نظرة تأملية جديدة في حديث الثقلين

دعوة إلى التفكّر والتدبّر

نظرة تأملية جديدة في حديث الثقلين

حديث الثقلين وموثوقية التراث الروائي الشيعي

الشيخ محمد حيدر

إنّا نرى أن قول النبي الأعظم (ص) في حديث الثقلين: (إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما، كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إليَّ أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)، لهو خير مرشد ودليل على موثوقيَّة التراث الروائي الشيعي بمعنى الذي ذكرناهكون جلّه صادراً عنهم (عليهم السلام) بحيث يعكس بمجموعه دين الحق والإسلام المحمديّ الأصيل الذي عليه المدار في النجاة يوم القيامة.

وذلك أن الحديث الشريف المذكور دال بدلالة الاقتضاء على بقاء القرآن والعترة في كل عصر وزمان بالنحو القابل لأن يهتدي عامة المسلمين بالتمسَّك بهما، لتوقف صحَّة أمر المسلمين كافة بالتمسُّك بهما للعصمة من الضلال إلى يوم القيامة على ذلك.

فلو أن القرآن والعترة زالا بالكليَّة في زمن من الأزمنة، أو أنهما بقيا لكن لا بالنحو القابل للاهتداء بالتمسك هما، كما لو بقي القرآن الكريم محرَّفاً، وبقي الإمام من العترة (ع) غائباً لا سبيل إلى اللقاء به ولا إلى الارتواء من معين علمه، لما كان ثمة وجه لأن يبيِّن رسول الله (ص) للأمة أن لا مرجع لها بعد رحيله من الدنيا سواهما، ويأمرها بالتمسُّك بهما في العصمة من الضلال إلى يوم القيامة!! وحاشا النبي (ص) أن يأمر سفهاً ويُخبر شططا.

فالحديث المذكور كما يدل على أن الله تعالى تعهَّد بحفظ القرآن الكريم من التحريف ليكون كتاب هداية للأمة إلى يوم القيامة كما دلَّ عليه قوله تعالى: {إنّا نَحْنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظون}، فكذلك يدل على بقاء العترة بالنحو القابل للاعتصام بها من الضلال في كل عصر وزمان إلى يوم القيامة كما يقتضيه قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمونَ} الذين دلت النصوص الكثيرة على أنهم هم المقصودون بأهل الذكر في الآية الكريمة، وأنهم هم من أمر الناس بمسألتهم ليهتدوا.

ومع اقتضاء الحكمة الإلهية لغياب الإمام من العترة في آخر الزمان فلا يتحقق الاهتداء العترة به إلا بحفظ أقوالها وتعاليمهم إلى يوم القيامة.

وبما أن الفِرَق الإسلامية كافة أعرضت عن عترة نبيِّها (ص) ولم تعتنِ بالرواية عنها كما لا يخفى على من راجع كُتبهم، وانفرد الشيعة بذلك، فيتعيَّن أن تكون تعاليم العترة وأقوالها محفوظة في التراث الروائي الشيعي، ولا تتحقق العصمة من الضلال بالتمسُّك بهذا التراث إلا بموثوقيَّته بالنحو الذي ذكرناه من كونه يعكس بمجمله أقوالهم وتعاليمهم عليهم السلام.

إذ لو لم يكن أكثره صادراً وكانت مرجعيَّته تعتمد على المبنى في حجيَّة أخبار الآحاد وأنه يُنتج حجيَّة أكثر هذا الترات ومرجعيَّته أم لا، لما كان التمسك بالعترة للعصمة من الضلال ممكناً للكل، بل لمن يرى حجيَّة أكثر هذا التراث دون سواهم.

بل حتى من يرى حجيَّة أكثر هذا التراث لا يكون تمسكهم به والحال هذه ـ أي مع عدم كون الأكثر صادراً واقعاً ـ عصمة من الضلال بل عذراً في الغواية والضلال كما لا يخفى، وأين هذا من مفاد حديث الثقلين؟! فتأمل جيداً.

ولتأتى للنّاس ـ حينئذ ـ أن يحتجوا على الله تعالى يوم القيامة بأننا أردنا أن نهتديَ ونعتصمَ من الضلال، فبحثنا عن القرآن الكريم فوجدناه قد حُرِّف شأنه في ذلك شأن الكتب السماويَّة السابقة، وبحثنا عن العترة فوجدنا الإمام المعصوم من العترة قد غيَّبته لحكمة أنت أعلم بها، ووجدنا أقوال العترة وتعاليمها قد ضاع أكثرها او كثير منها على يد الكذّابين والوضَّاعين ولم يصل منها إلا النزر اليسير مما لا يكاد يفي بالاهتداء إلى الحق في تفاصيل العقيدة والفروع الفقهيَّة!!

وحاشا لله تعالى أن يكون لعباده حجَّة عليه يوم القيامة وهو القائل في محكم كتابه المجيد: {لِئلا يَكون للنّاس على اللهِ حجَّة بعد الرُّسُل}, والقائل عزَّ من قائل: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}
.
فليست حجّة الله القائمة على العباد إلى يوم القيامة إلا الكتاب والعترة, ولا تكون الحجة بهما بالغة إلا بإيصالها للمكلَّفين عامَّة, لا بمعنى وصولها فعلاً لكل واحد منهم كما لا يخفى (يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً)!!, بل بمعنى جعلها في معرض الوصول, بحيث يصل إليها من يكون طالباً للهداية وباحثاً عن الحق منهم؛ وذلك إما لأن المراد من وصفها بالبالغة هو ذلك من البلوغ بمعنى الوصول, أو لأن ذلك من أوضح مستلزمات الحجَّة التامة القاطعة للعذر الذي قد يُدّعى أنه المقصود من وصف الحجة بالبالغة في الآية الكريمة.

وكما أن حجَّته تعالى البالغة لم تبطل بختم النبوة والرسالة بحفظ القرآن الكريم مصوناً من التحريف {لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، فكذلك لم تبطل بختم الأوصياء وغياب الوصي الخاتم (عجل الله فرجه)، بحفظ أقوال وتعاليم العترة الطاهرة التي هي عدل الكتاب وترجمانه لئلا تبطل حجج الله وبيناته.

والحمد لله أولاً وآخراً.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading