هل يجب تقليد الأعلم ؟
قال الله عز وجل ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) الأنبياء 7 ، وقال عز من قائل ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) التوبة 122 ، وقال إمامنا الصادق عليه السلام ( انظروا إلى رجل منكم روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً ، فإني قد جعلته عليكم حاكماً . وإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فكأنما بحكم الله استخف وعلينا ردَّ ، والرادُّ علينا كالرادِّ على الله ، وهو على حدِّ الشرك ) ، وقال إمامنا العسكري عليه السلام ( فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه ) ، وقال إمامنا المنتظر عجل الله تعالى فرجه ( أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله ) .
فلا يشم من هذه الأوامر رائحة الوحدة والأعلمية ، وكلها صريحة في عدمها ، وإنَّ تشخيص الأعلم ممتنع عادة أو متعسر جداً ، وكيف يمكن تشخيص الواحد من بين العلماء والمجتهدين مع كثرتهم وتفرقهم في الأمصار والأقطار ؟ .
والحال أنهم ما اتفقوا في أعلمية المقيمين بالنجف الأشرف ، أو ببلدة قم مثلاً ، بل كلٌ من المراجع فيها يدعي الأعلمية ، وتلامذته من حاشيته يعلنون بأعلمية صاحبهم ، وهذه نعراتهم قد صَمَّت الأذان . هل ترى أنهم لا يعملون بما يقولون ويخالفون آراءهم ؟ أو لامتناع التشخيص كما نقول ؟
وعلى أي حال هذه الأمة المرحومة في سعة من هذه التضييقات التي أتتنا من الآراء التي صعَّبت هذه الشريعة السهلة السمحاء .
وليس من العقل ولا من الإنصاف أن نضيِّق على أنفسنا ما وَسَّعه الله وخلفاؤه علينا . بلى أمرونا بالرجوع إلى كلام الأعدل ، كما في أخبارهم عليهم السلام .
نعم إن اتفق أهل الفن جميعاً من دون اختلاف على أعلمية أحدهم ، وأعلنوا على ما اتفقوا عليه فالأولى حينئذ تقليد الأفضل مع وجود الفاضل .
وحكم العقل بذلك واضح إذا اجتمع فيه سائر الشروط ، وأنَّى لهم بذلك .
وهَلاَّ يوجبون تقليد العادل والأعدل ، والزاهد والأزهد ، والأتقى والأورع ؟
في هذا العصر المنفور الذي سماه أهله بعصر النور ، كتسمية الزنجي بالكافور ، الذي استفحلت فيه النفس الأمارة بالسوء ، وتوغلت في شهواتها ، وزاد أعوانها ودحرج تيار المادية معنوية غالب الفقهاء وروحانيتهم .
اللهم إنَّا نعوذ بكرمك من غضبك ، وبرحمتك من سخطك ، ونسألك بحق حبيبك محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين أن توفقنا لما تحب وترضى آمين .