ما المُراد مِن مُفردة “النَصر”..؟

ما المُراد مِن مُفردة “النَصر”..؟

المعنى الذي يتردّدُ على مُستوى الألسنةِ، على مُستوى الكتابةِ والتأليف، على مُستوى الإعلامِ والتثقيف، على جميع المُستويات.. المُرادُ مِن النَصر: هُو الغَلَبةُ الظاهرةُ الواضحةُ لطرفٍ مِن الأطرافِ على طرفٍ آخر.. والذي نَعرفهُ هو أنَّ الأقوياء هُم الذين يكونون أصحابَ النَصر.. والانتصارُ هُو النتيجةُ التي يصِلُ إليها الغالبُ القوي.. هذا هو النصر والانتصار الذي يُتحدَّثُ عنهُ في أجواءِ لُغتنا العربيّة.
إنّني أتحدّثُ هُنا عن لُغةِ العرب وثقافةِ العرب، ولا شأن لهذا الكلام بما يَدورُ في الّلغاتِ الأُخرى.. لأنّنا إذا أردنا أن نتحدَّثَ عن الّلغاتِ الأخرى فلابُدّ مِن وجودِ ترجمةٍ دقيقةٍ جدّاً، ونَحنُ لا نَتحدّثُ في مِثل هذهِ الجهات.. فكلامُنا خاصٌّ بلغةِ العرب، بثقافةِ العرب.
● النَصر في أصلِهِ وفي جُذورهِ هو: هو غَلَبةُ المظلومُ على الظالم فقط.. هذا هو معنى النَصر في أصل الّلغةِ وفي الثقافةِ العربيّة قبل تحريفِ مَعنى النَصر.. فإنَّ معنى (النَصر) في الثقافةِ العربيّة تمَّ تحريفهُ، وهذا الأمرُ ليسَ افتراضاً، وليسَ استنتاجاً.. مَن أراد أن يتأكّد ممّا أقول فليرجع إلى الموسوعاتِ الّلغويّة وليرجع إلى الشِعر الجاهلي، وليقرأ الأمثال العربيّة، وليُدقّق النظر في الحكاياتِ وحتّى في الأساطيرِ وفي الوقائع التي سُجّلت في دِيوان الأدب العربي.
● النَصر هُو غَلَبةُ المظلومُ على الظالم فَقَط.. حينما يأخذُ المظلومُ حقّهُ مِن الظالم في لُغة العرب في أصلها.. راجعوا مَعاجمَ الّلغة، وراجعوا مُتون الأدب العربي، ولكن ابحثوا بدقّة.. ستجدون أنَّ لفظة النَصر في لُغةِ العرب لا تُقالُ لِغَلَبةِ أيّ غالب.. وإنّما النَصر هُو حينما يأخذُ المظلومُ حقّهُ مِن الظالم.
نعم قد تأتي هذهِ الكلمة (النَصر) بمعنى المَعونة، بغَضّ النَظَرِ أكانت هذهِ المعونة في طَريق العدل أم في طريق الظُلم، أكانت في طريقِ الحقّ أم في طريق الباطل.. فيُمكن لِظالمٍ أن يُعينَ ظالماً على مظلومٍ ويُقال أنّهُ نَصَرهُ.. أي نَصَرهُ في الإعانة.
أمَّا إذا كان هُناك مِن سجّالٍ أو مِن حَرَبٍ أو مِن صَراعٍ بين المظلومِ والظالم، وانتصرَ المظلوم (يعني تفوّق) فَهذا هُو الانتصارُ والنَصر.. أمَّا إذا كانَ الذي تفوّق هو الظُالم فلا يُقالُ لهُ نَصر، ولا يُقالُ لهُ انتصار.
● (المظلومُ سَحَق الظالم بِحقٍّ، المظلومُ أخَذَ حقّهُ، المظلومُ انتقمَ مِن الظالم).. انتقامُ المظلومِ مِن الظالم نَصر، غَلَبةُ المظلوم على الظالم نَصر.. أخذُ المظلومِ لحقّهِ وبقوّةٍ من الظالم ذالكَ هو الانتصار.. هذا هو الموجود في نُصوص الأدب العربي، وهذا هُو الموجود في معاجم الّلغة.. وحديثي هُنا عن أصل الكلمة وعن جُذورها واستعمالاتها في الّلغةِ العربيّة.. وهذا الكلامُ كانَ مَوجوداً إلى زمانِ رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” لكن حينما بدأ التحريفُ مِن يوم السقيفة حُرّفت الحقائق..!
● هُناك حديثٌ مَشهور وهذا الحديثُ موجودٌ في كُتُبِ الشيعة وفي كُتُب السُنّة إلى الحدّ الذي صارَ كالأمثالِ يُضرَبُ مضربَ الأمثالِ لِشيوعهِ وانتشارهِ واشتهارهِ وهُو هذا الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)
النُصرةُ للمظلومِ واضحةٌ وهي تنسجِمُ مع المعنى الّلغوي والأدبي الذي أشرتُ إليه للنَصر.. أمَّا النُصرةُ للظالم بحَسَب تَفسير النبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله” لهذهِ النُصرة فالمُراد مِنها: أن تمنَعَهُ وتَردعهُ بأن يستمرَّ في ظُلمهِ.. وفي الحقيقةِ هذا نَصرٌ للمظلومِ وليس للظالم.. وإنّما هي طريقةٌ بديعةٌ في التعبيرِ لأجلِ إيصالِ هذهِ المعلومة ولإلفاتِ النَظَرِ إلى المطلبِ الذي تحدّثَ عنهُ الحديث.
نعم هُو نَصرٌ للظالمِ مِن جهةٍ مِن الجهات، ومِن حيثيّةٍ مِن الحيثيّات.

#البوصله الفائقه /يا حسين/ ح10
الشيخ الغزي.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة