نواعي الشيخ محمد بو خمسين ٤
(انصار الحسين عليه السلام)
فلعمري أيها المؤمنون المتمسكون بالولاية , والأصفياء العاملون بمحكم الآية والرواية أن أنصار سيدنا الحسين فجر الهداية , عليه وعلى آبائه وأبنائه ألاف التحية والسلام من عالم النهاية إلى مالا نهاية , قد حازوا من الثواب , مالا يكيفه عقول أولي الألباب ووصلوا من الاعتدال والكمال , حد لا يتصوره , لأن ذا الجلال أكرمهم بأشرف نوال بذبهم عن عقائل الآل وبذلهم نفوسهم دون سيدهم المفضال , ولكن لا عجب أن حضوا أولئك الأبدال بالسعادة , ونالوا بين يدي سيد السادة , ومنبع العبادة الشهاده , وحازوا بالنصيب من المعلا والرقيب , لأنهم كانوا من أولي الدراية , وأهل السبق في الإجابة عند التكليف بالولاية , وكانوا معلومين بأشخاصهم وأسمائهم عند الله من قبل أن يخلقهم الله , ومعروفين عند أولياء الله , لاسيما عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) , وآل رسوله عليهم سلام الله من قبل أن ينزلوا إلى هذه الدنيا ولقد نصروه في غير هذا العالم وبذلوا مهجهم دونه ودون أهل بيته وصبيته فإن جميع ما يجرى من الأمور في هذا العالم قد جرى من قبل في عوالم الغيب من الذر الأول والثاني , لأن عالم الشهادة على طبق عالم الغيب حرفا بحرف إذ هو مظهرهُ فلا يتصور مخالفة المظهر للظاهر , كما لا يخفى ذلك على الرجل الماهر , فلو خالف الغيب الشهادة , وبالعكس لما كانت مظهراً لهُ ولما سمى أحدهما عالم غيب والآخر شهادة , وإلى هذا المعنى يشيرا أولاً, قوله تعالى : ( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) وفكر في تدابيره تعالى ( هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) أي هل ترى أي خلل وعيباً (ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) كرةً للاستظهار والتفكر وكرةً للاستدلال والتدبر ( يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) أي ذليل كليل مقراً بأنه لا عيب ولا ريب ولا تفاوت ولا اختلاف في تدابيره تعالى , وأفعاله الجارية على خلقه في جميع عوالمه , ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) , قل ( لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) . ( وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) , و ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) , وثانياً النصوص الواردة في بيان ذلك عن أهل الخصوص مثل قوله بن سيد البشر علي بن موسى الرضا عليه السلام في الخبر المعتبر , عند أحبار العصر , لاسيما عند شيخنا وسيدنا وحيدي الدهر عليهما رضوان الله ما صُليت الفجر لبعض أصحابهِ قد علم أولو الألباب أن الاستدلال على ما هنالك لا يُعلم الا بما هاهُنا وتصديق أن أصحاب الحسين عليه السلام , كانوا معروفين عند أمناء الله , فلعمري أنهم رضوان الله عليهم , قد وافوا بما عاهدوا الله عليه من قبل ( وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) , بل سارعوا إلى ما ندبهم إليه , وبذلوا مُهجهم في ساعة العسرة , دون سيدهم إمام الأنس والجِنة , وسيد شبان أهل الجنة . ودون هتك حرم الرسول وودائعه وحرائره , ومخدرات علي الليث الصؤل , و عقائله وجواهره وبنات الزهراء البتول , و مصوناتها ودررها . صلى الله عليهم ما اقتبست منهم الهداية العقول , ابتغاءً منهم لمرضاة الله تعالى , وحفظاً لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله , وذباًً عن دين الله . ولم يصدهم عن مطلوبهم حرابُ بني حرب اللئام , ولا سيوف بني أمية الطغام , بل قابلوها بصدورهم ونحورهم , ونكسو شجعان أولئك الأوغاد عن خيولهم , ولم يضرهم مالاقوه من الرتق , وما شربوه من الرنق , وذاقوه من الغصص والآلام , من أكف أولاد الحرام , دون الإمام عليه السلام , وأهل بيته الكرام . لقوا الله عنهم راضٍ فوفاهم حسابهم وأسكنهم دار الأمن من بعد خوفهم , ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) , فصارت نيرانُ حربِ بني حرب في ذلك اليوم الميشوم عليهم برداً وسلاماً . لعلمهم أنهم يحفظون للرسول ذماماً , ويصيرون في غدٍ لديه قوماً كراماً , وأنهم المعنيون بقوله تعالى : ( أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً )