في كل هذه الطبقات ..و لذلك جاء الخطاب من قبل الذات الإلهية : (( هم فاطمةُ و أبوها و بعلها و بنوها ..)) فالكلُّ قد نُسِبَ إليها ..فهي أُم أبيها و أُم الأسرار و أُم الحقائق ..و الواقعةُ وقعت في بيت فاطمة صلوات الله عليها ..و لكن ما هو بيتها في تلكم الطبقات اللاهوتية الجبروتية الملكوتية ؟؟ ..هناك إشارتٌ في كلماتهم تُخبرنا عن عِظَمِ الحقيقية مثلاً ما جاء عن إمامنا الباقر صلواتُ الله عليه : (( بيت علي و فاطمة حجرة رسول الله ، و سقف بيتهم عرش رب العالمين ..)) ..
فبيتُ فاطمة صلوات الله عليها في أعلى مراتبه هو حقيقة فاطمة …
و من حديث الكساء الشريف إلى حديثٍ آخر و أيضاً في بيت فاطمة صلوات الله عليها و الحديث فيه حول تجلي و ظهور العلي الأعلى …ألا تلاحظون الرمزية و العُمق في الكلام ؟؟!!
(( عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : بينما رسول الله صلى الله عليه و آله في منزل فاطمة و الحسين في حجرهِ إذ بَكَى و خَرَّ ساجداً ثم قال : يا فاطمة يا بنت محمد إنَّ العلي الأعلى تَرَاءَى لي في بيتِك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة و أهيأ هيئة ، فقال لي : يا محمد ! أَتُحِبُّ الحسين ؟ قلت : يا رَبِّ قُرَّةُ عيني و ريحانتي و ثمرةُ فؤادي و جِلدَةُ ما بين عيني ، فقال لي : يا محمد ! و وَضَعَ يَدَهُ على رأس الحسين عليه السلام بورك من مولود عليه بركاتي و صلواتي و رحمتي و رضواني و نقمتي و لعنتي و سخطي و عذابي و خزيي و نكالي على من قتله و ناصبه و ناواه و نازعه ، أمَا أنَّهُ سيد الشهداء من الأولين و الآخرين في الدنيا و الآخرة و سيد شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين و أبوهُ أفضلُ منه و خير فَأَقرِئهُ السلام و بَشَرهُ بأنَّهُ رايةُ الهدى و منارُ أوليائي و حفيظي و شهيدي على خلقي و خازنُ علمي و حُجَّتي على أهل السماوات و أهل الأرضين و الثقلين الجن و الإنس )) ..
إطفئ السراج فقد طلع الصبح …
للبحث تتمة إن شاء الحجة بن الحسن صلوات الله و سلامه عليه ..