ورد في التفاسير أن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول : (( لكل شيء نسباً ونسبتي
(( قل هو الله أحد )) .
وعلة ذلك أن هذه السورة الشريفة لم يرد فيها ذكر للجنة والنار والدنيا والآخرة والمآكل والمشارب , ولا حتى للحلال والحرام وغير ذلك , بل كانت تتحدث عن التوحيد الخالص ووصف الله عز وجل فقط , عارية من جميع العوارض والخصائص ومتعلقات الدنيا والآخرة ولهذا وُسمت بأنها نسبة الرب , وكل إنسان قرأ هذه السورة المباركة فقد انتسب إلى الله ذي الحلال , ونسي كل مادونه , وهذا طبعاً من خصائص أولياء الله , ولا يمكن للناس العاديين وحتى أكثر من العاديين الوصول إلى هذا المقام المنيع .
ومن هنا يظهر كلام رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام حينما قال له : (( يا علي مامثلك في الناس إلا كمثل (( قل هو الله أحد )) في القرآن ))
أي كما أن سورة (( قل هو الله أحد )) مبنية لتوحيد الله من أولها إلى آخرها , فكذلك وجودك ياعلي من أول حياتك إلى آخرها هو تجل للتوحيد وبقاء له , ولم يكن في حياته سلام الله عليه أية شائبة في الدنيا والآخرة أو الجنة والنار أو غيرها .
وحقاً من يمكنه أن يضاهي رجلاً ولد لِدين الله و (( للِه )) حتى استشهد في سبيل الله و (( لله )) عز وجل ؟! .
إن عبادة علي عليه السلام كانت كلها لله عز وجل , كما يقول : إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك .
وعندما بات علي عليه السلام في فراش رسول الله صلى الله عليه وآله لينقذ حياته من خطر الموت الحتمي والشهادة على أيدي جهال قريش – وكما يقال إنه كان فدائي النبي صلى الله عليه وآله – كان كذلك أيضاً لله عز وجل , وقد نزلت آية قرآنية وهي قوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله … ).
وقد أجمع جمهور المفسرين من أهل الخاصة والمحققين والمنصفين من مفسري العامة ومنهم (( الموفق بن أحمد الخوارزمي )) في (( المناقب )) و (( الحمويني )) و (( الثعلبي )) في تفسيرهما و (( ابن عقبة )) في ملحمته و (( أبو السعادات )) في (( فضائل العترة الطاهرة )) و (( الغزالي )) في (( إحياء العلوم )) أن هذه الآية المباركة نزلت في ليلة المبيت في شأن أمير المؤمنين علي عليه السلام .
وعندما بقي علي عليه السلام ثلاثة أيام جائعاً وقد أعطى غذاءه للمسكين واليتيم والأسير , كان ذلك طلباً لرضا الله عز وجل وقد نزلت في آية قرآنية وهي قوله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولا شكوراً ) .
وعندما كان علي عليه السلام يضرب بالسيف كان ذلك لله ولدين الله فقط وحتى عندما جلس عليه السلام في داره وترك حقه القطعي إنما فعل ذلك لرضا الله ولبقاء الإسلام .
وعندما قبِل علي عليه السلام الخلافة بعد أن جلس في داره خمساً وعشرين سنة وفي ذلك الزمان الحرج والحساس فإنه كان أيضاً طلباً لرضا الله عز وجل .
وفي آخر حياته المليئة بالتوحيد قال : (( فزت ورب الكعبة )) (3) .
لقد وُلد عليه السلام في بيت التوحيد ( الكعبة ) وفتح عينيه على وجه التوحيد ( رسول الله صلى الله عليه وآله ) واستشهد في بيت التوحيد ( مسجد الكوفة ) لبقاء التوحيد .
(3) : كان ذلك عندما ضربه ابن ملجم – لعنه الله – على رأسه الشريف في مسجد الكوفة , وهو يهوي إلى السجود , وقد كان مختباً خلف الأسطوانة , فقال علي عليه السلام : فزت ورب الكعبة .
راجع ينابيع المودة :1/161 .
إن سورة (( الإخلاص )) هي شرح للإخلاص , أما علي عليه السلام فهو الإخلاص نفسه !
وسورة التوحيد هي شرح للتوحيد , أما علي عليه السلام فهو التوحيد نفسه !
إن قلمي ليعجز عن توضيح وشرح هذه الحقيقة التوحيدية الجميلة , ولذا سأضعه جانباً بكل حياء وخجل وأطأطئ رأسي معظماً ومستسلماً أمام كل هذه العظمة والكبرياء وأختم البحث .
📚 المصدر : تفَسير الثقلين.
✨المؤلف : سماحة آية الله المعظّم المولى
الحَاج ميرزا عبد الرَسول الحائِري الإحقاقي قدس سره