– القراءة الأولى للإسلام: هي “قراءة الغدير”.
وهذه القراءة بدأت بشكلٍ رسمي على أرض الواقع مُنذ بيعة الغدير التي حدثتْ في السنة العاشرة للهجرة، وبقيتْ تتحرّك إلى اليوم الخامس عشر من شهر شعبان سنة 329ه.. بالضبط إلى يوم وفاة السفير الرابع عليّ بن محمّد السَمَري.
قراءة الغدير قراءة كشفت لنا الحقائق (وأتحدّث هنا عن حقائق الكتاب والعترة).. هذه القراءة كشفتْ لنا الحقائق بأسلوب الظاهر والباطن والمعاريض ولحن القول وحُصّن كُلّ ذلك في كثيرٍ من الأحيان بقوانين التقيّة والمُداراة.. ولكن قواعد الفَهم وأصول التفكير في هذه القراءة بقيتْ واضحةً جدّاً لِمن أراد أن يتقلّب في أجواء منهجها (أعني منهج الكتاب والعترة).
صحيح أنّ هذه القراءة بسبب ظُلم الظالمين بقيتْ في دوائر خاصّة، في دائرة محمّد وآل محمّد “صلواتُ الله عليهم” وفي دائرة شيعتهم.. هذه القراءة مُنذ سنة 329هـ بقيت حبيسة في الكُتب لم تتحرّك على أرض الواقع.. ويبدو أنّها ستبقى حبيسةً مِن خلال المُعطيات الموجودة على أرض الواقع الشيعي يبدو أنّ هذه القراءة لن تتفعّل على أرض الواقع الشيعي إلّا بظهور إمام زماننا “صلواتُ الله عليه”.
علماً أنّ هذا لا يعني أنّ مُراد إمام زماننا هو هذا.. فالمفروض أنّ هذه القراءة لا تتوقّف، ولكنّها توقّفت بسبب إنكفاء علماء ومراجع الشيعة على الفكر الناصبي..
وبسبب ما جاء به كبار مراجع الشيعة من فكر مُخالف لأهل البيت، وما جاؤوا به من قواعد وأصول وقوانين سلّطوها على منهج الكتاب والعترة، فعاد مُمزّقاً وصار حبيساً في جوامع الحديث التي لطالما حمل عليها مراجعنا ولازالوا يحملون عليها بحرابٍ وسيوف ورماحٍ تتمظهر بعلم الرجال وعلم الدراية وعلم أصول الفقه وعلم الكلام وما يُسمّى بمجموعة عُلوم القرآن التي جيئ بها وببقيّة العلوم التي أشرتُ إليها مِن العيون الناصبيّة الكدرة.. هذه هي القراءة الأولى.
● القراءة الثانية للإسلام هي: قراءة السقيفة.
وهذه القراءة بدأت تتحرّك وبقوّة منذ اليوم الذي قُتِل فيه رسول الله “صلّى الله عليه وآله” بالسمّ شهيداً.. فحين استُشهِدَ رسول الله بدأتْ قراءة السقيفة تتحرّك وبشكلٍ سريعٍ وواسع.. وقراءة السقيفة هي قراءة السُنّة على اختلاف مذاهبهم واتّجاهاتهم. تتميّز هذه القراءة بالنقاء من فكر العترة الطاهرة.
وربّما مِن أفضل المصاديق عليها: صحيح البخاري.. فهو كتابٌ نقيّ بتمام معنى النقاء مِن كُلّ حديثٍ عن إمامنا الصادق أو عن سائر أولاده الطاهرين مِن الأئمة المعصومين.خصوصيّة صحيح البخاري هي خلوّه من أحاديث إمامنا الصادق.. فهو كتابٌ نفيٌ لا يشتمل إلّا على الفكر السقيفي.
— قراءةُ السقيفة قراءةٌ مُتشعبّة لكثرة المذاهب وكثرة الاتّجاهات.. وما أحاديث انقسام الأمّة من بعد النبيّ إلى 73 فرقة إلّا تعبيرٌ عن 73 قراءة.. لكنّ قراءة السقيفة هي القراءة الأم وتفرّعتْ منها قراءاتٌ كثيرة جدّاً.
● القراءة الثالثة للإسلام هي: قراءة شيعة عصر الغيبة الكبرى.
وهذه القراءة بدأت منذ وفاة السمري السفير الرابع من سفراء إمام زماننا في الفترة التي نُسمّيها بالغَيبة الصُغرى.
فبدأت هذه القراءة مُنذ بداية الغَيبة الكُبرى أي مُنذ سنة 329هـ ولا زالت هذه القراءة مُتسلّطة على الواقع الشيعي إلى هذه الّلحظة.. ويبدو أنّها هي التي ستستمرّ لأنّ المؤسّسة الدينيّة تُدافع عنها بنحورها، والشيعة كذلك.. فمِن المُستبعد جدّاً جدّاً أن تعود الشيعة إلى قراءة الغدير. ستبقى مُتمسّكة بهذه القراءة وهي قراءةُ علماء ومراجع الشيعة.. وهي عبارة عن مزيج من شيءٍ قليل من فكْر الكتاب والعترة مع شيءٍ كثير مِن قراءة ومِن فكر الكتاب والسقيفة.
— هناك منهجان: هناك منهج الكتاب والعترة.. وهناك منهج الكتاب والسقيفة.
فقراءة شيعة عصر الغَيبة الكُبرى قراءةٌ تشتملُ على مضامين وأصول وقواعد أُخذ القليل فيها من الكتاب والعترة، ومُزج مع الكثير الذي أُخذ من منهج الكتاب والسقيفة (وأعني بمنهج الكتاب والسقيفة هو المنهج العُمري: حسبُنا كتاب الله) ودُونكم تفاسير علماء الشيعة لا علاقة لها بمنهج الكتاب والعترة، وإنّما زيفاً يُقال عنها أنّها تُمثّل منهج الكتاب والعترة.
— وهناك قراءة السقيفة وهي القراءة المُنتشرة عند أكثر المُسلمين.. فالشيعة هُم الأكثريّة، والشيعة هُم الأقليّة.
— وهناك قراءة شيعة عصر الغَيبة الكبرى.. وهي القراءة الموجودة في ساحتنا الشيعيّة على المُستوى المرجعي، على مُستوى المؤسّسات المُتفرّعة عن المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة، على مُستوى الإعلام، على مُستوى المِنبر الحُسيني.. على جميع المُستويات.
هذه القراءة هي الحاكمة والمُتسلّطة والمُتنفّذة في الواقع الشيعي. هي جماعٌ ما بين حقائق أُخذتْ – وبمستوىً قليل – من الكتاب والعترة، مع جماعٍ كثير ولُمامٍ كثير من منهج الكتاب والسقيفة! وبشكلٍ موجز:
— قراءة السقيفة (وبعبارة مُختصرة: السُنّة)
السُنّة آمنوا بالكتاب وكفروا بالعترة شكلاً ومضموناً واستعاضوا عن العترة بالسقيفة.. فقد جاءوا بالسقيفة وآمنوا بها شكلاً ومضموناً.
وفي الحقيقة فإنّ الذي يكفر بالعترة يكفرُ بالكتاب أوّلاً.. فإنّ الكتاب لن يفترق عن العترة كما في حديث الثقلين.
والجواب: حين سلّطلوا منهج السقيفة (علم الرجال، علم الأصول، علم الكلام، علم الدراية، علم التفسير، علوم القرآن) سلّطوا هذه العلوم والقواعد التي جاءوا بها من كُتب المُخالفين سلّطوها على حديث أهل البيت، فقد كفروا بحديث أهل البيت “صلوات الله عليهم”.
فالمؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة تُعرض بوجهها عن 90% مِن حديث أهل البيت.. أليس هذا كُفرٌ بمضمون العترة؟
— السُنّة كفروا بالغدير شكلاً ومضموناً.. والشيعة آمنوا بالغَدير شكلاً فقط، ولكنّهم كفروا بالغَدير مضموناً.. فمضمون الغَدير أنّ تفسير القرآن لا يُؤخذ إلّا مِن علي.. ودُونك تفاسير علماء الشيعة لا علاقة لها بمنهج عليّ في التفسير
مضمون الغدير أنّ قواعد الفهم تُؤخذ من عليّ.. ودُونك قواعد الفَهم والتأصيل في الواقع الشيعي لا علاقة لها بعليّ.
ابحثوا عن أصول وجذور ما عندنا من الأصول، ولربّما مِن أبده البديهيّات ما يُسمّى عندنا بأصول الدين الخمسة.. هذه الأصول الخمسة لا علاقة لها بمنهج عليّ، هذه الأصول الخمسة جيئ بها من الأشاعرة والمُعتزلة.. علماء ومراجع الشيعة جاءونا بأصولٍ ثلاثة مِن الأشاعرة وهي (التوحيد والنبوّة والمعاد) وأضافوا إليها أصلاً رابعاً بشكلٍ علميّ وعقائديّ خاطىئ فأضافوا (العدل) أصلاً رابعاً جاءوا به مِن المُعتزلة.. ثُمّ أضافوا إلى هذه الأصول أصلاً خامساً وهو (الإمامة). وإلّا فإنّه لا تُوجد آية في القرآن ولا رواية عن آل محمّد تتحدّث عن هذه الأصول الخمسة.. ومَن يرفض كلامي فليأتِ بآيةٍ أو رواية عن النبيّ وآله الأطهار تُثبت هذه الأصول.
علماً أنّني لا أُنكر أنّ هذه المضامين موجودة في طوايا الكتاب وفي طَوايا حديث العترة لكنّني أتحدّثُ هنا عن تأصيل، عن تقنين، عن تقعيد، عن منهج.. لا أتحدّث هكذا بشكلٍ اعتباطي.
— لربّما من الشواهد الملموسة على ما أقول: هذا الميل الشديد الموجود عند علمائنا ومراجعنا وأحزابنا الشيعيّة التي أسّسها مراجعنا وعلماؤنا الكبار وعند مُؤسّساتنا الإعلاميّة التي يُشرف عليها مراجعنا الكبار أو مَن ينوب عنهم، منابرنا الحسينيّة التي هي تحت إشراف مراجعنا الكبار أيضاً وبتوجيهاتهم.. هناك ميلٌ واضح باتّجاه المُخالفين.. ويتجلّى هذا في العلماء والمراجع أكثر من عامّة الشيعة؛ لأنّ عقل النُخبة الشيعيّة مُعبأ بالمُصطلحات والقواعد والأفكار المأخوذة من العيون الكدرة.. أمّا عامّة الشيعة في علاقتها الوجدانيّة وحتّى في مُفرداتها العقائديّة التي تتداولها بعيداً عن مسامع العلماء والمراجع هي أقرب إلى آل محمّد من تلك التي تُتداول في الوسط العلمي في المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة الرسميّة.