• وقفة عند الزيارة الجامعة الكبيرة

• وقفة عند الزيارة الجامعة الكبيرة

موسى بن عبد الله النُخعي سألَ الإمامَ الهادي “صلواتُ الله عليه” وقال لهُ: (علّمني يابن رسول الله قولاً بليغاً كاملاً أقوله إذا زرتُ واحداً منكم) فقال لهُ الإمام ما قال وفاضتْ شِفاههُ الطاهرة بهذا النصّ العظيم (نصّ الزيارة الجامعة الكبيرة).
والمُراد مِن القول البليغ الكامل: يعني أنّهُ صالحٌ لكُلّ الأزمةِ ولكُلّ الأمكنة، ولكُلّ الأشخاص، ولكُلّ المناسبات، ولكُلّ الخُصوصيّاتِ ولكُلّ العُموميّات.. إنّهُ بيانٌ مُفصّلٌ يشتملُ على الدقائق ويحتوي على الحقائق يقودنا إلى الرشاد ويُبعدنا عن الغيّ ويسلكُ بنا طريق السداد.. قولٌ بليغٌ كامل يعني أنّهُ دستورٌ صريحٌ ودقيقٌ في كُلّ ما سيعرضهُ ويُبيّنه.
فمِن دلالاتِ القولِ البليغ الكامل أنَّ مضمونَهُ يكونُ واضحاً للعيان، وإلّا فما هُو بقولٍ بليغٍ كامل، فإنَّ المُراد مِن القول البليغ هُو القولُ الذي يَمتلكُ القابليّةَ على أن يُوصِلَ مَضمونَهُ إلى العُقول والقُلوب ولابُدَّ أن يكونَ مُطابقاً للواقعِ والحقيقةِ وإلّا لن يكونَ بليغاً.. لأنَّ القولَ البليغَ الحقيقيَّ لابُدّ أن يكونَ صادقاً، لابدَّ أن يكونَ خليّاً مِن الإضافاتِ غير الحقيقيّة بعيداً عن المبالغاتِ التي تُشوّهُ المعاني.. ربّما تُجمّلُ الأشياءَ الناقصة، ولكنّنا نتحدّثُ هُنا عن أجملِ الجمالِ وهُم مُحمّدٌ وآلُ مُحمّد “صلواتُ الله عليهم” فلا معنى لِصِيَغ المُبالغة هنا.
حينما يتوجّهُ الحديثُ إلى اللهِ وإلى وجهه، وهُم “صلواتُ الله عليهم” وجههُ فلا معنى لِصِيَغ المُبالغة ولا معنى للمُبالغات هُنا.. فإنَّ ما سيكونُ هُنا هو دُونَ الحقيقةِ كما هي هي، وإنّما هُو في مُستوى الحقيقةِ الذي يُناسبُ عُقولنا، يُناسبُ مداركنا.. أمَّا الحقيقةُ كما هي هي بالنسبةِ لهم فإنَّ رسولَ الله يقطعُ علينا الطريق ويُوضّح المعنى جليّاً حين يقول “صلَّى الله عليه وآله”:
(يا علي لا يعرفُ الله إلا أنا وأنت، ولا يعرفني إلّا الله وأنت، ولا يعرفُك يا علي إلّا الله وأنا)
حديثُ رسول الله يقطعُ علينا الطريق.. فالقضيّةُ واضحةٌ صريحةٌ في أنّنا إذا أدركنا الحقائقَ فهي بِحَسَبنا، والقولُ البليغُ الكاملُ هُو بِحَسَبنا.. حقائقهُ ودقائقهُ بِحَسَبنا، لا بِحَسَبهم هُم.. وهذا هُو الذي أشرتُ لهُ قبل قليل مِن أنّنا نَعرفُ جانباً مِن شُؤونهم، جانباً مِن أحوالهم، جانباً مِن مقاماتهم.. وهذا هُو الذي يتحدّث عنهُ هذا القولُ البليغُ الكامل.
فهذا القولُ لن يكونُ بليغاً حتّى يكونَ صادقاً (صادقاً مِن الجهةِ المعرفيّة، وصادقاً مِن جهةِ الظُهورِ والتطبيقِ على أرض الواقع).
• الزيارةُ الجامعةُ الكبيرة لَيستْ مَخصوصةً لِعَصْر الحُضور.. الزيارةُ مَرويّةٌ عن إمامنا الهادي، فهذهِ الزيارةُ لَيستْ مَخصوصةً لِعَصْر حُضُورهم مِثلما كانَ إمامنا الهادي حاضراً وكانَ إمامُنا العسكريُّ حاضراً.. فذلكَ عَصرُ الحُضور.
وليستْ الزيارةُ مَخصوصةً بعَصْر الغَيبة.. لا للغَيبة القصيرة ولا للغَيبة الطويلة (أعني الغَيبة الصُغرى، والغيبة الكبرى بِحَسَب ما هو معروفٌ عند الشيعة).
فهذا النصُّ (نصُّ الزيارة الجامعة الكبيرة) هُو لِعصْر الحُضور ولِعصْر الغَيبةِ القصيرة ولِعصْر الغَيبة الطويلة ولِعصْر الظهور ولِعصْر الرجعة.. هذا نصٌّ معرفيٌّ، ومِن دِلالاتِ أنّه قولٌ بليغٌ كامل أن يكون كذلك.. فهو نصٌّ معرفيٌّ للعصْر الذي صَدَر فيه، ولِعَصْر الغَيبة القصيرة، ولِعصْر الغَيبة الطويلة، ولِعصْر الظهور الشريف، ولِعصْر الرجعة العظيمة.
قد يختلفُ الفَهْمُ مِن زمانٍ إلى زمان، كما أنَّ الفَهْم قد يختلفُ مِن شخصٍ إلى شخصٍ في زمانٍ واحد، ولكنَّ الفَهْم قد يختلفُ اختلافاً كبيراً مِن زمانٍ إلى زمانٍ بِحَسَب المُعطياتِ المتوفّرة إن كان ذلكَ على الصعيد النظري أو كانَ ذلك على الصعيد العملي.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة